منذ عام 1918 استخدمت الألغام لسد محاور القتال وتضييق المنافذ التي يهاجم منها العدو, وفي الحرب العالمية الثانية أضحت حقول الألغام جزءا أساسيا من أحزمة الدفاع الضخمة في الاتحاد السوفيتي وشمال افريقيا, كما استخدمت بأعداد أقل ولكن بفاعلية مماثلة في أوروبا الغربية. ثم بعد ذلك استخدمت في الحروب الاقليمية على نطاق واسع مثل الحرب الكورية 1951-1953 وأصبحت تشكل توحدهما عام ,1991 وفي حربي الخليج الأولى والثانية استخدمت الألغام المضادة للدبابات والأفراد في مناطق شاسعة من ايران والعراق وفي الكويت. وتكرر الأمر في حرب البلقان الثانية (كوسوفو 1999) بواسطة الصرب لمنع قوات الناتو من اجتياح الاقليم. وتمضي أعمال تحسين وسائل حرب الألغام في اتجاهات متعددة.. منها تطوير الألغام المضادة للدبابات والمركبات بحيث تدمر قعر المركبة المدرعة وليس الجنزير فقط, وزيادة حساسية الألغام المضادة للأفراد وتنويع وسائل تشغيلها والسيطرة عليها عن بعد, وبحيث تجعل أعمال نزعها مستحيلة من قبل العدو في الأراضي الملغومة, بل وخداع الأطقم العاملة في نزعها, كذلك تطوير وسائل التلغيم البرية والجوية لكي تتم بأسرع ما يمكن وعلى نطاق واسع في أكبر مساحة وبأعلى كثافة. هذا بالاضافة لتسهيل أعمال اجتياز حقول الألغام على القوات الصديقة دون أن تنفجر بها. حرب معنوية إن المنطق المقيت للألغام المضادة للأفراد أنها تصيب ولاتقتل, فالرجل الذي يفقد قدمه أو رجله أو يصاب بجروح داخلية بالغة يتطلب نقله الى مكان آمن بمساعدة رجلين أو ثلاثة على الأقل, اضافة الى أن آلامه الظاهرة والتشوهات في جسده تسيء الى معنويات الرجال في وحدته العسكرية, وبذلك يتعطل هجومها أو يتوقف, وهو الهدف من اقامة حقول الألغام. ويتجه التطوير في هذا النوع من الألغام الى زيادة عدد الشظايا التي تنشطر عنه, والتي قد تصل الى أكثر من 4000 قطعة, وزيادة فعاليتها التوجيهية, وتوسيع دائرة الخطر لها وارتفاع مكان انفجارها بالاضافة لرفع درجة حساسيتها والسيطرة عليها الكترونيا لتحويلها من وضع الأمان الى وضع الضرب, وبالعكس. لاسيما ما يستخدم في المطارات والمناطق المعرضة في العمق الصديق لعمليات انزال جوي من قبل العدو بهدف حمايتها, لذلك يتطلب الأمر زيادة القدرة على التحكم والسيطرة عليها. تطوير مستمر تستخدم الألغام المضادة للدبابات والمركبات الأخرى كمية تتراوح مابين ستة الى ثمانية كيلوجرامات, وتعمل تحت تأثير ضغط أوزان تتراوح بين 160-275 كجم وذلك حسب تصميم اللغم, ويعمل اللغم ذو التركيب البسيط بالضغط على الصاعق الذي يفجر شحنة كبيرة تتسبب بتعطيل جنزير الدبابة أو محرك المركبة وتوقفها عن الحركة, وتكفي شحنة من 8 كجم لتدمير عربة خفيفة تدميرا كاملا. ولقد أدى تطوير معدات كسح الألغام الى تطوير صواعق هذا النوع بدفع مزدوج يحتاج لكي يعمل الى قوتي ضغط بدلا من واحدة, وهذا النوع من اللغم المتطور يصطاد الموجة الثانية من المركبات التي تدخل حقل الألغام, أو ينفجر تحت دبابة مثبت في مقدمتها كاسحة ألغام (دقاقة) تقوم بتفجير الألغام. كما تم تطوير صواعق مضادة للاهتزازات تفجر اللغم في حالة رفعه باليد أو دفعه بواسطة الدقاقة. كذلك يتجه التطوير الى استخدام مبدأ التشظي الذاتي لترسل وابلا من المعادن بسرعة 2000 متر / ثانية الى المركبة المدرعة قادرة على اختراق دروع يصل سمكها الى 60 مم. ومن احدث اتجاهات التطوير تزويد الألغام المضادة للدبابات بصمامات تؤمن انفجارها تحت هيكل الدبابة وليس تحت جنازير الدبابة فقط, وهو ما يعني تحويل اللغم من مضاد لجنازير الدبابات