الاشتباك الاخير وهو الاول من نوعه بين انصار حسن الترابي وحكومة البشير, يذكر بالاشتباك الاول الذي اسقط به طلاب جامعة الخرطوم حكومة الفريق ابراهيم عبود, التي حكمت السودان فيما بين 1958 ـ 1964. كان حسن الترابي بشخصه وانصاره حاضرا في المشهدين وتعرض مع انصاره لذات النوع من المضايقات حيث اوعزت حكومة عبود العسكرية الى ادارة جامعة الخرطوم ان تغرق الميدان المزمع اقامة الندوة فيه بالماء فانتقل كان عائدا لتوه من فرنسا بعد حصوله على شهادة دكتوراه الدولة من السوربون, وما اكمل الترابي حديثه حتى تدخل العسكر واشتبكوا مع الطلاب في معركة بالسلاح سقط احد ضحاياها من طلاب الجامعة. وقد ادت المعركة الى اشتعال الشارع بالتظاهرات التي عرفت فيما بعد باسم (ثورة اكتوبر) التي اسقطت نظام الجنرال عبود, واقامت نظاما ديمقراطيا قصير العمر استمر الى 1969. مشهد اغراق الميدان بالمياه, وانتقال الترابي مع انصاره لميدان آخر بالجامعة وتدخل العسكر من بعد هو ما حدث في الاسبوع الماضي مع انصار الترابي من الطلاب وربما كان في نية الترابي ولا احد يعرف نواياه الحقيقية الآن ان يشعل الشارع بالتظاهرات ضد نظام البشير وان (يدخل الباب عليهم عنوة) كما قال فإذن هي الثورة والصدام الذي لا ضابط له الا قانون الغاب, افهكذا يبشر رجل القانون الدستوري حسن الترابي؟! يبدو ان الامر كذلك. الثورة ام الانتخابات صحيح ان موقف الطائفة الحاكمة ليس صحيحا عندما اتجهت الى مصادرة حق الترابي في الحديث, ونقول ذلك برغم اننا نقدر فهمها لدوافع الترابي ضدها وانه لا يهدف الى اقل من اسقاطها, او اسقاط رمزيها الكبيرين (الرئيس ونائبه الاول) على الاقل ولكن موقف الترابي ايضا ليس مصيبا فاقتحام الباب عنوة بتعبيره يوحي بالخروج على القانون وقد كان غريبا ان يستخدم الترابي ضد تلاميذه نفس الالفاظ التي يستخدمها غلاة المعارضين لنظام الانقاذ, ممن لا يعترفون بدستورها ولا قوانينها ولكن ما بال حسن الترابي يستخدم تلك الالفاظ الموحية باهدار الدستور والقانون وهو صاحب الافكار والموجهات الكبرى التي على هداها صيغ الدستور والقانون؟! كان بإمكان حسن الترابي ان يتجه بعقلانية ورشد الى انشاء تكتل حزبي جديد, على ضوء قانون الاحزاب الحالي الذي يعد خطوة متقدمة على قانون (التوالي السياسي) الذي صاغة هو من قبل, ومن خلال ذلك الحزب الجديد يمكنه ان ينافس في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة وقبل ذلك يستطيع ان ينافس في اجتذاب الكوادر وعندها كان سيعلم مدى جدوى حزبه الجديد فإن مال اغلب تلاميذه وانصاره وزملائه في القيادة السابقة للجبهة الاسلامية القومية الى صفه كان ذلك مما يشجعه لخوض الانتخابات واما ان احس وايقن بميلهم الى صف البشير/ علي عثمان فربما ادرك بذلك مقدما فشله في الاستقطاب وتيقن من خسارته لمعارك الانتخاب. فهم الترابي ترك حسن الترابي هذه السبيل الدستورية, مفضلا سلوك خط (الثورة). وهو عندما يقول (الثورة) فهو يعنيها وهو رجل (ثوري) حقا وان كانت (ليبراليته) تغطي