رغم الحملة الدولية الواسعة النطاق, التي تهدف الى تطهير العالم من (حقول الشيطان) فإن الأمل لا يزال بعيدا, والطريق شاقا أمام المحاولات الدؤوبة لنزع الألغام ومنع تصنيعها, والأمر لايتعلق بتفاؤل فريق أو تشاؤم فريق آخر من المراقبين, لأن الاحتكام الى لغة الأرقام يؤكد أن الجهود التي بذلت - حتى الآن - لنزع الألغام ومنع تصنيعها لاتوازي النشاط - أو بالأحرى الأنشطة التي تدفع العالم في الاتجاه الآخر! * عدد الألغام المزروعة في العالم يتراوح ما بين 110 الى 119 مليون لغم, تنتشر في أراضي 71 دولة معظمها من دول العالم النامي ودول الجنوب. * المخزون الفعلي للألغام الأرضية زاد بمقدار الضعف في الأعوام الأخيرة, ليصل الى نحو 250 مليون لغم, في 108 دول, تحوز الصين وحدها 110 ملايين لغم, وروسيا 70 مليونا. * أكثر من 100 شركة في 52 دولة مازالت تنتج 350 نوعا من الألغام المضادة للأفراد. * لم تدمر حكومات 48 دولة سوى 17 مليون لغم خلال الأعوام القليلة الماضية. * حجم الانتاج العالمي من الألغام سنويا يتراوح ما بين 5 الى 10 ملايين لغم, بعد انخفاض تكلفة اللغم الواحد الى مابين 3-10 دولارات مع زيادة قوته التدميرية. * يتم زرع من 2 الى 5 ملايين لغم جديد سنويا. * وقعت 135 دولة على معاهدة (أوتاوا) لحظر الألغام المضادة للأفراد, إلا أن 89 دولة فقط صدقت عليها, بينما 46 دولة لم تتخذ اجراءات التصديق بعد. * عدد ضحايا الألغام خلال النصف قرن الماضي, يفوق ضحايا الأسلحة النووية والكيميائية التي استخدمت في كل الحروب. صورة قاتمة ترسم هذه الأرقام صورة قاتمة, كثيفة الظلال, قد تدعو - للوهلة الأولى - الى التشاؤم, لكنها على العكس, لابد أن تمثل حافزا لتجاوز الواقع القائم, لا اليأس من امكانية التعاطي الايجابي معه, خاصة في اطار الملامح القاسية التي تترجمها الأرقام بلا تجميل! تتمثل الخطوة الأولى لتعديل مسار جهود نزع الألغام ومنع تصنيعها في مواجهة الجهود المعاكسة التي تدفع باتجاه جعل استخدام الألغام ضرورة, وفي مقدمتها الحروب بين الدول, والنزاعات الداخلية في الدولة الواحدة, إذ أن العمل على التوصل الى تسويات عادلة لتلك الحروب والنزاعات بالطرق السلمية, يمثل السبيل المضمون - أو بدقة المثالي - القريب الشبه من الخط المستقيم بين نقطتين, فمن غير المعقول أن تطالب أطراف أي صراع بالكف عن استخدام الألغام - أو أي سلاح آخر - قبل التوصل الى تسوية الصراع القائم. أما الخطوة الثانية فتكون بالسعي للتوصل الى تشريع دولي ملزم بوقف انتاج الألغام الأرضية, وازالة المزروع منها بالفعل, من خلال تعاون ترعاه الأمم المتحدة, ومنظماتها المعنية, وتوفير تمويل كاف, إذ أن تكلفة ازالة اللغم الواحد تتراوح ما بين 300 الى ألف دولار (!) وهذا يعني أن تكاليف ازالة جميع الألغام المزروعة في العالم تبلغ نحو 33 مليار دولار. هذا على مستوى التعامل الاستراتيجي مع مشكلة الألغام, أما على المستوى المرحلي/ الجزئي فإن