الى لغم لتفجير قعر الدبابة كلها. كما يجري تطوير وسائل زرع الألغام لزيادة سرعة اقامة حقولها وتكثيفها ونشرها على نطاق واسع.. سواء بالاليات الميكانيكية أو من مواسير الدافع وراجمات الصواريخ وكذلك بالهليكوبترات, وذلك بهدف مواجهة التحركات السريعة لقوات العدو المدرعة الميكانيكية. مستقبل الألغام يرى أنصار حرب الألغام أنه بما أنها سلاح دفاعي فهي لن تتأثر بتقليص الأسلحة التي تجري المباحثات بشأنها, وهذا القول صحيح لأن التطوير يتجه مستقبلا نحو تحميل الألغام الاستراتيجية بمواد كيميائية وبيولوجية ونووية. بحيث تصبح أسلحة دمار شامل تعمل بشكل دفاعي على المستوى الاستراتيجي في المناطق المطلوب حرمان العدو من اختراقها لاسيما في مناطق الحدود. كما أن الألغام ستبقى قيد الاستعمال من جانب المنظمات الارهابية وعناصر المقاومة الوطنية في البلدان المحتلة, وبما يشكل خطرا على العسكريين والمدنيين على حد سواء, كما تبقى خطرا حتى بعد انتهاء القتال مثلما نرى في أفغانستان و لبنان. كما أن ادخال الالكترونيات في الألغام الحديثة سيجعل منها أسلحة ذات أفضلية خاصة في أيدي قوات الانتشار السريع, حيث يمكن حملها ضمن مهمات الجندي الفردية. أن تسارع القابلية للحركة تتطلب الغاما خفيفة توضع باليد أو تنشر بواسطة آليات ميكانيكية أو تلقى من الجو, ويزداد الاعتماد عليها مع تزايد المخاطر الناتجة عن تفجر الأزمات فجأة, والحاجة الى سرعة ايقاف أو عرقلة تقدم قوات العدو لحين رفع درجة تأهب القوات التقليدية - وهو ما سيدفع لاستمرار التطوير التقني سواء في نوعيات الألغام المضادة للأفراد أو المضادة للدبابات وكذلك وسائل نشرها أرضا وجوا. الجانب اللاإنساني تعاني 69 دولة من مشكلة وجود كميات ضخمة من الألغام على أرضها يقدر عددها بحوالي 120 مليون لغم. وتعتبر مصر من أكثر الدول تضررا من هذه المشكلة القائمة على مساحة 363 ألف هكتار بالصحراء الغربية بمناطق العلمين ورأس الحكمة والسلوم ومطروح, مما حال دون الاستفادة من هذه المساحة الشاسعة التي تعادل 10% من مساحة الأرض المنزرعة في مصر, بسبب وجود حوالي 22 مليون لغم تشكل نسبة 21% من اجمالي الألغام الموجودة في العالم, ويرجع ذلك بالطبع الى كثرة الحروب والصراعات المسلحة التي جرت على أرضها لاسيما في نصف قرن الماضي, وأبرزها الحرب العالمية الثانية, حيث شهدت الصحراء الغربية عمليات حربية مستمرة من جيوش الحلفاء وجيوش دول المحور دامت 26 شهرا من سبتمبر 1940 الى أكتوبر 1942. ولقد ظلت مشكلة حقول الألغام في مصر مجمدة بدون حل بسبب عدم وجود تسجيلات دقيقة لهذه الحقول نظرا لتكرار عمليات الهجوم والدفاع والانسحاب للقوات في هذه المناطق, وقد واجهت القوات المسلحة المصرية مشكلة كبرى أثناء اعدادها لخطة تطهير حقول الألغام بالصحراء الغربية, وهي نقص المعلومات المتوافرة عن مناطق زراعتها, وأسلوب رصها وعدم تقديم الدول التي زرعتها المساعدات الفنية اللازمة لاكتشاف أماكن وجودها, مما أدى الى توقف الجهود المصرية منذ 7 سنوات لازالتها خاصة مع ارتفاع تكلفة ازالتها والحساسية الشديدة التي أصبحت باللغم نتيجة تآكل أجزاء من غطائه الخارجي بسبب العوامل الجوية, وحاجته الى تكنولوجيا متقدمة للتعامل معه. حيث تزداد حساسية اللغم كلما ظل في الأرض فترة طويلة, وترتفع قدرته التفجيرية بمرور الوقت حيث يتأثر بأقل ثقل يمر عليه مما يؤدي الى وقوع الكثير من الضحايا. ويزيد من خطورة حقول الألغام في مصر أنها مبعثرة في الصحراء وسط حركة الكثبان الرملية والسيول التي أدت الى جرف الألغام الى أماكن أخرى