على (ثوريته) واكثر المراقبين لحركة الترابي بل اكثر دارسيه يخطئون فهم وادراك طبيعته (الثورية) العميقة, ولعل لهؤلاء جميعا العذر في ان الترابي يجمع في حين معا بين صفتي (الليبرالية) و(الثورية) وهما في عرف الكثير صفتان متضادتان لا يمكن الجمع بينهما في آن وهذا تصور غير صحيح بالطبع لأن الانسان الثوري يمكن ان يكون ثوريا في اطار ليبرالي, ويعتمد ذلك على قدرات الانسان النفسية, وسعته الذهنية وقلائل هم القادة السياسيون الذين حافظوا على الصفتين معا لفترة طويلة والترابي يحافظ على الصفتين معا حتى الآن, يتحدث بحذق ويحلق عاليا ويأخذ المستمعين معه وتقل في لغته الفاظ الضجيج والتهريج فإنه يبعد عن نفسه صفة (الثورية) في بعض الاذهان وقد وقع الصادق المهدي في مطب عدم فهم الترابي فقد كان يظن بل يعتقد بأن قيادة الجبهة الاسلامية قيادة (محافظة) و(المحافظة) هي صفة ابعد عن الثورية, من بعد الليبرالية عنها في تصوره وتصور الكثيرين ولهذا فلم يبال الصادق المهدي ولا اركان حكومته بإعلان الترابي لثورة المصاحف عليهم في اواخر شهر مايو 1989 اي قبل اسابيع قلائل من قيام انقلاب الانقاذ ومع ان الترابي كان يعلن في تصريحاته كلها لفظ (الثورة) فلم يفهم من عناهم الامر ما قال حتى دهمهم آخر الامر بانقلاب (الانقاذ) ! لكن افراد الانقاذ من تلاميذ الترابي السابقين وخصوصا النائب الاول للبشير يفهمون الطبيعة الثورية لشيخهم (السابق) جيدا ويعلمون انه يعني ما يقول ولذا فإنهم سيتصدون له ويحبطون ثورته بالتأكيد والمهم ان يحبطوها بلا اراقة دماء, ولعل هذا ما سيسعون اليه فثورة الترابي الراهنة ثورة فاشلة ولا تستحق ان تهرق فيها اي دماء فرجل (التجديد) ليس لديه الآن اي جديد, ولم يطرح منذ اندلاع الازمة اي طرح متجدد في الفكر ولم يقدم اي مشروع جديد للحكم يختلف عن مشروع الانقاذ. ذبح الناقة والذي يتحدث عن توسيع الديمقراطية كما يتحدث الترابي الآن ضد البشير, عليه ان يتوقف مليا ليحدث الناس عن اقدامه على حل مجلس شورى تنظيمه بل حل التنظيم نفسه. ويكون جيدا لو تحدث حسن الترابي بصراحة عن انه لم يفعل شيئا جديدا يختلف عما فعله القادة الثوريون الذين وصلوا الى السلطة من قبل فقاموا بذبح التنظيمات التي وصلوا بها الى السلطة واستبدلوا بها تنظيمات ورقية هشة يسهل تشكيلها حسب سياسات وارادات الحكم. هذا هو ما فعله كل الثوريين على اختلافهم في الدرجات الثورية وهذا ما فعله ماوتسي تونج امام غلاة الثوريين بالحزب الشيوعي الصيني خلال الثورة الثقافية الشهيرة (1966 ـ 1969) التي كانت امثولة الاماثيل وهي الثورة التي لم يكن لها من هدف سوى تهشيم العمود الفقري للحزب وذلك بعد ان اصبحت بعض الاصوات تتعالى فيه على صوت ماو. لقد تحدث عبدالجليل النذير الكاروري احد زعامات الصف الاول في الحركة الاسلامية السودانية عن اقدام الترابي على ذبح التنظيم وقال انه واجه الترابي بمشابهة شيقة حينما استدعى حديث تلك الصحابية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ذكر