نقطة البدء لابد أن تتم عبر تقويم الجهود والمحاولات التي بذلت لنزع الألغام ومنع تصنيعها حتى الآن. جدول حول التعريف! تمتد جذور المشكلة الى حد الجدل حول تعريف اللغم (!) والذي استمرسنوات طويلة, حتى يتمكن منتجو الألغام والعسكريون من استثناء سلاح دفاعي يمكن استخدامه ضد الأفراد من التعريف محل الجدل, والمثير أن هذا السعي كان يتعلق بأشد أنواع الألغام فاعلية وطاقة, ونصت اتفاقية (أوتاوا) الموقعة في نهاية 1997 على أن (اللغم مصمم للأنفجار بفعل وجود شخص عنده, أو قريبا منه, ويؤدي الى شل قدرات أو جرح, أو قتل شخص أو أكثر) . ومن ثم فإن الألغام المصممة لتنفجر بفعل وجود مركبة, وليس شخصا لايعتبر لغما مضادا للأفراد - كأن المركبة تسير ذاتياـ ! واتفاقية (أوتاوا) باعتمادها هذا التعريف تتغاضي عن احتمال أن تكون تلك المركبة مدنية, وليست عسكرية, وأن يكون ركابها من المدنيين العزل, ولم تشمل الاتفاقية أي اشارة لأنواع أخرى لها نفس أثر الألغام, كأخطار القنابل العنقودية التي لاتنفجر بعض القنابل الصغيرة التي تقذفها, لكنها تظل محتملة الانفجار في أي لحظة, الأمر الذي حدث بالفعل في ثلث الحالات التي استخدم فيه هذا النوع من القنابل في كوسوفو على سبيل المثال! أما على صعيد التطبيق, فإن اتفاقية (أوتاوا) تواجه مشكلات عملية تتعلق بالطريقة التي توجه بها الاعتمادات المالية المخصصة لازالة الألغام, أو مساعدة الضحايا, فواقع الحال أن جانبا كبيرا من هذه الاعتمادات يتم توجيهه للأبحاث (!) مما كان سببا في خلافات متشعبة بين الدول المتنافسة على أموال (أوتاوا) وأصبحت مساهمات دول عديدة لاتتجاوز حدودها, ويتم انفاقها في مراكز الأبحاث داخلها, وكمثال فإن المانيا خصصت 25 مليون دولار لبرامج الأبحاث أي ما يعادل 50% من النسبة المقررة لمساهمتها في جهود ازالة الألغام طبقا للاتفاقية! التزام منقوص أن الدلالة المؤكدة طبقا للنصوص والممارسات القائمة - على السواء - أن الاتفاقيات الدولية, وآخرها اتفاقية (أوتاوا) لاتتصدى بصورة حاسمة لمشكلة الألغام المضادة للأفراد, والأخطر أنها لاتلزم الأطراف المسئولة عن زرع الألغام - سواء أكانت دولا أو جماعات مسلحة - بازالتها أو تعويض ضحاياها. وحتى بالنسبة للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الطابع الانساني فإنها فشلت في معالجة جذرية لهذا الجانب من المشكلة, فاتفاقية جنيف لعام 1996 - على سبيل المثال - لم تتجاوز حد المطالبة بلفت الأنظار لخطورة الألغام كسلاح قذر, لايميز بين العسكريين والمقاتلين, أو الأبرياء من المدنيين بما في ذلك الأطفال! وبينما تتصدر الدول الكبرى عملية التوقيع على الاتفاقيات من النوع الأخير - التي تحمل طابعا انسانيا - فإنها لاتلتزم بتنفيذ الاتفاقيات التي تهدف الى اتخاذ اجراءات أكثر فاعلية, وتحديدا بالنسبة لبنود (أوتاوا) ويأتي في مقدمة الدول التي لم تلتزم: الولايات المتحدة, روسيا, الصين, الهند, باكستان, وقد