شهد العقدان التاليان للحرب العالمية الثانية بروز وانتشار ظاهرة المنظمات والتكتلات الاقليمية لدول العالم الثالث. وترافقت هذه الظاهرة مع المد الجارف لحركة التحرر الوطني, التي اجتاحت المستعمرات من كوريا وفيتنام وإندونيسيا في أقصى شرق آسيا, الى الهند والشرق الأوسط وافريقيا من شمالها الى جنوبها. وتوالت انتصارات حركات التحرر الوطني تباعا في مرحلة زمنية قصيرة بالمنظور التاريخي, تمتد من النصف الثاني من ومع ازدياد ثقة الدول حديثة الاستقلال بنفسها, ووعيها بضخامة التحديات التي تواجهها سواء تحديات التنمية والانتصار على التخلف الموروث, أو الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي مارستها الدول الاستعمارية, كان طبيعيا أن تشعر الدول حديثة التحرر بضرورة تساندها وتكتلها, وأن يتسم هذا النزوع نحو التكتل بطابع معاد للاستعمار. وكان هذا الطابع سائدا في معظم التكتلات الاقليمية كجامعة الدول العربية, وحركة عدم الانحياز, ومنظمة الوحدة الافريقية وحتى المنظمات الاقليمية التي لم يعارض الغرب الاستعماري قيامها أو تلك التي باركها في البداية آملا أن تكون دولها المحافظة ذراعا له ضد الشيوعية والحركات الراديكالية.. حتى تلك المنظمات (وفي مقدمتها جامعة الدول العربية) بدأت تتخذ تدريجيا طابعا معاديا للاستعمار, مع اتضاح عمق التناقضات بين طموحات الشعوب الى التنمية وتجاوز التخلف, والعقبة الكؤود التي تمثلها روابط التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية. وفي حالة الجامعة العربية تحديدا كان الدعم الغربي لاسرائيل واغتصابها لفلسطين, عنصرا أساسيا في دفع المزاج العام في الجامعة للعداء للغرب الاستعماري. ومن ناحية أخرى فإن الحرب العالمية الثانية قد أسفرت عن إضعاف مواقع أكبر إمبراطوريتين استعماريتين غربيتين (بريطانيا وفرنسا) وبروز الولايات المتحدة كزعيمة للغرب, ونشوء نظام عالمي ثنائي القطبية يتزعمه الاتحاد السوفييتي, على رأس المعسكر الاشتراكي (الشرقي) والولايات المتحدة على رأس المعسكر الرأسمالي العالمي (الغربي). وسرعان ما اشتعلت الحرب الباردة بين المعسكرين. واتجه المعسكر الشرقي لدعم حركات التحرر الوطني في مواجهتها مع الغرب, محاولا شق ثغرات واسعة في جدران الحصار الغربي, وانتزاع مواقع للنفوذ السوفييتي في العالم الثالث. ووجدت الدول حديثة الاستقلال في هذا الوضع العالمي مجالا واسعا نسبيا للمناورة بين المعسكرين, ولبناء حد أدنى معقول من القوة الاقتصادية والعسكرية. وأدى هذا كله الى تعظيم قوة التكتلات الاقليمية وتعزيز مكانتها على الصعيد العالمي. إلا أن هذه التكتلات الاقليمية لم يكن ممكنا أن تفلت من تأثيرات الميراث التاريخي الثقيل للمرحلة الاستعمارية على دولها من جهة, وعلاقاتها التاريخية والمستحدثة بالقوى الكبرى من جهة ثانية, وتباين أو تناقض أو حتى تصادم المصالح في عدد من القضايا الرئيسية فيما بينها من جهة ثالثة (قضايا الحدود على سبيل المثال) واختلاف الثقافات والتوجهات الفكرية والسياسية والايديولوجية من جهة رابعة.. الخ.. الخ.. وكلها تناقضات تفاعلت وتبادلت التأثير في بيئة عالمية اتسمت باحتدام الصراع بين القطبين السوفييتي والأمريكي, ومن ورائهما المعسكران الشرقي والغربي, أو الاشتراكي والرأسمالي. وكان لذلك كله انعكاساته على القضايا والنزاعات الاقليمية, وعلى مستوى تماسك وفاعلية التكتلات الاقليمية في مراحل مختلفة من وجودها, حتى جاء انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي وبروز الولايات المتحدة كقطب أوحد, الى حين, لنظام عالمي جديد؟ ليخلق وضعا عالميا جديدا, ظهرت فيه وقائع جديدة, وترسخت وقائع أخرى كانت قد بدأت تظهر في رحم النظام العالمي المنهار. وكلها وقائع تفرض ضرورة مراجعة تجربة التكتلات الاقليمية القديمة, وما قدمته لشعوبها وبلدانها على مدى أكثر من نصف قرن من ظهورها, وتجديد مضامين هذه التكتلات بصورة تستجيب لتحديات المرحلة الراهنة والمقبلة من تاريخ العالم, لكي تستطيع البقاء ولا تتحول الى أشكال بدون محتوى. وهو ما سوف نجيىء اليه فيما يلي, بعد رصد سريع لأوضاع ثلاثة تكتلات اقليمية ـ تهمنا بصورة خاصة في الوطن العربي ـ وحصاد عقود من وجودها, وما قدمته لبلدانها وشعوبها.. وهذه التكتلات الثلاثة هي جامعة الدول العربية, وحركة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الافريقية. الجدران المتصدعة أعلن قيام جامعة الدول العربية في مارس عام 1945 لتكون أول تكتل اقليمي ينشأ قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية. وشاركت في تأسيس الجامعة الدول العربية السبع (المستقلة رسميا) وقتها وهي مصر والسعودية والعراق واليمن وسوريا ولبنان وامارة شرق الأردن, ثم أخذت الدول العربية التي تحصل على استقلالها تنضم الى الجامعة تباعا. وشكلت الجامعة أول تعبير مؤسسي عن النظام الاقليمي العربي, وهو التعبير المؤسسي الأكثر أهمية والمستمر حتى الآن. ومنذ قيامها واجهت الجامعة العربية تحديا هائلا تمثل في المشروع الصهيوني على أرض فلسطين, وهو المشروع الذي كان يتمتع بدعم غربي قوي, أدى الى انتصاره وقيام الدولة الصهيونية عام 1948. ورغم رفض الجامعة لقرار التقسيم عام 1947 فإنها عجزت عن حشد القوات الضرورية لانقاذ فلسطين.. ويرجع هذا الى أن الدول الأعضاء كانت كلها ضعيفة عسكريا, ومتخلفة اقتصاديا ومفتقدة للارادة السياسية الحازمة, وتابعة بدرجات متفاوتة للقوى الغربية الكبرى فضلا عن تباين الارادات وعدم وجود تنسيق فعال بين حكومات الدول السبع وقواتها الهزيلة على أرض فلسطين. وهكذا فإن الأنظمة العربية ـ وليست الجامعة ـ هي التي تتحمل مسئولية نكبة عام 1948. واذا أردنا الحديث عن فشل (النظام الاقليمي العربي) في التصدي للعدوان الصهيوني منذ بدايته حتى الآن, فإننا لاينبغي أن نلوم (الإطار المؤسسي) لهذا النظام, أي الجامعة, وإنما أطراف النظام.. فالجامعة هي تعبير مؤسسي عن مجموعة الارادات المكونة لها, وقدرتها على الفعل تظل مرهونة برغبة الدول العربية في اتخاذ هذه الخطوة أو تلك, وحشد القوى الضرورية لتنفيذ هذه الارادة, ضمن الاطار المؤسسي الذي تمثله الجامعة. وبالرغم من كل شيء فإن انعقاد القمة العربية الأولى (عام 1964) والقمم التالية قد مثل دعما معنويا لاشك فيه للشعب الفلسطيني, أسفر عن ميلاد منظمة التحرير الفلسطينية, التي اكتسبت مضمونا جديدا بسيطرة فصائل الكفاح المسلح عليها خلال الأعوام التالية, ومن ثم نجحت في بلورة واستنهاض الروح الوطنية للشعب الفلسطيني من جديد, بعد سنوات من الاحباط والخمود. ومرة أخرى ليست الجامعة هي المسئولة عن النهج الخاطئ في التعامل مع الصراع العربي ـ الاسرائيلي, والذي قاد الى نهج كامب ديفد, ثم أوسلو وما تلاها وسوف يتلوها. وكانت زيارة السادات للقدس ثم اتفاقيات كامب ديفد والصلح المنفرد مع اسرائيل, ضربات قوية متتالية للنظام العربي بمجمله أضعفته وأضعفت من الجامعة التي انتقل مقرها من القاهرة الى تونس لنحو عشرة أعوام. الجامعة المظلومة ثم جاء غزو صدام حسين للكويت ليوجه ضربة قاصمة للنظام العربي, لم يستطع هذا النظام الافاقة من آثارها حتى الآن. وكان طبيعيا أن تنعكس على الجامعة بصورة مأساوية.. كما ترتب على هذا الغزو نشوب حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء) التي أدت الى تدمير العراق, وفرض حصار دولي ظالم عليه يعاني منه شعبه معاناة رهيبة. واذا كانت الجامعة العربية لم تستطع اتخاذ موقف حازم لصالح الشعب العراقي بغض النظر عن النظام ـ أو الشعب الليبي في قضية لوكيربي, فإن ذلك يرجع ببساطة الى عدم قدرة عدد من الأنظمة العربية الرئيسية على تحدي الهيمنة الأمريكية على المنطقة, أو الى عدم رغبتها في المخاطرة بالإقدام على اتخاذ الموقف الصحيح. وباختصار شديد يمكن القول إن ضعف فاعلية الجامعة العربية يرجع الى ضعف النظام العربي, وضعف توجه أطراف هذا النظام الى تعزيزه والالتزام به, الأمر الذي جعل الجامعة فريسة لأمراض النظام الاقليمي العربي ومشكلاته ومن أهمها : 1- التبعية بدرجات متفاوتة لنفوذ القوى الكبرى, وفي مقدمتها الولايات المتحدة. 2- الصراع بين النظم المحافظة والراديكالية العربية في مرحلة تاريخية سابقة, ثم بين (جبهة الرفض) وجبهة التسوية في مرحلة لاحقة, ثم بين جبهة التطبيع والهرولة ومعارضيها في ظل استمرار العدوان الاسرائيلي حتى الآن. 3- التصلب في معالجة المشكلات والنزاعات الحدودية والسياسية بين أغلب النظم العربية وبعضها البعض, على صورة لا نراها في معالجة النزاعات مع أطراف أجنبية بل ومع الأعداء (وخاصة اسرائيل) ونعفي أنفسنا من ذكر الامثلة على كثرتها. 4- قاعدة الاجماع في اتخاذ قرارات الجامعة, وخاصة مؤسسة القمة العربية, الأمر الذي يعطي لأية دولة مهما يكن حجمها ووزنها حق (الفيتو) وبالتالي تخرج القرارات عادة مائعة حرصا على (التراضي) أو الاجماع. 5- الضعف الشديد للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول العربية, والحوافز الجمركية العالية, والقيود الشديدة على حركة الأفراد, بين عدد كبير من البلدان العربية, وخاصة الغنية منها, والقيود على الاستثمار والتملك المفروضة على المواطنين العرب في عديد من الدول العربية. ويكفي أن نشير الى أرقام التجارة العربية البينية حسبما أوردها التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر عن الجامعة العربية. حيث يشير التقرير الى أن الصادرات العربية البينية الى اجمالي الصادرات العربية يتراوح بين (4.8%) و (5.8%) ثمانية ونصف في المئة بين عامي 1994 و 1997.. بينما تتراوح نسبة الواردات العربية البينية في نفس الفترة بين (2.9%) و (6.9%) في الفترة نفسها!! (المصدر: التقرير الاستراتيجي العربي عام 1999 - مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام - ص 160). ويشير التقرير الاستراتيجي العربي لعام 1997 الى أن الاستثمارات العربية العامة والخاصة في الخارج بلغت نحو 850 مليار دولار منها استثمارات عربية بينية يبلغ مجموعها نحو (12 مليار دولار) بنسبة قدرها نحو (4.1 % فقط)!! (التقرير الاستراتيجي العربي 1997 - ص 116). فما الذي تستطيع أن تفعله الجامعة العربية ومجالسها المتخصصة, واتفاقياتها العديدة ازاء هذا الواقع الصارخ؟؟!! هامش التناقضات .. ولدت حركة عدم الانحياز في مؤتمر باندونج (باندونيسيا) عام 1955 وعقد مؤتمر قمتها الأول في القاهرة عام 1961 بزعامة كل من جمال عبدالناصر (مصر) وجواهر لال نهرو (الهند) وجوزيف بروز تيتو (يوغوسلافيا) وتوسعت الحركة في السنوات التالية حتى بلغ عدد الدول الأعضاء فيها نحو مئة دولة.. ورغم اعتبارها أحد التكتلات الاقليمية, فإن حركة عدم الانحياز هي أقرب الى تكتل دولي, تضم صفوفه بلدانا من أربع قارات هي آسيا وافريقيا وأوروبا (يوغوسلافيا) وأمريكا اللاتينية. وقد تكونت الحركة على أرضية الحرب الباردة بين المعسكرين المتصارعين, معلنة (عدم الانحياز والحياد الايجابي) شعارا لها. ونظرا لأن أغلب أعضاء الحركة من دول المستعمرات السابقة, ولأن حركة التحرر الوطني في كثير من تلك البلدان اكتسبت طابعا اجتماعيا معاديا للاقطاع والرأسمالية الكومبرادورية (العميلة) , فإن الغرب ناصبها العداء, متعبرا أنها تتسم بنزعات شيوعية!! بينما اهتم الاتحاد السوفييتي بالتوجه الى حركة عدم الانحياز وخطب ودها والتحالف مع كثير من دولها, سعيا الى احتلال مواقع للنفوذ في العالم الثالث, وضد النفوذ الغربي, (كما أوضحنا في بداية مقالنا). وهكذا فإن الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي أتاح هامشا واسعا نسبيا أمام الدول حديثة التحرر, وحركة عدم الانحياز عموما, للمناورة بين الخصمين العملاقين, واتخاذ مواقف لاترضي أحدهما أو كليهما بالضرورة, بقدر ما تحقق مصالح الدولة أو الدول الصغيرة في الحدود التي يسمح بها توازن القوى الدولي. ومن هذه الزاوية يمكن القول أن حركة عدم الانحياز مثلت ـ ولا تزال ـ إحدى الظواهر الديمقراطية في العلاقات الدولية.. وقد قدمت الحركة دعما معنويا وسياسيا كبيرا للشعوب المناضلة من أجل حريتها وفي مواجهة العدوان, سواء من خلال تصويت الدول غير المنحازة في الأمم المتحدة (الجمعية العامة) أو من خلال مؤتمرات الحركة. ويمكن هنا بصورة خاصة الاشارة الى دعم حركة عدم الانحياز لحقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ضد العدوان الاسرائيلي, والى دور الحركة في اتخاذ الأمم المتحدة قرارا باعتبار الصهيونية أحد أشكال العنصرية, وكذلك دور الحركة في دعم شعوب فيتنام وجنوب افريقا وناميبيا وكوبا وغيرها. إلا أن انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي وبروز الولايات المتحدة كقطب أوحد (للنظام العالمي) , قد ضيق هامش المناورة كثيرا أمام حركة عدم الانحياز على الصعيد الدولي. كما أن التناقضات العديدة داخل دولها وعلى صعيد العلاقات فيما بينها, وانهيار تجارب التنمية المستقلة في أغلب هذه الدول, قد أوقعها تحت عجلة الضغوط الأمريكية والغربية, سواء عبر العلاقات المباشرة أو من خلال نشاط مؤسسات التمويل الدولية. الاقليمية الجديدة ومع بروز العولمة وصراع التكتلات الاقتصادية الدولية أخذت بلدان عدم الانحياز تدرك بصورة أعمق أن التكتل السياسي وحده غير كاف لتحقيق درجة مقبولة من ديمقراطية العلاقات الدولية, وأن التكتل الاقتصادي بمختلف درجاته وأشكاله هو السبيل الأساسي الممكن لمواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية العنيفة التي تمارسها الولايات المتحدة ومؤسسات التمويل والتجارة الدولية الخاضعة لهيمنتها. وساعد على تعميق هذا الادراك الانتشار المتزايد لنظرة الاقليمية الجديدة (New Regionalism) التي تركز على أهمية المصالح الاقتصادية المتبادلة في اقامة التنظيمات والتكتلات الاقليمية وتعزيزها. وفي هذا الاطار بدأت دول عدم الانحياز تتجه لاقامة تكتلات ذات طابع اقتصادي تطالب بديمقراطية العلاقات الاقتصادية الدولية, مثل (مجموعة الـ 77) و (مجموعة الـ 15) التي انعقدت قمتها الأخيرة في القاهرة, وتنظيمات وتكتلات عديدة أخرى في آسيا وافريقيا. إلا أن هشاشة اقتصاديات أغلب هذه الدول وضعف نظمها السياسية وعدم استقرارها يقلص بصورة خطيرة من قدرتها على المناورة ومقاومة الضغوط الدولية, إلا بقدر ما تستطيع الاستناد الى دعم هذا التكتل الدولي الكبير أو ذاك في مواجهة تكتل آخر, كالاتحاد الأوروبي في مواجهة الولايات المتحدة والنافتا, أو الأخيرة في مواجهة الأولى. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن ضراوة المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى تجعل الدول الصغيرة في هذه الحالة كالمستجير من الرمضاء بالنار! ومهما يكن من أمر فإن بناء أنوية قابلة للتوسع من التكتلات الاقتصادية ولو حول قضايا جزئية, قابلة للتوسع بدورها, يظل هو السبيل الوحيد المتاح امام دول حركة عدم الانحياز, سعيا الى الافلات من مصير قاس تحت عجلات العولمة. ومن ناحية أخرى فإن بقاء حركة عدم الانحياز على المستوى السياسي يظل أمرا مهما باعتبارها تمثل نوعا من (الضمير) في العلاقات الدولية, وتعبيرا عن نضال شعوب العالم من أجل تحقيق قدر من الديمقراطية في هذه العلاقات. افريقيا.. وقطار التاريخ رغم أن منظمة الوحدة الافريقية نشأت منذ نحو أربعين عاما (عام 1963) وتضم في عضويتها الآن بضعا وخمسين دولة, يمكن القول إنها واحدة من أقل المنظمات الاقليمية نجاحا على الاطلاق. فالقارة السمراء يطحنها التخلف الاقتصادي والاجتماعي بلا رحمة. باستثناء بؤر قليلة كدول الشمال الافريقي وجمهورية جنوب افريقيا وبدرجة ما السنغال ونيجيريا. وتتعرض ثروات القارة للنهب على أيدي الشركات متعددة الجنسية والنخب المحلية الفاسدة.. بينما يأكل الإيدز الملايين من أبنائها خصوصا جنوب الصحراء. ونتيجة لميراث الحدود الاستعمارية المصطنعة التي تمزق الشعوب والقبائل الافريقية بين دول عديدة, وميراث الصراعات القبلية والعرقية الطويل, فإن العديد من دول القارة غارقة في الحروب الأهلية والاقليمية.. كالكونغو ورواندا وبوروندي وأنجولا وسيراليون والقرن الافريقي.. الخ. وكلها صراعات لاتبدو لها نهاية منظورة. وتلعب الدول الكبرى أدوارا مختلفة في تأجيجها دفاعا عن مصالح أو طمعا في مكاسب محددة. وفي كل ذلك لايبدو لمنظمة الوحدة الافريقية دور ملموس, اللهم إلا حينما يسلم أحد الأطراف تماما بالهزيمة كما حدث مع إريتريا! وكان بديهيا, والحال هكذا, أن تنهار الفكرة الخيالية حول تأسيس آلية لفض المنازعات الافريقية, ودرء وقوعها أصلا! والواقع أنه باستثناء الدعم المحدود الذي قدمته المنظمة لبعض حركات التحرر الوطني التي تأخر انعتاق شعوبها (كزيمبابوي وجنوب افريقيا وناميبيا وغينيا بيساو) لما أمكن الحديث عن أي دور ملموس لمنظمة الوحدة الافريقية طوال تاريخها في التقريب بين دول القارة التي تحرر أغلبها عامي 1960 و 1961. وتبدو دول القارة مشدودة أكثر الى النظم الاقليمية الفرعية كالجامعة العربية على ضعفها, أو المنظمات التي تربطها بالدول الاستعمارية السابقة, كالفرانكوفونية (20 دولة افريقية) أو الكومنولث البريطاني (19 دولة افريقية). وباختصار فإن السؤال المطروح ليس حول مستقبل زاهر لمنظمة الوحدة الافريقية, ولكن جوهره: هل تقع معجزة تجعل افريقيا تلحق بقطار التاريخ.. ولو بعربته الأخيرة؟؟ أم أن التهميش يظل قدرها المحتوم؟؟ بقلم: د. محمد فراج أبوالنور كاتب مصري