لاشك أن وجود ما يقدر بنحو 110 ملايين لغم في أراضي بعض الدول في مختلف قارات العالم يعد مشكلة كبيرة لهذه الدول التي ينتمي أغلبها الى الدول النامية, لأن ازالة ونزع هذه الألغام ليس بالعملية السهلة. ولكنها تحتاج الى جهود كبيرة ومبالغ مالية طائلة فضلا عن توافر المعدات الفنية اللازمة والكوادر البشرية التي تستطيع القيام بهذه العملية, ومما يزيد من حدة المشكلة أن هذه الدول مطلوب منها أن تتحمل وحدها كل ما ينتج من آثار سلبية كما عطلت عملية التوسع العمراني فيها, اضافة الى سقوط الكثير من الضحايا بسبب انفجار تلك الألغام, هذا في الوقت الذي لم يكن لغالبية هذه الدول ذنب في وجود الألغام في أراضيها حيث دارت بعض فصول الحرب العالمية الثانية على أراضيها ورغما عنها, وعندما ذهبت الجيوش الغربية تركت وراءها هذه الملايين من الألغام, والغريب أن هذه الدول لاتقبل حتى الآن تحمل مسئوليتها القانونية والسياسية تجاه المشكلة التي تسببت فيها. (الملف) التقى الخبير الاستراتيجي لواء دكتور جمال الدين مظلوم, وأحمد ابراهيم محمود الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في محاولة للتعرف من خلالهما على أبعاد المشكلة, والآثار الانسانية والاقتصادية لها, والمسئولية القانونية والسياسية للدول المسببة لها, وتعدد الصراعات المحلية والاقليمية وأثرها في تفاقم المشكلة, ودور المنظمات الانسانية والهيئات الدولية في الحد من مخاطر الألغام وتقليل حجم الخسائر والضحايا, ومدى نجاح محاولات وجهود نزع وازالة الألغام ومنع تصنيعها. مصالح مشتركة بداية يرى الخبير الاستراتيجي لواء دكتور جمال الدين مظلوم أن ما تقوم به المنظمات الانسانية والهيئات الدولية في مجال ازالة ونزع الألغام هو دور جيد وبناء ولكن المشكلة كبيرة وتحتاج الى عمل أكبر, وعموما فالمشكلة الحقيقية بالنسبة لموضوع الألغام تتركز في التمويل وضعفه بل وعدم وجوده أصلا, في الوقت الذي رفضت الدول المسئولة عن زرع الألغام تحمل مسئوليتها القانونية في ازالتها من مسارح عمليات الحرب العالمية الثانية والحروب المحدودة الاقليمية التي دارت بعدها في النصف الثاني من القرن العشرين, حيث تعتبر الدول الكبرى المسئولة عن المشكلة أن زرع حقول الألغام خلال العمليات الحربية قد تم لخدمة مصالح أمنية مشتركة بينها وبين الدول المتضررة خلال الحروب السابقة سواء في شمال افريقيا بوجه خاص أو في قارة افريقيا بوجه عام, أو في منطقة الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا, وتحاول أغلب الدول المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة والمانيا وبريطانيا أن تلقي بالمسئولية المالية على الأمم المتحدة في اطار تعدد منظماتها التي يمكن أن تسهم في إزالة الألغام وتنمية المناطق المحرومة حاليا من التنمية الاقتصادية نتيجة انتشار حقول الألغام الأرضية بها. وفيما يتعلق بمدى نجاح جهود نزع وازالة الألغام ومنع تصنيعها يقول لواء دكتور جمال الدين مظلوم أن الجهود التي بذلت وتلك التي مازالت تبذل حتى الآن هي مجرد بداية ولابد من دعمها, فعملية ازالة مئات الملايين من الألغام تحتاج لأفراد ومعدات وجهود جبارة وحتى لايظل وجود الألغام عقبة في طريق التنمية في البلدان الموجودة بها, والملاحظ حتى الآن أن الحظر الدولي للألغام المضادة للدبابات لم يتحقق بعد واقتصر النجاح على معاهدة (أوتاوا) لحظر الألغام المضادة للأفراد باعتبارها الأكثر خطرا على المدنيين والأفراد بوجه عام وبخاصة عندما لاتوجد علامات ارشادية على مناطق حقول الألغام في الصحارى المفتوحة, وتعتبر الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم التي قدمت مساعدات مالية في مجال ازالة الألغام في عقد التسعينيات حيث بلغ اجمالي هذه المساعدات نحو 54 مليون دولار استخدم أغلبها في منطقة البلقان في البوسنة والهرسك لضمان نجاح اتفاق (دايتون) للسلام الذي رعته الولايات المتحدة لوقف القتال هناك, كما تدرس الولايات المتحدة حاليا انشاء صندوق لتطهير الألغام الأرضية في كوسوفو وبما يكفل تأمين عناصر حلف شمال الاطلسي التي تسيطر على الاقليم عسكريا وأمنيا. ويضيف: أن الأمر يحتاج الى رأي عام عالمي يساند هذه القضية وأن يقوم الاعلام بشرحها وتوضيح مدى خطورتها وعقد الندوات وبذل الجهود الدبلوماسية لدى الدول المسببة للمشكلة والتي تمتلك امكانيات مادية وفنية عالية للمساعدة في عمليات الازالة للألغام. حجم المشكلة وحول تعدد الصراعات المحلية والاقليمية وأثرها في تفاقم مشكلة الألغام يوضح لواء دكتور جمال الدين مظلوم أن هذه الصراعات والحروب كان لها أبلغ الأثر في زيادة حجم المشكلة, فقد شهدت مناطق متفرقة من العالم وخاصة في القارة الافريقية حروبا وصراعات كثيرة أغلبها كان يمكن تجنبه, هذه الصراعات والحروب أدت الى زرع الملايين من الألغام الأرضية والأخرى المضادة للدبابات من أجل وقف زحف قوات الأطراف المتصارعة وعندما تتوقف العمليات العسكرية أو تنتهي الحروب تظل مشكلة الألغام قائمة حيث أنه لامجال لقيام الدول الافريقية بعمليات نزع وازالة الألغام والتي تتكلف مبالغ باهظة وتحتاج الى كوادر بشرية مدربة ومعدات فنية تلزم تلك العمليات وهذه الدول لاتمتلك من ذلك شيئا. ومن هنا تظل المشكلة قائمة وتهدد بوقوع الكثير من الضحايا وتعطل عملية التنمية في هذه الدول, وهذا الأمر ينطبق على الدول غير الافريقية التي تعاني من نفس المشكلة والموجودة في منطقة الشرق الأوسط فهي الأخرى لاتستطيع تحمل تكاليف هذه العمليات بمفردها. دفع الضرر وعن المسئولية السياسية والقانونية للدول المسببة للمشكلة يقول لواء دكتور جمال الدين مظلوم: الحروب التي تم خلالها زرع هذه الملايين من الألغام كانت منذ مدة طويلة تتجاوز نصف القرن, والخرائط الخاصة بمناطق الزراعة أغلبها غير متوافرة وحتى في حال وجودها تكون أحيانا غير دقيقة ولذلك فمطلوب جهود طويلة حتى يتم التوصل بدقة الى أماكن الألغام, وفي هذا الصدد يجب على الدول التي تسببت في المشكلة أن تعطي الخرائط التفصيلية لمواقع هذه الألغام وأن تساهم بالمعدات اللازمة والأفراد والتمويل اللازم وهذا واجب عليهم حيث أن أغلب الدول المتضررة من وجود الألغام لم يكن لها أية علاقة بالحروب التي دارت على أراضيها ومع ذلك تتحمل حتى الآن الآثار السلبية والاقتصادية الناجمة عن الألغام التي خلفتها هذه الحروب. وينهي اللواء دكتور جمال الدين مظلوم حديثه بالتأكيد على أن وجود الألغام أدى الى اعاقة عملية التنمية سواء السياحية أو الزراعية وأدى لوجود عبء اقتصادي كبير على هذه الدول يتمثل في التكلفة المادية الضخمة التي تحتاجها عملية ازالة الألغام.. وهي أعباء مالية في بنود لم تكن هذه الدول تضعها في اعتبارها, أي أن وجود هذه الألغام ينتج عنه خسائر اقتصادية وأعباء مالية كبيرة لايمكن للكثير من الدول النامية التي يوجد بها ألغام أن تتحملها ولذلك لابد من تقديم المساعدة لها وخاصة من الدول التي تسببت في المشكلة. اهتمام كبير أما الخبير الاستراتيجي أحمد ابراهيم محمود فيرى أن قضية الألغام الأرضية تستحوذ على حيز كبير من الاهتمام العالمي بسبب الآثار الانسانية المروعة لها, حيث تحولت الألغام من مجرد كونها أدوات للتأمين والدفاع وحماية الأهداف والمنشآت