انعكس ذلك على ما تحصل عليه بعض الدول المستوردة للألغام من الأجيال ذات التقنية العالية من هذا السلاح, فمازالت مصانع الألغام في روسيا والولايات المتحدة والصين وايطاليا وبريطانيا والمانيا تجتهد في تقديم احدث أنواع الألغام ومن ثم أشدها فتكا للأطراف المتصارعة في الحروب بين الدول, أو الحروب الأهلية. ويعد ذلك - بحد ذاته - جانبا آخر خطيرا لمشكلة الألغام - المتعددة الأبعاد والوجوه - إذ أن الأنواع الجديدة الأكثر تقدما, بينها الألغام الوثابة التي تقفز عاليا في الهواء قبل الانفجار مما يوسع مداها, واللغم الفخ الذي صمم لاصابة خبراء ابطال الألغام, مما يعقد من مهمة هؤلاء الذين تتميز أعمالهم بالخطورة, وبالتالي فإن عمليات تطهير المناطق المزروعة بالألغام تصبح مسكونة بمخاطر أكبر مما مضى, ومن ثم أكثر كلفة, كما أن عمليات التطوير المستمرة للألغام تفرض تطوير أجهزة ووسائل الكشف المستخدمة .. حتى يصبح الأمر أشبه بالحلقة الجهنمية! والمثير أن بعض الدول تستبدل جزءا من مخزونها من الأجيال القديمة, المتخلفة نسبيا, بمخزون من الألغام الذكية, كما أن دولة كالولايات المتحدة بدأت تشير الى رغبتها في التوقيع على اتفاقية (أوتاوا) عام 2006 , شريطة أن يتم التوصل - قبل ذلك التاريخ - الى سلام مناسب بديل للألغام المضادة للأفراد!! أموال وأطماع في ظل هذه الصعوبات, فإن استغلال مشكلة ازالة الألغام تجاريا أصبح يثير لعاب العديد من الشركات التي اتجهت لانتاج معدات جديدة تشبه البلدوزر, تقوم بازالة الألغام بكفاءة تصل الى 99% وبينما يتم تسويق هذا المنتج بهدف الربح, فإن تلك الشركات تسعى - في ذات الوقت - الى الحصول على جزء من المساهمة المالية لدولها طبقا لمعاهدة (أوتاوا!) وتوجه بعض المنظمات غير الحكومية في الدول المضارة النقد المرير للمسئولين عن حملات مكافحة الألغام من اهتمامهم بتنظيم المؤتمرات التي تتكلف مبالغ طائلة تخصم من الاعتمادات المخصصة للازالة وتعويض الضحايا, ثم لايكون لها مردود عملي! ومع التسليم بأخطاء التطبيق بالنسبة لبنود اتفاقية (أوتاوا) , أو محاولة البعض استغلال الاعتمادات في غير الأغراض المخصصة لها, إلا أن المصالح الاستراتيجية (عسكرية واقتصادية) تظل من أخطر الأسباب وراء تواضع المجتمع الدولي في دفع جهود التخلص النهائي من الألغام نحو وجهتها الصحيحة في مدى زمني منظور. وإذا كانت الشركات المنتجة, ومن خلفها الحكومات التي تدعمها في اطار أوسع, تتعلق بطبيعة عمليات تجارة الأسلحة, المستندة الى اعتبارات سياسية واقتصادية, صاحبة مصلحة في استمرار الأوضاع القائمة, فإن الطرف الأشد تأثيرا في اتجاه كبح جهود الحد من محاولات نزع الألغام ومنع تصنيعها يتمثل في العسكريين الذين يؤكدون على ضرورة زراعة الألغام, ومن ثم الاستمرار في انتاجها, بل وتطوير أجيال جديدة أشد ذكاء وفتكا. ولايمكن الاستهانة بهذه الجبهة التي تضم في صفوفها الولايات المتحدة, وروسيا والصين (الثلاثة الكبار