تأخذ التطورات الدولية الحالية جانبا مختلفا عن اساليب وفعاليات التطورات التي كانت تحدث اثناء الحرب الباردة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي السابق, حيث نجد الآن احادية القطب تسيطر على العالم بكل صوره وآفاق مستقبله السياسي في احيان كثيرة. واذا كانت فكرة التكتلات ليست جديدة فإن شكلها قد اختلف ونظمها باتت تتمايز حسب المصالح الخاصة من ومن هذا الجانب فإن العرب غير منفصلين عن طبيعة التغيرات الدولية والاقليمية التي يمر بها العالم بشكل متسارع لا يقبل التوقف والوقوف والتنهد في فترات الاستراحة, لذلك نجد اشكال التصارع السياسي في هذا العصر لا تتوقف وان كانت متغيرة في نمطية اساليبها وصراعاتها الحديثة التي تتداخل فيها الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. التكتل والهدف تعتبر التكتلات القديمة شكلا من اشكال ممارسة السلطة على مجمل انواع العدو والوقوف امام اشكال المواجهة داخلية كانت ام خارجية, وفي هذا الاطار فقد قامت معظم الاحلاف على اساس المصلحة الخاصة ابتداء من الحلف (الانجلو ـ فرنسي) عام 1904 وامتدادا مع الحلف (الانجلو ـ روسي) في عام 1907 ثم حلف (كيلوغ ـ بريان) عام 1928 في باريس الذي نص على ادانة اللجوء الى الحرب كوسيلة لتحقيق الاهداف القومية مع حق الدول المشاركة في الحلف باللجوء الى الحرب للحفاظ على امنها وتوجهها القومي ثم جاءت اهداف التكتلات الدولية الكبيرة مثل الحلف البلقاني في عام 1934وحلف جنوب شرق اسيا عام 1954, وقبله نشأ حلف كبير يتعامل مع السياسية بشكل عسكري مباشر وينشىء قطبية احادية اولى هي حلف الناتو 1949, والذي سيطر بشكل كبير على توجهات السياسة العالمية في تلك المرحلة, ولكنه لم يستطع البقاء منفردا في الساحة السياسية العسكرية اذ سرعان ما نشطت دول شرق اوروبا لتنشىء بدورها حلف وارسو عام (1955) بزعامة الاتحاد السوفييتي الذي كان اهم اقطاب الصراع السياسي في عالم الثنائية القطبية. وبطبيعة الحال فإن اشكالية هذه الاحلاف مرتبطة بشكل مباشر بقوتها العسكرية وقدراتها الدفاعية والهجومية. بمعنى آخر فإن حلفي (الناتو) و(وارسو) هما حلفان عسكريان بالدرجة الاولى وايديولوجية هذه الاحلاف رغم قيامها على شكلانية الصراع الاشتراكي والرأسمالي, إلا ان هذه الشكلانية سرعان ما زالت متخطية حدود الصراع الفكري التي كانت ترفع شعاره كي تقدم وجودها الشرعي وتبرر قيامها لتأخذ شكلا عسكريا اساسه الوقوف في وجه القدرات العسكرية لكل طرف, ورغم انهيار حلف وارسو عمليا الا ان الناتو ما زال قائما وبقيادة الولايات المتحدة التي باتت تسيطر على كل حركاته وسكناته. ورغم بوادر الرفض الداخلي لتوجهات الناتو الا ان فاعليته كانت كبيرة جدا واثبتت سيطرتها في حرب يوغسلافيا, وامام هذا النوع من الاحلاف ظهرت تكتلات سياسية مختلفة كحركة دول عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الافريقية والشرق اسيوية وحتى الجامعة العربية رغم ظهورها السابق على قيام الناتو وهذه التكتلات وغيرها لم تجد حتى الآن آلية مشتركة ولتؤكد فاعليتها وحضورها الاقليمي والدولي رغم قدمها النسبي. ادارة الازمات العربية! عندما تأسست الجامعة العربية في 22 مارس 1945 كان عدد اعضائها سبع دول هي (مصر, السعودية, العراق, اليمن, سوريا, شرق الاردن, لبنان) ومهما يكن الشكل الذي قامت على اساسه فإنها استطاعت ان تضم الدول العربية في تكتل سياسي بشكل مفترض من اشكال التوجه القومي اذا ما اعتمدنا (حسن النية) في حكمنا فالدول العربية وبعد نيل استقلالها اصبحت تبحث عن صيغ لعمل مشترك يعيد ماء وجهها ويسمع صوتها الذي هز العالم قبل الحكم العثماني, وبعد ان اخمدته القوى الاستعمارية المختلفة في اشكال سيطرتها وانتدابها لذلك لم ينس العرب انهم كانوا في فترة ما دولة واحدة حملت رسالتها الى العالم بما فيه اوروبا, ولكن وعندما اقيمت الجامعة العربية على ما تركه الاستعمار من تجزئة كانت احلامها تفوق خيالات الاحلام القطرية رغم اتهامها بتكريس القطرية. ولعل ما قيد الجامعة العربية كتكتل عربي سياسي هدفه الاول ايجاد قواسم مشتركة للدول العربية, كان ميثاقها الذي لم تستطع تعديله رغم مرور هذا الزمن الطويل جدا في عالم السرعة الذي بات لا يرحم احدا في يومنا هذا, لذلك باتت التحديات التي تواجه الجامعة العربية كبيرة جدا ليس على المستوى السياسي فقط بل حتى على المستوى التكنولوجي, وهذه التحديات تختلف في مستوياتها ونوعيتها وأفقها. وكون الجامعة العربية تكتلا يبرز من خلال العروبة فإن اي تحد لاية دولة عربية يجب ان يكون ضمن سياق تأثرها وتأثيرها, فقد واجهت الجامعة العربية تحديات كبيرة لم تستطع ان تقف امامها بشكل فاعل, واول هذه التحديات اغتصاب فلسطين عام 1948 ونكسة 1967 ثم بدأت اشكاليات جديدة تدخل في سياق نمطية التحدي الكبير. فاتفاقية كامب ديفيد لم تستطع الجامعة العربية ان تكون طرفا حقيقيا فيها, ولا اقصد بمستوى (الطرف) ان تدخل فيها بل استطاعت التعامل مع الوضع الطارىء آنذاك على العرب والجامعة العربية, فكانت خطوتها الوحيدة تجميد عضوية مصر في الجامعة ونقل مركزها. ويبدو ان شكل الصراع العربي العربي تأثر كثيرا بانهيار الاتحاد السوفييتي, فقد بدأت اشكال جديدة من الصراعات المختلفة وخاصة الاثنية تبرز على السطح وقد يعتقد ان لا علاقة بين الحدثين, ولكن الواقع ان انهيار الاتحاد السوفييتي شكل فراغا ما في الخطاب العربي واختلاف مستواه مما انشأ الصراع مختلف المستويات ايضا ليصل الى صراع دولي كما حدث في اجتياح الكويت من قبل العراق والذي اثبت عدم قدرة الجامعة العربية على ادارة الازمات العربية بل وقفت عاجزة امام تداعيات حرب الخليج الثانية كما وقفت امام الاولى. وكما لم تستطع ان تتعامل مع كامب ديفيد فإنها لم تتدخل في مؤتمر مدريد واتفاق اوسلو وما يجري الآن في عملية التسوية, وهي بطبيعة الحال تواجه ضغوطا دولية مندمجة في التكتلات المطروحة عليها بشكل علني وسري, وهي تكتلات هادفة لالغاء الهوية العربية بكل اشكالها سواء في خطابها السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي والثقافي. التفعيل العربي لعل الواقع يفرض علينا ان نعترف ان الوطن العربي يواجه الآن انواعا مختلفة من التحديات, اولها غياب الامن القومي وسفور اساليبه ومقوماته اضافة الى تحدي التنمية والامن الغذائي والمائي وتحدي الوجود والهوية, ومع هذه التحديات التحدي الاقليمي الذي نراه في اسطع صوره بالشرق اوسطية كمشروع للهيمنة على قدرات الامة العربية وطاقاتها