الحديث عن حبى للفن وإرتباطى به وإنشغالى بكل مقوماته..لا أظنه مطروحا الآن, لأنه صار أمرا واقعيا لا يحتاج إلى دليل أو برهان بعد هذا العمر الطويل الذى قضيته فى دروب الفن سعيدا به ومهموما بقضاياه, فعلاقتى بالفن تشكلت منذ زمن بعيد وأصبحت الآن أمرا مؤكدا وحقيقة لا يشوبها أى شك. وربما أيضا ليس جديدا أن أتحدث عن علاقة الفن بالمجتمع وأن أدخل فى منطقة التساؤلات المثيرة..القديمة والجديدة موقفا ايديولوجيا يتحرك من خلاله فى الأحداث الاجتماعية والسياسية التى تمر به؟ دور غير عادي ولكن الحديث فى هذه النقطة بالذات أمر مهم من وجهة نظرى, لأن الفنان بالذات لابد أن يكون له دور سياسى مؤثر, فمن أهم مقومات الفنان انه ليس شخصية عادية بل المفروض انه قدوة يجب الاحتذاء بها وتقليدها, فإذا كان هذا الفنان سلبيا أو غير مهتم فما الذى يتبقى للمواطن العادى. هذه المعادلة وضعتها أمام عينى منذ قررت اقتحام عالم التمثيل, ورسخ فى ذهنى حينذاك انه لابد أن يكون لى دور ايجابي فى الفن والحياة. وتأكد لى هذا الموقف منذ قدمت دورى الشهير فى الفيلم الأشهر (القاهرة 30) والذى قدمت فيه شخصية (محجوب عبدالدايم), فرغم أننى أديت عشرات الشخصيات بعد ذلك فى السينما والمسرح والتليفزيون, البارزة فى مشوارى الفنى, وظل اسمى مرتبطا بها حتى هذه اللحظة, إلا أن هذا الدور له علاقة مميزة عندى. ولعل أهم مايميز دورى فى هذا الفيلم ليس جدارتى فى الأداء فقط, ولكن أيضا جودة الفيلم وأهمية موضوعه الذى يتناول حقبة تاريخية مهمة فى التاريخ المصرى, وهى الحقبة التى تسبق ثورة يوليو.. قبل الخلاص من الاستعمار الانجليزى وتحرير الوطن على يد ابنائه المخلصين من رجال الجيش المصرى. الارتباط بالبسطاء هذه الحقبة وماتضمنته من مساوئ وفساد وسلبيات لا حصر لها, ورغم عفونة الشخصية الدرامية (محجوب عبدالدايم), الا أننى أعتز بها جدا لانها تعبير واضح عما كان يحدث فى هذه المرحلة, فمحجوب عبدالدايم كان رمزا لبيع المبادئ والرذيلة والخلاعة السياسية بكافة أشكالها. وإذا كان فيلم (القاهرة 30) رسم لى خطا معينا أسير عليه, فإن فيلم (الأرض) مع المخرج يوسف شاهين قد أكد موقفى, ففى هذا الفيلم الذى يتناول قضية أخرى تتعلق بالوطن والأرض, عرفت أن ارتباطى بالأرض لا يضاهيه أى ارتباط أخر فإذا انقطع هذا الربط فإن قلبى سيدمى حتى الموت. صحيح أن دورى فى فيلم (الأرض) كان تجسيدا لشخصية سلبية وهى شخصية محمد أفندى, ولكن الفيلم فى حد ذاته قيمة فنية كبيرة شكلت مفاهيم الكثيرين, ويكفى انه واحد من أهم مائة فيلم فى السينما المصرية حسب الاستفتاء الذى أجرى فى احتفاليات مئوية السينما. وعموما ورغم ايمانى بدور الفنان فى المجتمع, فإننى ضد أن يكون الفن للنخبة فقط أو من النخبة إلى المجتمع, ولذلك أفضل دائما القيام بدور فلاح لعلنى أكون الأقرب للبسطاء ولقطاع عريض من شعبنا الجميل. المسرح.. ضائع وإذا كنت فنانا فإننى أطمح أيضا للقيام بدور سياسى فى الواقع إلى جانب مهمتى كفنان, وأنا مشارك بالفعل فى الحياة السياسية بمصر وهذا واضح للجميع. وإذا كنت أيضا اعتز بأدوارى فى السينما فإننى أميل أكثر للمسرح, ولعل أشد مايحزننى فى الفترة الأخيرة أن المسرح لم يعد يلعب الدور المنوط به, لم يعد يخاطب العقل والوجدان وإنما الغرائز, وكأنهم نسوا أن المسرح كلمة تربى عقل ووجدان الأمة. وأيا كان نوعه تعليميا وترفيهيا وتثقيفيا, يجب أن تنطبق عليه شروط (الفرجة) المسرحية لا الإسفاف المسرحى, لابد أن يخاطف العقل والوجدان من خلال مضمون جيد, وعبر ديكور متميز يتوافق ومضمون العرض واضاءة تخدم رؤية المخرج, وهذا لا يعنى أننى ضد المسرح الخاص, أو أننى أمانع فى أن تكون لديهم رغبة فى المكسب, ولكن السؤال عن أى مكسب يسعون.. إنه مكسب ممزوج بهز الوسط والمشاهد المسفة ولا تنتمى بأى حال من الأحوال للمسرح. وللأسف فإن هذا يبدو أنه ينسحب على المسرح العربى عموما, فالقائمون عليه يتجاهلون أنه لابد من صياغة الإنسان العربى من جديد للحفاظ على اللغة العربية. نحن نتعمد أن نسئ للغة العربية وبالتالى فنحن نسئ إلى الشخصية العربية, ومن ثم الإساءة للشخصية الإسلامية والإساءة لها هى إساءة للدين الإسلامى. فى بريطانيا يحافظون على اللغة الانجليزية حتى لا تدهمها اللغة الأمريكية, وفى فرنسا كذلك, ونحن نقف على المسرح نسخر ونسفه لغتنا العربية لغة القرآن الكريم, نحن أمة فقدت صوابها للأسف. أقول ذلك وأنا متأثر وحزين وأود ألا يتطور الأمر أكثر من ذلك, وأدعو الله أن تكون هناك بارقة أمل نحو مستقبل افضل لهذه الامة. حكايات يرويها: حمدي أحمد