ما زالت قضية مصدري الماشية تراوح مكانها.. وتتوجه اعداد منهم الى السجن بعد ان كانوا في يوم من الأىام دعامة الاقتصاد السوداني.. وخرج الكثيرون من سوق الماشية وكانت مكافأة آخر عملهم ان قبضوا الريح وباعوا منازلهم التي تأوي اسرهم وفقدوا عملهم وما يملكون. قال وزير المالية السابق الدكتور عبدالوهاب عثمان اذا كان الضحية شخصا واحدا فيمكن ان نقول انه اخطأ أو لم يحسبها بالطريقة الصحيحة.. ولكن ان يكون كل هؤلاء ضحايا وداخل السجون, فيجب بحث الأمر والدولة مسئولة من هذه السياسات التي أدخلت هؤلاء الى السجون. أصل المشكلة سجنا أم درمان وكوبر فيهما العديد من رجال الأعمال والمصدرين والتجار ضحايا الشيكات بموجب المادة (179) منهم مصدرو الماشية.. حوالي العشرين شخصا وتم الافراج عن عدد منهم بعد ان أعلنوا افلاسهم أو تمت تصفية اعمالهم أو باعوا ما يملكون حتى يخرجوا من السجن ومنهم من هو لا يزال داخل اسوار السجن في انتظار الفرج. يقول هؤلاء ان هنالك قطاعا واسعا من المصدرين امتهن هذه المهنة لفترة تتراوح بين 20 الى 30 عاما وتحملوا مشاكل هذه القضية في كافة الظروف.. الملفت للنظر الآن ان 80% من المصدرين انهاروا ودخلوا السجون والبقية الباقية تترنح وفي طريقها الى السجن لا محالة وتساءلوا: لماذا هذا الوضع بالذات والآن؟ للاجابة على هذا السؤال نقول ان الدولة تدخلت في وقت سابق في السياسات التي كانت تحكم عمل الصادر. وتم السماح لبعض شركات البترول والطرق الدخول في الصادر للاستفادة من تجنيب (العملة الحرة من عائد الصادر) وتوفرت لها سيولة أكثر من المصدرين الاساسيين وضخوا كميات من الصادر في السوق الرئيسي والتقليدي وهو السعودية للحصول على العملة الحرة وكانت النتيجة انهيار الاسعار بنسبة 100% وكان الضحية المصدر الذي ليس لديه شيء سوى مهنته التي توارثها عن أبائه. خطوات في طريق الحل نبه اتحاد المصدرين المسئولين منذ فترة مبكرة وقدم مذكراته في عام 96 الى بنك السودان يحدد الآثار المترتبة على دخول شركات الوارد في سوق صادر الضأن في شكل مضايقات.. وعندما وقعت الطامة تحمل بنك السودان ووزارة المالية المسئولية وحل المشكلة التي كانا هما السبب فيها.. كما ان الأسوأ من ذلك حرر بنك السودان الديون بإدخال المصدرين السجون وتسييل عقاراتهم دون النظر لأهمية ادائهم في هذه المهنة. ونسوا ان المصدرين هم ضمن الممولين الحقيقيين للدولة من العملة الحرة للخزينة العامة. وقال لنا مصدرو الماشية عن المجهودات التي بذلت للمعالجة انها شملت اتصال اتحاد المصدرين بالمسئولين في وزارة التجارة الخارجية, المالية, وبنك السودان. وكانت النتيجة وعودا دون اتخاذ اي اجراء ايجابي يؤدي الى حل المشكلة. أمثلة مصدر واحد يمتلك 26 عقارا في الخرطوم وظل يخدم في الصادر منذ 25 عاما ولا يملك الآن سكنا يأويه وأبنائه. مصدر آخر يعمل في مجال الصادر منذ 30 عاما متوسط صادره السنوي 12 مليون دولار الآن كل الذي فعلته الدولة تجاهه هو تحريكه من سجن الى آخر.. ولم يراع كبر سنه وخدمته الطويلة في الصادر. وبإحصائية بسيطة تؤكد ان مصدري الماشية في السنوات العشر الماضية حققوا عائد صادر حوالي مليار دولار أمريكي بمتوسط 100 مليون دولار في العام. مع الاختلاف في سعر الدولار الحر وسعر بنك السودان بـ 300 جنيه للدولار الواحد وبالتالي يدعم المصدر الجنيه السوداني بـ 300 مليار دولار جنيه فإن صرفت الدولة 10% فقط منها يمكن ان تحل كل مشاكل المصدرين. بجانب ان المصدر يعمل معه عدد كبير من المنتجين وصغار المنتجين والاسر التي تعيش على تربية الماشية والتي تضررت بدخول المصدرين. رأي البنوك لا شك ان ديون مصدري الماشية لها اثرها الكبير في زيادة نسبة التعثر في القطاع المصرفي وأقلقت المسئولين وأصبحت الهاجس الأكبر للقطاع المصرفي هو كيفية استرداد هذه الديون.. بل وان البنك المركزي بصدد انشاء مؤسسة لمعالجة الدين المتعثر. وترك العمل الاداري لقيادات البنوك بعد ان انشغلت عنه لفترة طويلة في اطار سعيها لاسترداد وتحصيل الديون المتعثرة.. ولم تنف ادارات البنوك وجود اسباب متصلة بالسياسات وراء تفاقم مشكلة الديون المتعثرة بل وطالب عدد من المسئولين في الجهاز المصرفي بأن تتحمل الحكومة حل مشاكل مصدري الماشية لأنها نتيجة سياسات وليست اخطاء من المصدرين, اسوة بالعديد من الدول التي تنشىء مجالس أو صناديق لدعم الصادر لمعالجة مثل هذه الحالات. وأكد محمد عبدالرحمن أبوشورة مدير البنك السعودي السوداني اهمية وجود مؤسسات لدعم الصادر ولدعم المصدرين في الحالات الحقيقية التي تطرأ نتيجة سياسات حكومته. وأضاف: يجب على بنك السودان ووزارة المالية ان تنظرا في الطريقة التي يتم بها حل مشاكل مصدري الماشية بعد ان احجمت البنوك عن التمويل خوفا من التعثر والنتيجة وجود موارد فائضة رغم الاستقرار الاقتصادي الآن من سعر الصرف والتضخم الا ان الموارد ما زالت متوفرة في البنوك ويجب ان يتم تحريكها لصالح الاستثمار ولا سيما المصانع المتعطلة. ومن جهته, أوضح أمين عبدالمجيد, نائب مدير بنك الخرطوم ضرورة حل مشكلة الديون المتعثرة وخاصة لمصدري الماشية وذلك عن طريق تجميد الديون لفترة واعادة تمويلهم مرة اخرى بضمان من الدولة وهم اكثر القطاعات احتياجا لحل هذه المشكلة ردا لما قاموا به في السابق ومساهمتهم في توفير العملات الحرة للدولة في أوقات حرجة تصل مليارات الدولارات ولأثرهم الواضح في تدني الصادرات بجانب الاستفادة من الخبرات المتعطلة الآن بدخولهم السجون. رأى الاقتصاديين يقول البروفيسور علي عبدالله علي, المستشار الاقتصادي بسوق الخرطوم للأوراق المالية والمحاضر بجامعة السودان حول رؤيته لحل مشكلة مصدري الماشية: على الدولة الآن ان تفكر في انشاء صندوق أو مجلس لدعم الصادر وصناديق للتركيز اسوة بالدولة التي سبقتنا كمصر وجنوب افريقيا وغانا.. الخ. وسوق الخرطوم للأوراق المالية الآن مقترح في خطته قيام سوق السلع ويهدف الى ترويج السلع السودانية وسيبدأ بالقطن, السمسم, الفول السوداني, اللحوم والماشية وهو الآن تحت الدراسة مع الأخذ في الاعتبار بجانب الدول التي سبقتنا خاصة جنوب افريقيا. ويهدف السوق لخلق ضمان للجودة واستقرار الاسعار وتحسين الانتاجية بجانب ضبط الاسواق من المضاربات التي تحدث وتؤثر في اسعار السلع السودانية. ان هناك ضرورة ملحة في ان يصبح للدولة مجلس أو صندوق لدعم الصادر لتشجيعه وحماية المنتج في ظل الظروف التي تواجه السلع السودانية وضمان استمرارية المنتج في كل الاعوام. كما تفعل مصر في سلعة القطن. وهذا يؤكد فعليا ضمان وتشجيع الدولة للمنتجين وحمايتهم من تقلبات السوق والمضي في اداء انشطتهم بأقدام رواسخ.