شكل انهيار المنظومة الاشتراكية في السنوات العشر الاخيرة من القرن العشرين حالة من خلط الاوراق بالانظمة والقوانين والاعراف الدولية والتي ادت بشكل ميكانيكي الى احداث حالة من الفراغ الجيوستراتيجي في بعض بقاع العالم, بحيث لم تكن منطقتنا العربية والاسلامية بمنأى عن هذا الفراغ الذي بات ينذر بالكثير من الاخطار والكوارث التي قد توصل بعض اطراف النظام العربي والاسلامي الى حالة من التفكك والانهيار والذي سيعكس اجلتها حالة التنافس التي كانت قائمة بين قطبي الرحى في هذا العالم, بقيادة الولايات المتحدة من جهة والاتحاد السوفييتي من جهة اخرى. اي ان بعض الصراعات الفرعية كانت مؤجلة لمصلحة الصراع الرئيسي وما ان انتهى هذا الصراع المقونن الذي كان قائما حتى اتسمت المرحلة التي تلتها ولا تزال بالتناقضات التي لا تستند الى اساس من العدالة الدولية في فض النزاعات التي ظهرت في هذه البقعة او تلك من العالم ولعل ما حصل من انهيار مفاجىء قد شكل حالة من عدم توازن على المستوى العالمي وبات ينذر بشكل او آخر بنهاية حتمية دراماتيكية لعصر ما كان يسمى بالدولة الوطنية او الدولة المركزية توطئة لالحاقها بركب المشاريع الكبرى الذي بدأ يخطط لها الطرف المنتصر وتحالفه على المستوى العالمي. وقد شهدنا بداية تنفيذ مثل هذه المشاريع من قبل الطرف المنتصر الممثل بحلف شمال الاطلسي, بانتهاج سياسات خارجة عن التقاليد والاعراف والقوانين التي كانت تحكم آليات الصراعات والتي كانت تظهر في الحقبة التي سبقت هذه المرحلة وخرجت بشكل كلي عن قواعد اللعبة السياسية التي كان يحكمها شيء من الاتفاق النسبي او التوافق في اغلب الاحيان, والذي تمثل بعدم المساس بحدود الدولة الوطنية او القومية او اثارة الصراعات الى الحد الذي تنتشر لتطال مساحة اقليمية او قارية مثل ما شهدناه في البلقان وما نشهده في افريقيا او ما نشهده من حصارات هنا وهناك لتؤدي بحياة الملايين من البشر وتوصل ما تبقى من هذا التجمع البشري او ذاك الى حافة الهاوية. اما اليوم وبعد ان فلت عقال الصراعات المحمومة الباحثة عن مصلحة سياسية او اقتصادية بسبب سقوط (اتفاقية يالطا) التي دعت الى تثبيت الحدود الدولية التي افرزتها الحرب العالمية الثانية, بدأ العالم يدرك بما في ذلك بعض اقطاب حلف شمال الاطلسي مدى الحاجة الماسة لخلق تكتلات اقليمية ومن خلال العديد من المسميات التي قد تعيد بعضا من التوازن العالمي المفقود والذي ينذر بمزيد من الصراعات المحمومة والخطيرة الآخذة بالتصاعد في كل مناطق الجنوب. ولعل منطقتنا العربية والاسلامية ليست بمنأى هي الاخرى عن شكل الصراعات القائمة في بعض بقاع العالم, خاصة اذا ما علمنا ان الدولة الوطنية العربية والاسلامية تعيش حالة من الازمات المركبة السياسية والامنية والاقتصادية على المستوى الداخلي العصية على الحل والتي بدأت تنذر بانفجار بعض الصراعات غير المعروفة النتائج ناهيك عن بعض المشكلات المتأججة التي تعيشها اصلا بعض الدول العربية التي تقع على التخوم من الوطن والامثلة واضحة ليست بحاجة الى تعداد بداية من لبنان وانتهاء بالسودان وليس من الغرابة بمكان اذا قلنا ان ما يجري في عالم اليوم يأتي انطلاقا من مفهوم العولمة الناظم الاساسي لعلاقات الدول والامم الخاضعة للرؤية الامريكية والرافضة لفاعلية الدولة كطرف وحيد على المسرح السياسي الدولي وان هذه الفاعلية مشروطة بالاستظلال بالهيئات متعددة الجنسيات والمنظمات العالمية والجماعات الدولية, كأحد افرازات الثقافة الغربية حصرا وغيرها من التنظيمات الفاعلة التي تسعى الى تحقيق مزيد من الترابط والتداخل تحت مسميات الاندماج والتعاون الدولي, والتي تحمل بمضمونها صيحة واضحة للدول والقوميات والامم عن الكف شبه الكلي عن مبدأ السيادة الذي يأخذ بطبيعة الحال من خلال الضغط الدائم على هذه الدول بالانحسار الثلاثي ولعل الهدف من كل هذه الشعارات هي تفريغ الدولة من مؤسساتها بحيث تبقي على السيادة القانونية الشكلانية لكنها من الناحية العملية تكون مرتبطة مع جميع الفعاليات الدولية المحكومة بإرادة غربية مثل منظمة التجارة العالمية الجات, وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبعض المؤسسات والتسميات الاخرى, بحيث تصبح ذات سيادة ناقصة ومجزوءة. وقد يكون من حسن الحظ ان عالمنا العربي والاسلامي يحظى منذ منتصف القرن الماضي بالعديد من المؤسسات والاطر السياسية التنظيمية التي تمنحه الخروج من لعبة الامم التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية ولعل هذه الاطر ممثلة بجامعة الدول العربية كإطار اقليمي تمتلك العديد من المؤسسات والنظم والدساتير التي قد تخرجه من المكبس الغربي الضاغط بالاضافة الى الاطار الاقليمي ـ الدولي الاوسع والاعم المتمثل بمؤتمر الدول الاسلامية الذي يعتبر من اكبر التجمعات الاقليمية جغرافيا وبشريا على المستوى العالمي, والتي تسمح باقامة تكتلات اقتصادية تضع في اعتبارها احترام مصالح الدول انطلاقا من العقيدة الجامعة بين هذه الدول التي تقوم اساسا على التسامح والرحمة. وعلى ما يبدو ان الوقت اصبح ضيقا ولا يمكننا التسويف والانتظار في مرحلة يشهد العالم الغربي حركة محمومة باتجاه اختزال عامل الزمن والتسابق في مابين اقطابه للانقضاض على ما كان يسمى بمناطق النفوذ. وما نشهده اليوم على المستوى الاوروبي من سعي حثيث الى انجاز الوحدة الاقتصادية الاوروبية والمتمثل بالتحالف الفرنسي ـ الالماني الراهن لهو دليل ساطع على مدى تلمس الخطورة مما يجري في العالم بسبب اختلال موازين القوى وفقدان النواظم والآليات التي خلقتها حالة الفراغ والتي لم تقو الولايات المتحدة على ضبطها رغم عنجهية التظاهر بالقوة والقدرة العسكرية والامنية التي تبديها. ورغم التباين والاختلافات بين اقتصاديات الدول الاسلامية ان كان لجهة تفاوت معدلات النمو الاقتصادي واختلال متوسط الدخل والرفاهية واختلاف حجم عناصر الانتاج اللازمة للتنمية الاقتصادية ام لجهة معاناة معظم الدول من نقص الرأسمال اللازم لتمويل التنمية والتقنية المتقدمة, الا ان هذه الامور مجتمعة لا تلغي ابدا الامكانية الكبيرة المتوفرة لبناء تكتلات اقليمية اسلامية في ما بين بعض هذه الدول التي تشكل النواة المركزية الاساسية التي ستلتف حولها مجموعة الدول الاقل شأنا على المستوى الاقتصادي الاجتماعي. ومثلما تتحلى الدول الاسلامية بثلاثة اقطاب اسيوية وافريقية واوروبية يتحلى الوطن العربي ايضا. بامكانية اقامة ثلاثة تجمعات اقليمية: الاتحاد المغربي ومجلس التعاون الخليجي وبلاد الشام