وامكانياتها وحتى انسانيتها ونتذكر ما حصل في الدار البيضاء عند انعقاد مؤتمر التعاون الاقتصادي لدول الشرق الاوسط وشمال افريقيا بين 29 اكتوبر والاول من نوفمبر عام 1994, عندما قال شمعون بيرز لاحد الدبلوماسيين الاوروبيين: (ان مصر قادت العرب خلال نصف قرن واوصلتهم الى هذه الحالة المزرية, فلينظر العرب الى ماذا ستقودهم اسرائيل خلال الفترة المقبلة) ورغم غموض بيرز مهندس الشرق اوسطية في قوله هذا الا ان الواقع يفرض علينا ايضا ان نعترف ان الجامعة العربية لم تستطع الوقوف في وجه هذا المشروع الامريكي في فكرته والصهيوني في توجهاته, بل لا نزال نرى في وطننا العربي من يروج له ويهرول الى احضانه, وفي الواقع الى احضان اسرائيل والولايات المتحدة والقوى الاستعمارية المحيطة. ويبرز من خلال هذه الحالة المؤلمة بصيص نور نراه في المشروع القومي النهضوي العربي الذي اعتمد في رؤيته على السياسة بنظرتها وموضوعيتها, ورغم ذلك في توجهها الشمولي العربي ولكن ورغم اعتراف الكثير من الانظمة العربية بجدية وحتمية هذا المشروع لم نر اي توجه رسمي يحتضنه ويدعمه ضمن شكل مؤسساتي قطري او قومي او حتى نقابي وهنا يطرح سؤال ملح على الجامعة العربية وهو: هل هناك قانون في ميثاقها يمنع اعتماد هذا المشروع ضمن مؤسسة تابعة لها؟ ورغم علمنا انه ليس هناك من عائق لاحتواء هذا المشروع الا ان الجامعة العربية ومنظماتها ومؤسساتها المختلفة, لم تتبن هذا المشروع الحضاري الذي يقف بشكل واضح ضد المشاريع المعادية والتي تعتمد على مراكز دراسات ضخمة ويصرف عليها المبالغ الطائلة لكي تجد لها مكانا في وطننا العربي, لذلك نرى ان الجامعة العربية رغم قصورها في الكثير من المسائل المتعلقة بمصير الوطن العربي الا انها تبقى الاطار الاكثر ملاءمة لتطوير العمل العربي المشترك, خاصة وأننا نمر في عصر تتسارع فيه المعلومات لتسبق الحدث فإيجاد تكتل بديل عن الجامعة العربية يبدو امام الواقع غير واقعي, لأن تغيير قرار واحد او بند صغير من بنود ميثاق الجامعة يحتاج الى سنوات (ان غير) فكيف بنا ان اردنا ان نجد بديلا؟! وهنا وأمام كل اشكال المشاريع الوافدة من شرق اوسطية الى تكتلات اقليمية وصولا الى العولمة ينظر الى الجامعة العربية على انها الام الحنون التي لا تستطيع حتى الابتسام في وجه ابنائها وهي المطالبة بالكثير من الموضوعية امام التكتلات العالمية المختلفة, رغم ان شكل التكتلات بعد الحرب الباردة اخذ نهجا مختلفا تماما عن اشكاله السابقة فزمن التكتلات التقليدية انتهى وحل مكانه زمن آخر يطالبنا كعرب بمواكبة هذه التغيرات واولها تفعيل دور الجامعة العربية وانشاء مؤسسة خاصة ترعى المشروع النهضوي العربي والنظر الى الامن القومي العربي بمختلف ابجدياته, نظرة حديثة تستر ما تعرى منه, مع ايجاد آلية لفض النزاعات ومحكمة عدل عربية تنظر بشكل موضوعي في النزاعات العربية والدفاع العربي المشترك بعيدا عن التعصب والمحاباة, مع تغير هيكلي في ادارة الجامعة. فالعالم لن ينظر الينا وينتظر وصولنا بل سيتجاوزنا بكل اشكال التجاوز, اذا ما بقينا متخلفين عن ايقاع التغيرات والسرعة التي اصبحت عنوان هذا القرن ونحن في مشارفه. بقلم: محمد احمد يوسف كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق