اعلان اسماء الفريق الجديد الذي سيقود حزب (المؤتمر الوطني) الحاكم في السودان (بالتكليف) خلال المرحلة المقبلة حمل دلالات تشير الى ان الفصل الثاني من الصراع بين الاسلاميين للاستحواذ على مفاصل الحكم في البلاد لن يكون ناعماً وسهلاً، بعد ان تأكد ان الزعيم الاسلامي العنيد الدكتور حسن الترابي سينازل مجموعة منتقاة من تلاميذه النجباء وسيتمدد ميدان النزال ليشمل مستويات ادنى من القيادة بجانب القيادات الوسطى. وكان الصراع الذي بدأ مكتوماً منذ العام 1992م قبل ان يتفجر الى العلن في نهايات العام 1998 بمذكرة العشرة التي دشنت مشروع الاطاحة بالترابي لتكتمل حلقاته بقرارات اصدرها رئيس الجمهورية على دفعتين الاولى في الرابع من رمضان الماضي اعلن بموجبها حل البرلمان الذي كان يتربع على عرشه الترابي ووضع البلاد تحت الاحكام العرفية. واكمل رئيس الجمهورية الحلقات بقرارات الثاني من صفر التي جمد بها عملياً نشاط الترابي السياسي في الحزب الامر الذي اضطره الى تشكيل حزب منفصل اطلق عليه اسم (المؤتمر الوطني الشعبي) تمهيداً لصراع يتوقع له ان يطول وتشير كل النذر الى انه سيكون خشناً خاصة بعد التشكيلة القوية التي اعلنتها الحكومة لقيادة الحزب وضمت اسماء ذات صيت. واثار ظهور سفير السودان السابق في الولايات المتحدة الامريكية مهدي ابراهيم ضمن تشكيلة الفريق الحكومي قلق انصار الترابي خاصة وان ابراهيم يعد من العناصر التي يقولون انها تجمع ما بين الصلابة والحنكة في الحركة الاسلامية وقيل ان الترابي شخصياً هو الذي وضعه ليتولى منصب سفير السودان بأمريكا بعد ان ضيقت الولايات المتحدة الخناق على الحكومة السودانية. وطبقاً لقول مصادر مطلعة داخل الحركة الاسلامية فإن مهدي ابراهيم لقب داخل الحركة بـ (رجل المهام الصعبة) وهو قد لازم (الامام) الهادي المهدي (زعيم الانصار) عندما قصف نظام جعفر نميري معقلهم بالجزيرة ابان عام 1970م. وآنذاك عمل مهدي ابراهيم على تشكيل قوة من الانصار بالتعاون مع الامام الهادي وعدد من قيادات الحركة الاسلامية لمقاومة نظام نميري. وتولى مهدي قبل ان يتولى امر سفارة السودان بأمريكا منصب وزير دولة بالقصر الجمهوري. ويتردد اسمه الآن لتولي منصب وزير الثقافة والاعلام بدلاً لغازي صلاح الدين الذي رشحته المصادر وزيراً لشئون مجلس الوزراء. اما د. نافع علي نافع الذي تولى في الايام الاولى لانقلاب البشير مهام مدير عام جهاز الامن العام فقد عين الآن اميناً لقطاع الاتصال التنظيمي في الامانة العامة الجديدة للحزب الحاكم. واعلن د. ابراهيم احمد عمر الامين العام المكلف ان د. نافع سيتم اعفاؤه من منصبه كمستشار لرئيس الجمهورية لشئون السلام ليتفرغ للحزب (حتى نعرف من معنا ومن ضدنا) . ويشير حديث الامين المكلف وبوضوح كامل ان تكليف نافع بهذه المهمة جاء على خلفيته الامنية حيث ظل الاخير مطلعاً بمهام الشئون الامنية في تنظيم الجبهة الاسلامية (أمانة للفئات) منذ فترة طويلة ما يتيح له انجاز مهمة (فرز الكيان) انطلاقاً من متابعاته السابقة. وظهرت في التشكيلة التي ستقود مهمة مواجهة حنكة الترابي ودهاءه السياسي ولأول مرة في هذا المنصب, نائب الامين العام حكمت حسن سيد احمد, وهي احدى الوجوه النسائية المعروفة في الجبهة الاسلامية وكانت عضواً بالجمعية التأسيسية (البرلمان) ابان فترة الديمقراطية الثالثة ومتزوجة من علي عبدالله يعقوب احد القيادات الراديكالية في الحركة الاسلامية. اما الدكتور غازي صلاح الدين العتباني وزير الثقافة والاعلام فيلقب في اوساط الاسلاميين بـ (صنديد دار الهاتف) وذلك منذ ان قاد مجموعة من المقاتلين احتلت دار الهاتف ابان الحركة التي قادتها تحالف المعارضة اليمينية العام 1976 ضد نظام نميري. وتقلد غازي العتباني منصب امين قطاع القوى الشعبية في التشكيل الجديد لقيادة الحزب الحاكم. وبرر د. ابراهيم احمد عمر اختيار غازي لقيادة هذا القطاع بقوله: (ان غازي يتمتع بقوة الخطاب واردناه لهذا المكان حتى يسهم في اقناع قطاع هام يتبع له وهو قطاع الطلاب. وبهذا تكون الحكومة قد اختارت بدقة فريق عملها الذي سيواجه اول ما يواجه حملات ضارية من الدكتور الترابي. وفي هذا الاطار وصف احد مساعدي الاخير تشكيلة الامانة الجديدة بأنها (هي ذات المجموعة التي تقدمت بمذكرة العشرة وسلبت السلطة من المؤتمر الوطني لصالح الحكومة) . ومضى مساعد الترابي محمد الحسن الامين, يقول سيشرب هؤلاء من نفس الكأس اذا ما حاولوا ان يعملوا وفقاً للمؤسسة والشورى واذا لم يفعلوا ذلك فسيختزنون الحزب في شخصية الرئيس ونائبه الاول ويسكنون هم مجرد تابعين لهم وهذا الاحتمال الاقرب طبقاً لقول الامين الذي حذر بطريقة موازية من احتمال المواجهة العنيفة بين حزب الترابي الجديد والحكومة قائلاً: (اذا صدقوا في التعامل وفقاً للقانون والدستور واحتملوا انتقاداتنا لهم ولسياساتهم وخلوا بيننا وبين الشعب السوداني فلن تحدث المواجهة اما اذا تصرفوا بعكس ذلك فلكل حدث حديث. وليست تلميحات مساعد الترابي سوى نذر واحد من نذر تشير الى ان الصراع بين الرأسين في الخرطوم لم يحسم بعد وانما انتهى منه الفصل الاول بانشاء حزبين ليبدأ الفصل الثاني.