ترى هل من المجدي أن أقول أنني أعشق السينما وأحب التمثيل بدون حدود ولا يهمني إن كنت عالميا أم غير عالمي ..؟ أظنه مجديا أن أفعل ذلك, فأنا فقط تهمني السينما وعالمها المدهش ومساحات الروعة التي تكتنف كل ركن فيه, وإذا كنت استطعت أن أتجاوز حدود العالمية فذلك بفضل الله أولا ثم طموحاتي وموهبتي, كنت أفعل ذلك وأنا معتز بمصريتي ولم أفكر إطلاقا بأن يسبق اسمي لقب العالمي, لكني كنت أسعى لأن يقال عني الفنان المصري الذي نجح في تمثيل بلده وإضاءة اسمها في سماء العالمية. رائحة الوطن كنت خارج الوطن العربي لكن رائحته لم تفارقني, وصورته ترافقني, وصوتي يناديه عبر ألوف السدود والحدود والقيود . كنت في هوليوود أو باريس أو .. أي مكان آخر ولكني أنتمي إلى سمائي الأولى .. إلى الإسكندرية واللون الأزرق في بحرها الدافئ وموجاته الخصوصية التي لم أصغ لسواها.. إلى كل الشوارع والأزقة في الأسكندرية والقاهرة وأسوان و.. كل ركن في مصر . كنت كلما احترفت السير نحو النجومية والشهرة والعالمية, كلما احترفت الحنين للماضي ولصورتي في بحر الإسكندرية ولتقاسيم قديمة رسمتها على رماله, إنها ذكريات كانت تقفز دائما أمام عيني وتختزنها ذاكرتي خاصة أنني لم أنس, فليس من عاداتي أن أنسى .. فهل يذبل الورد في الذاكرة .. ؟ ! منذ الوهلة الأولى لعملي بالتمثيل سواء في مصر أو خارجها وأنا لا أعمل وفقا لقواعد الاحتراف, وإنما أعمل بمزاجي ولمزاجي, أرفض استثمار اسمي وشهرتي في زحمة الأعمال المعروضة, كل ما يهمني هو الاختيار الصحيح, ربما رصيدي الفني طوال مشواري الحافل لا يمكن مقارنته بممثل ناشئ ظهر في السنوات الأخيرة, ولكني لم أهتم أبدا بالكم, اهتمامي فقط بالكيف والنوع. قمت ببطولة 21 فيلما قبل أن أقتحم السينما العالمية وكان ذلك في الفترة من عام 1954 وحتى 1962 وبعد ذلك رحلت عن البلاد واتجهت للسينما العالمية . البداية كانت 1957 من خلال فيلم تونسي فرنسي مشترك عنوانه (جحا) وكان هذا الفيلم مفتاح دخولي للسينما العالمية بعد خمس سنوات حين رآني المخرج (ديفيد لين) فرشحني لفيلم (لورانس العرب) بعد ذلك انهالت علي العروض المغرية من شركات السينما العالمية وقمت ببطولة 43 فيلما منها 29 فيلما في السينما الأمريكية و 7 أفلام للسينما الفرنسية وفيلم للسينما الإيطالية وفيلم للسينما الأيرلندية و 5 أفلام للسينما الإنجليزية . ولست مغرورا إذا قلت أنني أعتبر كل أفلامي مهمة, ولكني أعتز بـ (لورانس العرب) و(الحصان الشاحب) و (دكتور زيفاجو) و (فتاة مرحة) و (المطاردون) و (جنكيز خان) و (آه من القلب الثقيل) و (الفرسان) . ورغم نجاحي, ورغم أنني لم أستند على جدار ساقط في شارع الفن, ورغم أنني هيأت حياتي كلها لوطني وفني وأحلامي الخاصة, إلا أن البعض لم يراع ذلك وحولوني إلى لغز كبير, وكأن عملي في هوليوود عار كبير . قال أصحاب الفكر المعلب أن مجرد وجودي في هوليوود معناه أنني بعت وطنيتي واشتريت مجدي الشخصي .. قالوها هكذا بهدوء وهم يمصمصون شفاههم ويضعون أيديهم على خدودهم وأقدامهم في المياه الباردة .. قالوها وهم لا يدركون أن كل خطوة خطوتها خارج بلادي نحو حلمي كانت تسبقها الخناجر تحاول أن تنالني وتقتل أحلامي .. قالوها وهم لا يدركون ذل الهزيمة التي كانت تطاردني لمجرد أنني أحمل الجنسية العربية. سهام جارحة ومع ذلك لم ألتفت لهذه الأقاويل رغم أنها جرحتني خاصة أنها خرجت من بلدي ولكن كان عزائي الوحيد أنني لست كذلك وأن سعيي وراء العالمية لم يكن مقابل وطنيتي كما حاولوا أن يشيعوا, وإنما نجاحي وكفاحي بالخارج كان أغلى مهر استطعت أن أقدمه لبلدي وأهلي, بل أن الجرأة واتتهم ليقولوا أنني نصير للصهيونية لذلك منحوني تأشيرة العالمية على طبق من ذهب, وزادت حدة هذه الاتهامات عندما رشحت لرئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي, ولا أعرف من أين جاءوا بهذه المعلومات ليحولوها إلى اتهامات ويلصقوها بي, فأنا لم أصرح في يوم من الأيام بأنني أناصر الصهيونية أو أنني أنوي تحويل مهرجان القاهرة إلى مهرجان صهيوني, بل أنني دائما أفخر بعروبتي وبمصريتي حتى وأنا خارج الحدود. والسهام الموجهة إلي لم تتوقف عند هذا الحد, بل أنهم قالوا أيضا أن وصولي للعالمية جعلني أتعالى على السينما المصرية, وهذا بالطبع كلام سخيف فأنا كما قلت أعتز بمصريتي وإذا كان لي دور في السينما العالمية فقد قمت بهذا الدور وأنا أحمل لقب الفنان المصري, وإذا كنت تعاليت على السينما المصرية كما يقولون فلماذا عدت إليها؟ لقد عدت إلى السينما المصرية بشغف وحب وبصدر رحب, قمت ببطولة أربعة أفلام مصرية هي (أيوب) و (الأراجوز) مع المخرج هاني لاشين و (المواطن مصري) مع صلاح أبو سيف, و( ضحك ولعب وجد وحب) مع طارق التلمساني . وقد قبلت العمل في هذه الأفلام لحنيني للسينما المصرية أولا ولأنني أعجبت بالموضوعات التي تتحدث عنها الأفلام . وكوني لم أشارك بعد ذلك في أفلام أخرى, فذلك لأنني لم أعثر على جديد وأنا أحاول الاحتفاظ بما بقي من اسمي وشهرتي ولا أحب أن استهلك نفسي في أية أعمال وأنتظر أن أجد السيناريو المناسب الذي يجعلني أعود للشاشة الكبيرة دون تردد. يبقى أنني أتعامل مع الأمور بالعقل والمنطق, وأعرف أنه هناك دائما جديد وأن التغيير والتطور هما طبيعة الأشياء, وإذا كنت لا أعمل في السينما العالمية مؤخرا فهذا لا يعني أنني تقلصت, لأن الحياة تذهب وتأتي وتظل الأشياء ثابتة. أنا واحد من نجوم السينما العالمية وسأظل كذلك وسيحتفظ التاريخ لي بذلك ولن ترفضني السينما ولن يرفضني الجمهور حتى بعد أن أرحل عن الدنيا سيذكرون أنه كان هناك فنان ونجم اسمه عمر الشريف. يرويها: عمر الشريف