من حيث تصنيع وتصدير الألغام) بالاضافة الى معظم دول الشرق الأوسط, والعديد من دول آسيا, وعدد كبير من الدول التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفييتي. يؤكد أقطار هذه الجبهة أن الألغام سلاح مهم, وفعال, وفي حالتي الدفاع والهجوم, وأنها بمثابة وسيلة قتالية مثالية تكتيكية من المستوى الرفيع خلال العمليات القتالية, إذ يمكن بواسطتها حصار مساحات شاسعة, ومنع العدو من الاقتراب, كذلك اعاقة عناصر استطلاعه عن التوغل بقصد الاستكشاف, ويضيف هؤلاء: أن الألغام سلاح رخيص التكلفة, وسهل الزرع, لاسيما بعد أن أصبح ذلك متاحا بواسطة الطائرات والصواريخ والمركبات المدرعة, فضلا عن السبل التقليدية السابقة. كما أن بعض الدول تفضل عدم ازالة الألغام من أراضيها, باعتبارها تمثل حماية لحدودها من تسلل الارهابيين أو المعارضين, وتحد من عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات, وبنفس المنطق, فإن الألغام تمثل سلاحا حيويا ضد القوات المتفوقة (نوعيا أو كميا) في حالة هجومها على دولة أضعف. يدعو هؤلاء بدلا من وقف انتاج الألغام أو الحث على ازالتها الى تعميم التقنيات التي تسمح بضمان السيطرة على مدة بقاء اللغم صالحا للاستخدام, وزيادة القدرة على التحكم في ابطال مفعولها, وجعل الألغام أكثر قبولا بتجديد المناطق التي تزرع فيها من خلال خرائط دقيقة! عود على بدء إن هذه الرؤية يمكن أن تقود - عمليا - الى العودة من حيث بدأت جهود ومحاولات نزع الألغام, ومنع تصنيعها, لكن ذلك لايعني الاستسلام لمشكلة الألغام الأرضية, بدلا من التعاون بين كل الأطراف المعنية لتفعيل عمليات الازالة, وانشاء آلية عالية الكفاءة تسهر على التنسيق والمتابعة لعمليات الازالة ومراقبة عمليات الزرع المتوقعة, أي أن تتواصل الجهود, وتستمر في اتجاه ايجابي بدلا من السماح للرؤية المناوئة أن تفرض ارادتها على أرض الواقع. وإذا كانت الدراسات قد أكدت أن دول العالم الاسلامي تحتضن في أراضيها أكثر من 50% من ألغام العالم, بينما يضم الشرق الأوسط وشمال افريقيا 43% من الألغام, فإن ذلك يعني أن المشكلة الى حد بعيد, لابد وأن تكون في بؤرة الاهتمام - ومن ثم التفعيل - بالنسبة للدول العربية والاسلامية, وأن تسعى مع الأطراف الأخرى المعنية, والمتحمسة لدعم جهود ومحاولات نزع الألغام ومنع تصنيعها للتوصل الى معاهدة دولية شاملة تلزم الموقعين عليها بالحظر التام لكافة أنواع الألغام الأرضية, كما هو الحال بالنسبة للأسلحة الكيميائية, والأسلحة الجرثومية, مع تحديد الاجراءات الفعالة للرقابة على عمليات الزرع والانتاج والتطوير. ويمكن أن تتقاطع هذه الدعوة في نقطة حاسمة مع الاطار الاستراتيجي الذي أشرنا اليه آنفا, والمتعلق بضرورة السعي لايجاد تسويات عادلة للحروب والنزاعات القائمة, والتي تفرض على أطرافها استخدام أي سلاح متاح - بما في ذلك الألغام - للدفاع عما تراه حقوقا مشروعة. بقلم: علاء عبدالوهاب * كاتب مصري