هذه التكتلات (العملاقة) , تختصر المسافات الفاصلة بين القارات, وتتجاوز صيغة التعاون الاقليمي والجوار الجغرافي كأساس لاندماجها.. الى احتضان صيغة (التكامل الوظيفي) بين دول متقدمة وصاعدة ونامية داخل حدود مغلقة, تتفاوت بين جنباتها النظم السياسية والاجتماعية, بل وتكاد أن تحقق الاكتفاء الذاتي (شبه المستحيل) من تقنية متطورة وتقدم علمي مذهل, وموارد طبيعية, يد عاملة رخيصة, وأسواق متسعة تغذيها فئات اجتماعية تتنامى والتساؤل الذي يطرح نفسه, هنا, هو اذا قدر لصيغة (التكامل الوظيفي) هذه أن تحفر مجراها داخل ساحة العلاقات الدولية, ترى ماهي ملامح الوضع الدولي التي يمكن أن تشهدها مرحلة بداية القرن الحالي؟. تنافس ام تكامل؟ في محاولة التعرف على ملامح هذه الصورة, يمكن الاشارة ـ بداية ـ الى أنه من خلال متابعة ما يحدث من تحركات متعاكسة على جانبي الاطلسي, لانجاوز الحقيقة إذا قلنا أن الولايات المتحدة والاتحاد الأروبي على وشك أن يتقاسما العالم فيما بينهما . الولايات المتحدة, من جهة, واضافة الى أنها تمسك بقسم كبيرة مما يسمى بنصف الكرة (الغربي) وتقيم منطقة اقتصادية مندمجة تشمل ـ فضلا عنها ـ كندا والمكسيك والبرازيل والأرجنتين وفنزويلا, فإنها تحاول العمل على تحويل مركز ثقل الرأسمالية العالمية من أوروبا الى الشرق الأقصى, من الأطلسي الى الهادي وإحداث تبادل تاريخي لاسابقة له في الساحة التي شهدت أهم فصول التقدم الرأسمالي والهيمنة على العالم خلال القرون الستة الماضية. يبدو هذا جليا من خلال الخطة الأمريكية الرامية الى احتضان(18) دولة عضوا في منتدى دول منطقة آسيا والمحيط الهادي, في منطقة تجارة حرة بحلول عام 2020 والملاحظ أن هذا المنتدى ( آبيك) سينضوي تحت رايته أقوى اقتصاديين في العالم, بالاضافة الى الاتساع الهائل في عدد سكانه وفي أسواقه (الصين ودول جنوب شرق آسيا واستراليا ونيوزيلاندا) ومن ثم فإن هذا التكتل العملاق يشكل كتلة ضخمة تضم نصف سكان العالم تقريبا وحجم تجارتها ليس في حاجة الى تعليق وعلى ما يبدو فإن هذه الكتلة ـ التي تهيمن على نصف الانتاج العالمي ـ تتهيأ أكثر من غيرها لـ (وراثة) مقعد مجموعة السبع الغنية في بداية القرن الحالي. واذا كانت الخطة الأمريكية هذه يمكن أن توضح مدلول ما يجري في يوغسلافيا السابقة وما كان يجري من محاولة أمريكية في إغراء (غرب أوروبا) على الدخول في مشاكل (شرق أوروبا) وتحمل تبعاتها وتكاليفها, في مقابل محاولة (غرب أوروبا) في عدم التورط فإنها (الخطة) توضح أكثر المسعى الأمريكي لـ(تهدئة) الصراع بين العرب واسرائيل وادخال أطرافه في أنماط جديدة من الصراعات الدولية تلعب فيها هذه الأطراف دورا لاتقاس أهميته الدولية بأهمية النتائج التي يمكن أن تترتب بالنسبة للمصالح الأمريكية على استمرار الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية وامتناع اسرائيل عن الاعتراف بالوجود الوطني لشعب فلسطين. تحول اوروبي أما اتحاد أوروبا الغربية, من جهة أخرى, واضافة الى ما تمثله القاطرة الألمانية ـ التي بدأت التحرك ـ من ثقل أوروبي, فإنه (الاتحاد) يعمل على التحرك شرقا وجنوبا. يبدو هذا جليا من خلال المشروع الذي طرحته المفوضية الأوروبية خلال قمة (ايسن) والذي يهدف الى ابرام معاهدات أمنية واقامة منطقة تجارة حرة بحلول عام 2010 تضم كتلة سكانية قوامها 800 مليون نسمة تسكن 40 دولة من دول الاتحاد الأوروبي ودول أوروبا الشرقية ودول الشمال الافريقي المطلة على البحر المتوسط وتلك الواقعة الى الشرق منه. وربما هذا يوضح التحول في اتجاه التعامل الأوروبي مع بلدان جنوب وشرق البحر المتوسط, ومبررات اعلان الخطة الأوروبية في هذا التوقيت بالذات الذي تزامن مع خطط أخرى للاتحاد ناحية الشرق ـ ناهيك عن الشمال ـ وتصاعد المخاوف من الهجرة القادمة من الجنوب ومع السعي الأوروبي لاقتناص نصيبها (أوروبا) من مرور السلام من بين أنياب الأمريكيين, وتزامن أيضا مع رفض الاتحاد المشاركة في تمويل (البنك الشرق أوسطي) وعرضه بدلا من ذلك, مضاعفة مساعدات الاتحاد في اطار تنفيذ الخطة الى 5.5 مليارات يورو (حوالي 3.6 مليارات دولار) خلال الفترة مابين عامي 1995 - 1999 وعرضه ابرام اتفاقات مشاركة مع بلدا ن مثل مصر والمغرب واسرائيل توطئة لاقامة منطقة التجارة الحرة. وهكذا.. فإذا قدر لصيغة (التكامل الوظيفي) أن تحفر مجراها داخل ساحة العلاقات الدولية, فإن أحد أهم الاحتمالات الواردة في هذه الحالة أن يشهد العالم انقساما بين كتلتين عملاقتين أحداهما, يتزعمها الاتحاد الأوروبي, وتتزعم ثانيتهما الولايات المتحدة الأمريكية. هنا يثور تساؤل جديد حول ذلك النظام الذي يمكن أن يحكم العلاقات في داخل كل من هاتين الكتلتين وفيما بينهما؟. فيما يتعلق بالجزئية الأولى من التساؤل, فمن الأرجح أن نظام التعاون والتنافس سوف يشمل هاتين الكتلتين من حيث أن كلا منهما تضم الدول التي يزداد فيما بينها (الاعتماد المتبادل) وتتشابك مصالحها الاقتصادية والمالية, ويمكن الاشارة هنا الى أنه ليس من المتصور أن تستخدم هذه الدول القوة العسكرية فيما بينها إذ لعله من المستبعد ـ تماما ـ أن تشن الولايات المتحدة حربا ضد كندا, أو أن تسعى اليابان ـ مرة أخرى ـ لاخراج الولايات المتحدة من المحيط الباسيفيكي بتدمير أسطولها, أو أن تعود أوروبا الغربية الى مرحلة العنف المسلح الشامل, كما حدث في الحربين الأولى والثانية ـ ليس معنى ذلك أن التنافس (وربما التناقض) فيما بينهما سيختفي, وإنما سوف يتركز في معظم الأحوال ـ على المجال الاقتصادي. احتمالات التنافر المثال الذي يمكن أن نسوقه, هنا ان كلا من هاتين الكتلتين تفتقد (الى الآن) الآلية القادرة على تذويب الصراعات حول المصالح بين أطراف قد تتفق علنا على مبدأ الاقتصاد الحر ولكنها عمليا تتشبث بانتهاجها نموذجا متناقضا في تطبيقه بما يتفق مع مصالحها. فاليابان, مثلا, تؤيد المنطقة الحرة علنا لكنها لاتبدي حماسا لتطبيقه مبكرا, لأنها ترى فيه حصان طروادة أمريكيا تريد به واشنطن الالتفاف حول خلافها التجاري المتأزم مع طوكيو, باجبارها على فتح أسواقها المغلقة .. وتتخذ الصين, مثلا آخر, موقفا متحفظا من الاتفاق المتمثل في اعلان (بورجورا) الأخير, لأنها ترى فيه محاولة أمريكية لاختراقها وتعريض اقتصادها لرياح المنافسة الخارجية قبل الآوان, ولايختلف الوضع بالنسبة للولايات المتحدة, مثلا أخيرا, حيث تتأرجح في موقفها بين السعي لمواجهة التحدي والرغبة في الاحتماء من الخطر الآسيوي, أما فيما يتعلق بالجزئية الثانية من التساؤل والمتعلقة بـ (النظام الذي يمكن أن يحكم العلاقات فيما بين الكتلتين) فعلى ما يبدو, أن ملامح هذا النظام سترتهن بترجيح كفة أحد تيارين متناقضين يتفاعلان داخل كل كتلة على حدة : أولهما, يشدد على الاستفادة من الامكانيات المتاحة لتطوير التجارة الاقليمية وتحسين الأوضاع التنافسية والالتحام المبكر مع قوى التدويل والتجارة, وفتح القنوات مع الكتلة الأخرى .. وثانيهما, يشدد على اتخاذ التكتل كمظلة لحماية القومية والصناعة المحلية والاقتصار على تحقيق الاكتفاء الذاتي داخل التكتل . والواقع أن هذا التيار الأخير هو التيار (الغالب) داخل كل من الكتلتين بسبب أن القوى الكبرى داخل كل تكتل عادة ما تفتقد الى النية الصادقة لتحرير التجارة بل وتسعى بدلا من ذلك الى استغلال التكتل كنقطة ارتكاز لتحقيق طموحاتها الجماعية حينما يحل الخيار بين البديلين . ويكفي أن نتأمل المشروعات المطروحة على أرض (الاقليم العربي) والتي تدور كلها حول محورين أحدهما, يسمى (الشرق اوسطية) والثاني (المتوسطية) الأول كان مناط اهتمام قمة عمان (مؤتمر التنمية الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال افريقيا) أكتوبر 1995 , والثاني كان مناط اهتمام مؤتمر برشلونة (مؤتمر الشراكة الأوروبية المتوسطية) نوفمبر 1995 . بقلم: ناصرة الشربتلي *باحثة في معهد البحوث والدراسات العربية - القاهرة