شغل الدكتور حسن الترابى زعيم حزب المؤتمر الشعبى الجديد الساحة السياسية السودانية بعد ندوته الاخيرة التي اتهم فيها الحكومة قائلاً انها خانت ميثاق المؤتمر الوطنى في نظامه واستخدمت في ذلك المال والسلاح. وهدد الترابي في ندوته التى حشد لها نحو عشرين الفا من السودانيين، النظام الحاكم بقوله اذا جنحوا للسلم اهلا واذا تصادموا اصطدمنا.. ونحن جاهزون. وعلى مدار الثلاثة ايام الماضية انشغلت الصحف السودانية بطرح الترابى حيث افردت صفحاتها للتحليل السياسى لخطاب الزعيم الاسلامي والذى وصفته احدى الصحف بـ (الاسد الجريح) . يقول الكاتب الصحافي الاسلامي محمد طه محمد رئيس تحرير صحيفة (الوفاق) : (لا جديد في ندوة الشيخ حسن الترابى سوى انها نقلت من الساحة الخضراء الى ميدان المولد السجانة) . وتذكر الناس التعليق المدهش والطريف عن السودان اذا يقول شارع الحرية في الخرطوم يؤدي الى السجانة. ويتابع لقد ظن الترابى ومجموعته ان الحكومة سوف تمنعهم من ممارسة حريتهم لكن السلطات منحتهم التصديق وسارت سياراتهم وهى تحمل مكبرات الصوت من شارع الحرية الى السجانة ويضيف: (اعظم ما تفعله السلطة ان تدع الترابى يتحدث ويتحدث وتدع على الحاج (نائب الترابي) يتحدث ويتحدث ان الحديث من فضة والسكوت من ذهب) . ويضيف محمد طه: (ان الترابى هو الزعيم الوحيد الذى ظل يتحدث من عام 1969 وحتى 2000 وهو ايضا الذى ظل يتحدث منذ عشر سنوات ولم يكن يحتاج الى اذن من احد بل هو الذى كان يعطى الاذن حينما اصدر قانون التوالى ثم عدل القانون ليمنع الاحزاب من الكلام ان لم تكتمل الاجراءات الخاصة بالتسجيل وها هو يتحدث في ندوة كبرى قبل ان يكمل اجراءات التسجيل) . ويمضي في القول: (نعم.. لا جديد في ندوة الترابى سوى انها جاءت بغير توقعات الترابى الذى ظن ان السلطة سوف تمنعه وربما صادمته ووضعته في السجن فيصبح مثل نيلسون مانديلا ويكسب تعاطف الناس.. يضيف ان عهود الهتافات انتهت وما عاد الناس يعيشون على الشعارات.. ولن تفلح محاولات استفزاز الترابى للسلطة لانها تعاملت معه بهدوء جراح يشق بطن مريض وهذه هى الحكمة) . هذا هو حال الشارع السياسى الآن في السودان كل (القاعات والطاولات) محجوزة للكلام في السياسة وحالة من التشابكات مثل الكلمات المتقاطعة احيانا سرعان ما تتطور الى التوازى البعض ينتقد بعنف النظام والنظام ينتقد ذاته بهدوء الى ان عاد حسن الترابى الى الشارع السياسى يطالب بحقه في ميراث النظام باعتبار انه (ارهق نفسه) منذ العام 1969 وحتى الان ويخرج كما يقول المثل الشعبى من المولد بلا حمص. والمشهد السياسى الان في الخرطوم يشبه (المسرح السياسي) بمساجلاته على حد تعبير امين حسن عمر رئيس تحرير الانباء والذى يقول ان المساجلات بين الاخوة الفرقاء ولانقول (الاعداء) اذ منذ اعلان الدستور تهيأت الساحة السياسية تمثل هذه المناظرات والتى بدأها الترابى قبل ثلاثة ايام. ويضيف ان الاحزاب السياسية المسجلة ظلت في حالة بيات شتوى صيفي طويل كأنها تترقب حدوث شىء ما او كأنها لاتصدق ان الساحة السياسية قد هيئت لديمقراطية تعددية تنافسية لدى الجماهير, الحرارة لم تدب الى ساحة العمل السياسى ذلك ان الجميع كانوا في انتظار جودو