والعراق بحيث نخلق من مصر البؤرة المركزية التي تجمع بين اقطاب هذا المثلث الذي يتجاوز النزاعات السياسية والضغائن الرخيصة التي يتحكم بها الخارج وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية التي تسعى الى تأجيج الصراعات الخطيرة. وهذا يتطلب الاقلاع عن شروط واملاءات الخارج الموجهة باتجاه الداخل الذي يقف عائقا في شروع بعض الانظمة باتجاه اتخاذ خطوات جادة نحو تشكيل النواة الجامعة, مثل استمرارية الحصار على الشعب العراقي الذي اصبح يقزز المواطن العربي من الارتهان الى الارادة الخارجية الهادفة الى تدمير عوامل القوة وخلق حالة من الركون والانصياع للرؤية التي تسعى الى وأد عوامل القوة والقدرة التي تمتلكها امتنا. بالمقابل لابد من خلق مناخ حقيقي يحل المشكلات السياسية العالقة مع الدول الاسلامية والتي مما يؤسف حقا ان نجد في سياسات بعض الدول العربية ما يوصي بأن لها مصلحة في ابقاء هذه الصراعات ولعل مشكلة الجزر الثلاث العالقة بين الامارات وايران احدى هذه القضايا التي لم تبادر اي دولة عربية بشكل جاد لحلها. وعلى ما يبدو حتى هذه القضية مرتهنة هي الاخرى بموقف خارجي وارادة خارجية, فلو كان ثمة مصلحة للولايات المتحدة في حل هذه القضية لوجدنا قواتها مستنفرة من خلال تحريك اسطولها الجوي من اجل حل هذه القضية. وقد لا نغفل حقيقة غاية في الاهمية وهي ان تأجيل بناء التكتلات العربية والاسلامية ليس بسبب عدم التشابه في الاقتصاديات ومستويات الدخول وما الى ذلك بل بسبب الارتهان الى ارادة دول الشمال المسيطرة وبسبب ضعف الارادة عند بعض الانظمة العربية والاسلامية التي تخاف اطلاق اي شعار مهما قل شأنه قد يغضب هذه الدولة الغربية او تلك ومن نافلة القول ان العرب والمسلمين يعتبرون اليوم اكثر من اي وقت مضى اضعف اطراف المعادلة الدولية بسبب غياب الارادة السياسية وانه ليس بالامكان بناء تكتلات عربية حقيقية الا بتوفر الارادة السياسية المستقلة التي لا تقاد من كواليس البيت الابيض ومجلس الشيوخ الامريكي وادارات الشركات العابرة للقارات والعواصم الاوروبية التي تسعى هي ذاتها للانعتاق من الشروط الامريكية المذلة. لكن الاهم ان العرب والمسلمين يدركون جيدا انه لا مكان لهم تحت الشمس في ظل بناء التكتلات الاقتصادية القائمة في حقيقة الامر على اساس سياسي وعسكري وامني وانه بات لزاما عليهم اتخاذ مواقف تاريخية تخلصهم من ازماتهم التي تزداد يوما بعد يوم وان حماية نظمهم الوطنية يأتي بالدرجة الاولى من بناء التكتلات الاقتصادية والسياسية وليس من الارتهان للخارج لان الخارج قد اقلع وبالمطلق من خلال رؤيته عن مفهوم الدولة الوطنية, خاصة دول العالم الثالث المنتمين اليها. وفي هذا المقام يستحضرني قول المفكر العربي محمد عابد الجابري: (العولمة نظام يقفز على الدولة والامة والوطن وبالتالي فإنه يعمل على التفتيت والتشتت وايقاظ اطر الانتماء الى القبيلة والطائفة والجهة والتعصب, بعد ان تضعف ارادة الدولة وهوية الوطن) . وهذا الكلام يعيدني الى السؤال الذي لابد منه: هل اصبحت الدولة القطرية العربية تعي مصالحها الذاتية؟ ام انها ستبقى تعمل من خلال رؤوس الاخرين حتى تصل الى مرحلة اللادولة واللاوطن؟ بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق