في زمن تبدو فيه التكتلات الدولية احدى سمات العصر البارزة بل اهمها على الاطلاق, يحق للمواطن العربي ان يتساءل عن موقع العرب ومكانتهم الدولية, وهل يستطيعون تشكيل تكتل مميز فيما بينهم يتمكنون بواسطته من تحقيق استقلالية اقتصادية وسياسية فاعلة؟ هذا التساؤل المشروع للمواطن العربي يقودنا للحديث عن تجارب عربية في هذا الاتجاه كتب لبعضها بعض النجاح التجارب وأكثرها شمولية. فكما هو معلوم اريد للجامعة العربية عند انشائها ان تكون بيت العرب الذي يناقشون فيه همومهم ومشكلاتهم وينسقون سياساتهم مع العالم. كما تنص على ذلك صراحة قائمة الاهداف المرجوة من انشاء هذه المنظمة الاقليمية, فهل نجح العرب في مسعاهم هذا؟ وهل لعبت الجامعة العربية الدور المطلوب منها؟ ولعله للاجابة عن مثل هذه التساؤلات يجدر بنا اولا العودة الى البدايات في انشاء الجامعة العربية والظروف التي ولدت فيها وكيفية انشائها, فمن المعروف ان الجامعة العربية تعتبر من اقدم المنظمات الاقليمية التي عرفت بعد الحرب العالمية الثانية, اذ انها انشئت قبل الامم المتحدة بثلاثة اشهر وقبل منظمة الدول الامريكية بثلاث سنوات وقبل الجامعة الاوروبية بثلاث عشرة سنة وقبل منظمة الوحدة الافريقية بثمانية عشر عاما. فهل ساعدت هذه الاقدمية الجامعة العربية في تكوين ثقل دولي لها ام انها ظلت مجرد يافطة واسم بلا فعل؟ وهل استطاعت ان تترجم قراراتها بشكل عملي ام ان هذه القرارات ظلت حبرا على ورق؟ الاهداف.. والانجازات كما هو معلوم فإن في بداية الحرب العالمية الثانية ازداد النشاط الصهيوني في فلسطين وتسارعت وتزايدت اعتداءات اليهود الصهاينة على العرب, مما حدا بالمثقفين العرب البارزين الى اطلاق الدعوات لبناء دولة عربية واحدة تستطيع الوقوف في وجه الخطر الصهيوني فيما راح ساسة الدول الغربية ولا سيما بريطانيا والمانيا يستميلون العرب الى جانبهم اثناء الحرب مقدمين لهم وعودا حول تحقيق امانيهم في اقامة اتحاد يجمع فيما بينهم. ففي عام 1941 وبالتحديد في التاسع والعشرين من مايو اعلن وزير خارجية بريطانيا انطوني ايدن في كلمة له امام مجلس العموم البريطاني ان (العالم العربي خطا خطوات عظيمة الى الامام منذ نهاية الحرب العالمية الاولى وان كثيرا من المفكرين العرب يرغبون في ان تحقق الشعوب العربية درجة من التقارب اكبر مما هو محقق الآن, وهم من اجل تحقيق هذا يعولون على مساعدة بريطانيا وانه من الطبيعي والعدل ان تتدعم العلاقات الثقافية والاقتصادية والسياسية بين البلاد العربية وان بريطانيا ستقدم المعونة الكاملة لاي خطة تتمتع بالتأييد التام في هذا الاتجاه) . والحقيقة التي لابد في ذكرها هنا ان اختلافا في الآراء نشأ حول اسباب انشاء الجامعة العربية واهدافها, وسواء كانت فكرة انشاء الجامعة العربية فكرة عربية محصنة ام انها ايحاء بريطاني, يبقى السؤال الجوهري هو: ماذا حققت الجامعة العربية بعد اكثر من خمسين عاما على انشائها؟ وهل استطاعت ان تشكل بداية تكتل عربي؟ وهنا لابد اولا من معرفة الاهداف التي وضعتها هذه المنظمة الاقليمية نصب اعينها قبل القيام بأي تقييم موضوعي لها. فكما هو معروف انعقد في 22 مارس 1945 في مدينة القاهرة المؤتمر العربي العام بحضور كل من مصر وسوريا والاردن والسعودية التي وقعت على ميثاق جامعة الدول العربية كما وقعته اليمن في صنعاء فيما بعد. ويتكون هذا الميثاق من (20) مادة وثلاثة ملاحق, تهدف في مجموعها الى اقامة منظمة دولية قائمة على التعاون الاختياري واحترام سيادة الدول الاعضاء والمساواة فيما بينهم. اما اهداف الجامعة العربية فيمكن تلخيصها بالآتي: اولا: توثيق الصلات بين الدول العربية في المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ثانيا: صياغة استقلال الدول الاعضاء. ثالثا: حل المنازعات بالطرق الودية. رابعا: النظر في مصالح الدول العربية بصفة عامة. خامسا: اقامة علاقات وطيدة مع دول العالم والمنظمات الدولية. وعلى الرغم من محاولات الجامعة العربية ترجمة هذه الاهداف على الارض واقرارها لمعاهدات لاحقة مثل معاهدة الدفاع المشترك وكذلك التعاون الاقتصادي وغيرها من المعاهدات, الا ان الظروف السياسية في الدول العربية كانت تحول دون تطبيق ما تتخذه الجامعة من قرارات, كما حالت الخلافات الكثيرة بين الدول العربية دون اتخاذ الجامعة العربية للقرارات المحققة لاهدافها ولا سيما ما يتعلق منها بالقضايا السياسية, الامر الذي ابرز الى الوجود فكرة مؤتمرات القمة العربية من اجل تحقيق هذه المهمات, وقد كان لهذه المؤتمرات اثر كبير في تطوير الجامعة العربية الا انها ظلت محدودة نظرا لاستعصاء الخلافات العربية العربية وتدخل قوى كبرى في العلاقات بين العرب. ومما يلاحظ هنا انه ورغم مضي نحو اربعة وخمسين عاما على انشائها, الا ان ميثاق الجامعة العربية الذي وضع في الاربعينيات لم يدخل عليه اي تعديل جوهري, اي انه لم يساير التطورات والتغيرات التي طرأت على المنطقة وحتى في العالم. ويمكن اجمال المحاولات التي تمت في اطار السعي لاجراء تعديلات لميثاق الجامعة العربية بالاقتراحات الكثيرة التي قدمتها العديد من الدول العربية, مثل الاقتراح الذي تقدمت به سوريا عام 1953 والداعي الى تشكيل اتحاد يجمع الدول العربية, وكذلك اقتراح عراقي قدم في 1954 يدعو الى انشاء اتحاد الدول العربية واعداد دستور يرمي الى تحقيق ذلك. كما اقترح العراق في عام 1965 تشكيل لجنة على مستوى السفراء لدراسة تطوير ميثاق الجامعة وأجهزتها وبالفعل اجتمعت هذه اللجنة وقامت بدراسة ثلاثة مشاريع مقدمة من العراق وسوريا والجزائر آنذاك تطالب بإنشاء محكمة عدل عربية ولجنة خاصة للوساطة والتوفيق والتحكيم وتوسيع اختصاصات مجلس الجامعة والاكتفاء بأغلبية الثلثين بدلا من الاجماع عند التصويت. وفي عام 1979 اصدر مجلس الجامعة القرار رقم 3843 بشأن تطوير اسلوب العمل في الجامعة وتعديل الميثاق والنظم الداخلية الى آخره من التعديلات, الا ان اي ترجمة فعلية على الارض لم تظهر وانما اخذت اجهزة ومؤسسات الجامعة العربية تتكلس بدلا من ان تتجدد. والحقيقة اننا لو حاولنا ان نحصي المحاولات التي هدفت الى تجديد الجامعة العربية واعطائها دفعا جديدا لوجدناها كثيرة جدا, الا ان تقديم الاقتراحات شيء وتنفيذ هذه الاقتراحات وتطبيقها على ارض الواقع شيء اخر. ولو عدنا الى دور الجامعة العربية منذ ذلك الوقت الذي انشئت فيه الى يومنا هذا, لوجدنا انها مع الاسف فشلت فشلا ذريعا في تحقيق اي هدف من الاهداف التي وضعتها لنفسها. فهي اولا لم تستطع ان تكون حكما عادلا وفاصلا في الكثير من الخلافات العربية العربية التي وصلت في كثير من الاحيان الى درجة التناحر, والشواهد في هذا المجال كثيرة ابرزها فشل الجامعة في احتواء ازمة الخليج التي اثارها الاجتياح العراقي للكويت عام 1990, ناهيك عن فشلها الواضح في توثيق الصلات بين الدول العربية في المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما ينص البند الاول من ميثاقها. وخلاصة القول ان الجامعة العربية التي اعلنت عن نفسها منظمة عربية تهدف الى تحسين وتطوير الوضع العربي والنظر في مصالح الدول العربية بصفة عامة, قد تحولت مع الزمن الى منبر خطابي عاجز عن مسايرة روح العصر والثورة العلمية والاقتصادية الهائلة التي يشهدها العالم والتي تتمحور في تكتلات سياسية واقتصادية كبيرة يسعى اصحابها الى اثبات وجودهم بقوة في الساحة الدولية. وهنا لابد من التذكير بأن الوطن العربي بامكانياته المتنوعة وثرواته الهائلة قادر اذا توفرت النوايا الصادقة على تشكيل كتلة سياسية اقتصادية كبيرة وفاعلة, وان اخفاق الجامعة العربية وغيرها من التجارب العربية يجب الا يفسر على انه حالة عقم عربي مستديمة, وانما يتوجب البحث وباستمرار عن الوسائل العملية الكفيلة باستنهاض مكامن القوة العربية في زمن لا مكان فيه للضعفاء العاجزين. بقلم: نبيل سالم كاتب واعلامي فلسطيني