غير التي زرعت فيها, وحيث لاتوجد علامات ارشادية للتحذير منها لصعوبة التحديد الدقيق للأماكن التي انتقلت اليها, وبالتالي صارت الخرائط القديمة لهذه الحقول غير ذات جدوى, بعد أن أصبحت كميات من هذه الألغام تحت طبقات رملية كثيقة تصل بين 4 الى 6 أمتار, كما زادت المسافة لتصبح بين كل لغم وآخر 4 أمتار, وبين كل صف ألغام وآخر 6 أمتار, ناهيك عن وجود 92 نوعا من الألغام واختلاف طرق رصها من دولة لأخرى. وقد أدى هذا الانتشار العشوائي لحقول الألغام في الصحراء الغربية بمصر الى صعوبة حصر أعدادها وأنواعها, وظهورها في مواقع بصورة غير متناسبة مع مساحات الأراضي المنتشرة فيها. مما تسبب في وقوع خسائر بشرية جسيمة تمثلت في 8313 شخصا بين قتيل وجريح منهم 697 قتيلا و 7616 جريحا, بالاضافة الى أن آخر خمسين حادثا تم تسجيلها وجد أن منها 16 حادثا خارج حقول الألغام وكان ذلك في 15 سبتمبر ,1998 وكان حجم الاصابة فقدا كاملا للأرجل وأحد الذراعين وتشوهات في أجزاء مختلفة من الجسم, معظمهم من البدو والنساء والمزارعين وعمال التراحيل, وذلك من بين 26 ألف فرد أصيبوا وماتوا بسبب الألغام على مستوى العالم, وبالتالي فإن عدد ضحايا الألغام بمصر يعادل 30% من عدد الضحايا على مستوى العالم كله. أما الخسائر الاقتصادية فتتمثل في تعطيل الاستثمارات في هذه المنطقة التي تمثل حوالي 22% من مساحة مصر, رغم توافر المكونات الاقتصادية بهذه المنطقة من مراع واسعة وأراض قابلة للزراعة وثروات معدنية وبترول وشواطئ ممتدة للسياحة. كما يعيش السكان المحليون بالمنطقة في مستوى معيشة منخفض للغاية بسبب محاصرة الألغام ومخلفات الحروب لهم, وعدم قدرتهم على استغلال الأراضي الملغومة, وخوفهم من التحرك خارج الطرق نتيجة الخسائر البشرية التي حدثت لهم. لذلك دعت مصر في فبراير 1983 لعقد مؤتمر دولي للألغام حضره ممثلون عن فرنسا والمانيا وانجلترا وايطاليا والولايات المتحدة. ونتيجة لهذا المؤتمر قدمت هذه الدول خرائط ومخططات لبعض المناطق المزروعة بالألغام, إلا أنه بالاطلاع الدقيق وفحص الوثائق والمخططات التي قدمتها هذه الدول وجد أنها لاتغطي المساحة الحقيقية لحقول الألغام في صحراء مصر الغربية. ونتيجة للجهود المصرية في ايضاح وإبراز حجم مشكلة الألغام عالميا قامت الأمم المتحدة بايفاد لجنة مكونة من ممثلي برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الألغام ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي ومركز جنيف الدولي, الى مصر في الفترة من 10 الى 23 فبراير 2000 لتقييم حجم مشكلة الألغام في مصر. وقد عرض المسئولون في مصر عن هذه المشكلة على اللجنة حقيقة أبعادها ومخاطرها والجهود التي بذلتها مصر للحد منها ومحاصرتها, والتي تمثلت في تطهير 38 ألف هكتار وازالة 9.2 مليون لغم رغم المصاعب التي واجهت الوحدات الهندسية التي كلفت بهذه المهمة. والغريب في الأمر أن دولا كبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة وايطاليا والمانيا وروسيا, لم تقم بالتوقيع على اتفاقية أوتاوا بكندا لحظر تخزين وانتاج الألغام في عام 1997. في حين أنها هي نفسها التي زرعت الألغام في مناطق مختلفة من العالم, كما تعد أكثر دول العالم صناعة لها, حيث يوجد 95 مصنعا في العالم تنتج الألغام أكثرها بأراضي هذه الدول, وتنتج مابين 8 الى 12 مليون لغم سنويا مضاد للأفراد. كما لم تنص هذه الاتفاقية على تقديم الدول التي زرعت الألغام للمساعدات اللازمة للدول المضارة منها للمساهمة في ازالتها. بقلم: لواء ركن حسام سويلم خبير استراتيجي مصري