لم تثر فتوى روبنشتاين, المستشار القانوني لحكومة اسرائيل, الدهشة فيما تناولته من ان القرار 242 القاضي بانسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها في حرب يونيو 1967 لا ينطبق على الاراضي الفلسطينية لأن السلطة الفلسطينية لم تكن موجودة ، عند صدور القرار المشار اليه, فقد اعتدنا على قدرة اسرائيل على خداع النفس والغير وضرب عنق الحقائق اخفاء أو بالاحرى كشفا عن سوء نواياها في كل عهودها. وهذا القول يستند كما هو واضح الى حجة واهية ليس لها سند من منطق او قانون, وكأن السارق يرفض رد المسروق بحجة انه لم يعثر على الضحية فتصبح السرقة في هذه الحالة سندا شرعيا للملكية الا اذا كان روبنشتاين يقصد انهم مستعدون لرد الاراضي الى طرف آخر غير الفلسطينيين معيدا الى الذاكرة طروحات اسرائيلية سابقة اثارت بلبلة الى ان رفضتها بكل الوضوح كل الاطراف المعنية والمقصودة. ويكفي تأكيدا لفساد الحجة بمنطق قائلها نفسه ان اسرائيل التي لم يكن لها وجود الا منذ 1948 تحصل ابتزازا على تعويضات عن اضطهاد اليهود في السنوات التي سبقت وجودها. وقد سمعنا من قبل كلاما سيىء النية من مسئولين اسرائيليين من بيجن ومن سبقوه ومن تلوه حول القرار 242 ابتداء من الحديث عن (أراض) أو (الاراضي) الى الادعاء بأن الانسحاب من سيناء يعتبر تنفيذا كاملا للقرار لا تلتزم اسرائيل بما هو اكثر منه, حتى وصلنا الى ادعاءات روبنشتاين التي تشبه ما اشتهر عنه من الشغف بقص نكات معروفة بأنها سخيفة. وقد اعتدنا من اسرائيل على انها تجيد خرق الاعراف والقوانين. ولعلنا نذكر معاملتها للاسرى المصريين وقتلهم بوحشية, ونذكر معاملتها للفلسطينيين من طردهم من ديارهم وتدمير قراهم وكسر ايادي اطفالهم وتعذيبهم. ونذكر القانون الاسرائيلي الذي اباح التعذيب. ونذكر حبس الفلسطينيين اداريا لسنوات دون توجيه اية تهمة لهم أو محاكمتهم, ونذكر ان الحكومة الاسرائيلية احتجزت لسنوات مواطنين لبنانيين كرهائن (باعترافها) حتى تحصل على معلومات عن جنود مفقودين بينما يعتدون على شعب لبنان وسيادته. وعندما طالبت المحكمة العليا بالافراج عنهم استثنت اسرائيل اثنين منهما تأكيدا لاصرارها على ضرب الحائط بالقوانين. ومن يقرأ كتب المؤرخين الجدد الاسرائيليين يجد امثلة لا حصر لها تعود الى عام 1948 تحطم كثيرا من الاكاذيب التي اطلقها وما زال يطلقها المسئولون الاسرائيليون. ولهذا فإن تصريحات روبنشتاين الاخيرة و لن تكون قطعا الاخيرة (لا تثير العجب) ولكنها تطرح موضوعا اعمق وتساؤلا اشمل وهو عهد تعترف اسرائيل بأي نظام قانوني وهل تقر بأن هناك التزامات قانونية واخلاقية وانسانية يجب على الدول احترامها ام انها فوق القانون لا تلتزم الا بما تختار الالتزام به وتخرق ما تريد خرقه فإذا نبهها احد الى ذلك او لامها أو انتقدها سارعت الى توجيه الاتهامات وتحريك الآلة الاعلامية الضخمة التي تسخرها لأهداف لا تمت الى الحق والعدل بصلة. إن هذا الموقف من القانون هو الذي يقف عقبة امام التوصل الى تسوية سلمية شاملة وعادلة (وبالتالي دائمة) للنزاع العربي الاسرائيلي ولذلك فإن على اصدقاء اسرائيل والحريصين على مستقبل المنطقة ان ينتبهوا الى خطورة تلك الفلسفة الاسرائيلية التي لا تقتصر على حاكم أو آخر بل يبدو ان كل حكومة تتسلمها كعهدة مستديمة من الحكومة السابقة. أ.ش.أ