الشهير في مسرح بيكيت لكن جودو لم يأت لذلك ظل الحديث عن الوفاق مادة رئيسية لعناوين الصحف ولكن حصان الوفاق الابيض ظل محصورا في اسطبلات الحركة الشعبية وعندما جاء حزب الامة اختلجت الساحة بحركة غير مسبوقه لكنها سرعان ما خمدت. لكن الساحة تحركت اخيرا واكتسبت الحرارة وبخلاف التوقعات التى تثير اهتمام الجماهير داخل السودان وخارجه بالمال الان بين المؤتمر والمؤتمر ويتساءل امين أهو خلاف مسرحى مفتعل ام درامى حقيقي. والتساؤل المطروح بين المراقبين في العاصمة السودانية (الخرطوم) هل هناك نصيب من النجاح لحزب الترابى الجديد او (المجدد) على حد وصف الترابى ذاته سيما وان من يشارك في مؤتمره تجاوز العشرين الفا فضلا عن بداية جولة له في اقاليم السودان منذ امس الاول. يقول المنظر الاسلامى البارز د. حسن مكي: (الفرصة لنجاح هذا الحزب ليست كبيرة فيمكن ان ينتظروا ان يخلصهم الترابى من (الانقاذ) الذى صنعه. ويضيف: (ان رئيس الحزب اصبح منهكا نتيجة التجارب السياسية وان الفصيل حوله تمت تجربته وليست هناك قوة جذب في فصيله وممن يعتمد عليهم أذعن فالترابى لايستطيع تسويق بضاعته مرة اخرى لان السوق السياسى يمتلىء ويفيض بالبضائع لكن الناس الذين جربوا بضاعة الترابى الذى ظل في الساحة منذ العام 1964 في منصب الامين العام للحركة الاسلامية وحتى العام 2000 وجرب الناس الترابى في حكومة نميرى والصادق المهدى وحكومته الحالية التى رفع عنها مظلة الثقة واتهما بأكل الربا والارتماء في احضان الاجنبى) . ويمضي مكي: (المدهش ان الناس ستقول للترابى لماذا بايعت النميرى ولم تتهمه بأكل الربا في ندوة عامة اذن فبضاعة الترابى معروفة منذ العام 1964 وذاكرة الناس لاتصدأ لذلك لن يخيل عليهم ما يقوله الان طنطان شعبى وقاعدى وغير حكومى لذلك سوف يخرج عليه من يقول لقد اصبحت غير مؤتمن لأنك كشفت مؤخرا اسرار الحركة الاسلامية التى تبلورت في الانقاذ لذلك فحظ حزبه قليل) . والشارع السياسى في الخرطوم يطرح تساؤلا هاما هل من امل في بناء الثقة بين القوى السياسية حتى لايتم الحرث في البحر المطروح الان من قضايا هى الوفاق والوحدة والسلام والديمقراطية ومستقبل الحكم وجميعها بالقطع قضايا ذات اهمية لكن هل ظهور الترابى بحزبه وخطابه السياسى الذى لا يرحم أحد يشكك في الجميع الا تجربته لقد سئل ألن تفسد الخطوات الحثيثة نحو السلام قال بثقة نحن اعطيناهم حق تقرير المصير وذلك معناه في اللغة الاستراتيجية تحول الجنوب السودانى الى عدة دويلات وتهدد بالقطع الامن القومى لحوض النيل. على الجانب الاخر يقول ادريس حسن رئيس تحرير الرأى العام انه لابد من استشعار المسئولية التاريخية التى تفرضها المرحلة الجديدة التى تواجهها البلاد من تحديات ومخاطر. ويؤكد ان لا سبيل غير مد الجسور التى تبنى بها الثقة فيما بين الاشقاء مع تجاوز مرارات الماضى لذلك على الاطراف المتنازعة تغليب مصلحة البلاد على مصالح الكيانات الضيقة ويأمل في تساؤل هل من امل في بناء الثقة بين القوى السياسية حتى لا يتم الحرث في البحر؟. الايام المقبلة مع بروز الترابى ستشهد سخونة حتى انتخابات الرئاسة والبرلمان في اكتوبر المقبل وربما يتغير المشهد السياسى بأكمله. أ.ش.أ