له بأنها نذرت ان تذبح ناقتها التي هاجرت بها تقربا الى الله, فقال لها: بئس ما فعلت! وفي تصور الكاروري فإن التراي قد فعل الشيء نفسه عندما ذبح الراحلة التي اوصلته الى السلطة! كانت تلك (فكاهة) تطهرية من الكاروري اما عالم السياسة فهو لا يعرف امثال تلك الملح والفكاهات وانما يعرف الواقعية الخشنة, وهي التي اهتدى اليها الترابي بكثرة اطلاعه على دروس التاريخ! لا امل في حل غير ان اجهاض الترابي للحركة لم يجهز على كل الرؤوس فها هي اقواها تتصدى لقوته الآن ولذلك فلا عجب ان تفشل كل محاولات التسوية والوساطة معها. ان اول ما يسمعه الترابي من الوسطاء, كالقرضاوي و الزنداني وعربيات, وكلهم علماء شرع هو ضرورة وجود رئيس واحد وبيعية واحدة وطاعة تامة للرئيس وهذا هو اول ما يرفضه الترابي, وهكذا تنهاز المفاوضات فور ان تبدأ. لقد نفى حسن الترابي من قبل تطلعه لاعتلاء اي منصب تنفيذي قائلا: (كلا, في حياتي كنت وزيرا عدة مرات في نظامين, والآن بلغت اثنتين وستين سنة. (بلغ الآن 68 عاما) وفي رأيي وفي بلد يشلك الشباب نسبة كبيرة من سكانه ينبغي ان تتاح الفرصة للاجيال الشابة حتى لا تصبح حكرا على الشيوخ واذا امد الله في عمري واحسن في عملي يمكنني ان اسهم بكتاباتي ومشورتي وقد اكون في قواعد الشورى, حتى وان كان ذلك بصفة رسمية لكنني لن اتقلد اي منصب تنفيذي) . ولهذا النص عدة مفارقات الآن. فمن الواضح ان الترابي حاليا ينازل الانقاذ من اجل منصب تنفيذي ومن الواضح انه وهو يشارف السبعين من العمرة غدا اكثر حرصا على منافسة الشباب على مناصب الحكم, ومن الواضح انه غدا ابعد ما يكون عن ممارسة الدور الذي رسمه لنفسه في هذا النص وهو دور المرشد الفكري اذ لم يعد مجددا كما كان. كما لم يعد يجد من وقته ولا من طاقته السعة التي تتطلبها شئون الفكر واما قواعد الشورى التي قال بأنه سيتمركز فيها لاداء ذلك الدور, فقد ذهبت بفعله ـ ادراج الرياح! ان حسن الترابي قارىء جيد للتاريخ, فهو عندما سئل عن دورة في اشعال ثورة اكتوبر قال بتواضع ان دوره في الثورة على عبود لم يكن بطولة شخصية, وانما كان مصادفة تاريخية بمعنى انه تصادف ان اعتلى منبر الثورة في اللحظة التاريخية المناسبة. هذا ما قاله الترابي عن وضعيته تلك فهل يستطيع ان يقولها عن وضعيته اليوم؟! ان ثورته اليوم في غير لحظتها التاريخية المناسبة.. ولولا انه مشتعل بالغضب لقال بذلك فظروف السودان اليوم لا تسمح بأي ثورة او عنف من اي نوع وانما بتدرج ديمقراطي سلمي وئيد, يصل بالانفتاح الحالي الى اقصى مداه, ومن اراد ان يصل الى الحكم فلينشىء حزبه في الداخل من الآن ولينافس في حيز الحريات المتاح وكما قال الصادق المهدي عن تجربة عميقة اخيرا فإن شبر حريات في داخل الوطن, افضل من ميل من الحريات في الخارج ولو وضعنا عبارة الصادق في نحو آخر لقلنا ان نضالا حزبيا صبورا افضل الف مرة من اي نزوع للثورة وقلب الاوضاع بالعنف وهذه الكلمة موجهة الآن للدكتور حسن الترابي, وان لم يكن ثمة امل في حل!! بقلم: محمد وقيع الله