العسكرية, الى أدوات فتاكة للدمار وللقتل ضد المدنيين الأبرياء, ولاسيما في ظل كثرة حالات الاستخدام العشوائي لها,, مما أبعد الألغام الأرضية عن مجرد كونها وسائل عسكرية مستخدمة في ظروف القتال التقليدي الى أدوات لقتل المدنيين دون تمييز, ولفترة تستمر لزمن طويل عقب انتهاء عمليات القتال, ومما زاد من خطورة الألغام الأرضية أنها أصبحت تنتشر بعشرات الملايين في أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية, كما أن معظمها يفتقر الى أدوات التدمير والاتلاف الذاتي عقب انقضاء الغرض منها, بالاضافة الى أن خطورة قضية الألغام على الصعيد العالمي تبدو واضحة في انتشار أعداد هائلة من الألغام الأرضية في الكثير من قارات العالم, حيث يقدر عدد الألغام على الصعيد العالمي بحوالي 110 ملايين لغم, وأغلبها موجود في الشرق الأوسط وافريقيا, ففي مصر, يوجد 23 مليون لغم, وهو ما يمثل أكبر عدد من الألغام في العالم, بينما يوجد في العراق حوالي 10 ملايين لغم, وفي ايران 16 مليون لغم, وفي أفغانستان 10 ملايين لغم, أما في أفريقيا, فهناك 15 مليون لغم في أنجولا, و 250 ألف لغم في رواندا, وفي مناطق العالم الأخرى, يوجد 10 ملايين لغم في كمبوديا, و 3 ملايين لغم في البوسنة, ومثلها في كرواتيا ولذلك كان من الطبيعي أن يزداد الاهتمام العالمي بقضية الألغام الأرضية خلال السنوات القليلة الماضية. ولذلك فقد أدى الاستخدام الواسع النطاق للألغام الأرضية المضادة للأفراد في الصراعات المسلحة وما ترتب على ذلك من خسائر كبيرة في أرواح المدنيين في فترات ما بعد الصراع, الى ازدياد الاهتمام العالمي بالأضرار الفادحة المترتبة على الالغام. وعن بداية الاتجاه العالمي المضاد للألغام يقول احمد ابراهيم محمود أن ذلك يعود الى نهاية السبعينيات, حيث بدأ النظر منذ ذلك الحين الى الألغام الأرضية بوصفها تمثل انتهاكا للقانون الدولي الانساني, وتمخض هذا الاتجاه عن سن معاهدة دولية عام 1980 برعاية الأمم المتحدة, هي معاهدة الأسلحة التقليدية مفرطة الضرر وعشوائية الأثر, والتي تقيد مجالات استخدام الألغام, وتنص على حظر استخدام الألغام الأرضية ضد السكان المدنيين, وحظر الاستخدام العشوائي للألغام, واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لحماية السكان المدنيين من آثار الألغام, وضرورة تسجيل أطراف النزاع لجميع مواقع حقول الألغام, ثم ازالة هذه الألغام أو ابطال مفعولها بعد انتهاء القتال. ولذلك أصبحت قضية الألغام الأرضية تستحوذ على حيز كبير من الاهتمام العالمي بسبب الآثار الانسانية المروعة لها, وجرى التركيز على أن الألغام الأرضية تمثل انتهاكا لقواعد القانون الدولي الانساني, وبالذات القواعد العامة المنظمة لقواعد الحرب, ولاسيما مجموعة من القواعد العرفية التي تنظم القتال في حالات الصراع المسلح, وهو ما أدى الى سن معاهدة دولية عام ,1980 برعاية الأمم المتحدة, هي معاهدة (حظر الأسلحة التقليدية المفرطة الضرر وعشوائية الأثر) والتي تقيد مجالات استخدام الألغام, وكان المتصور أن هذه الاتفاقية سوف تحقق هدف الحظر الشامل للألغام المضادة للأفراد, إلا أنه بدا واضحا أن تحقيق هذا الهدف سوف يكون صعبا للغاية, بسبب الخلافات الشديدة بين الدول الأعضاء أثناء مؤتمري مراجعة واستعراض هذه الاتفاقية عام 1995 و,1996 وأيضا بسبب بطء آلية العمل داخل مؤتمر نزع السلاح ذاته, وهو ما شجع الحكومات المتحمسة لحظر الألغام على البحث عن آليات أو منابر جديدة لتحقيق هذا الهدف, وهو ما تحقق بالفعل من خلال مسار أوتاوا, والذي نجح في نهاية المطاف في صياغة معاهدة متكاملة لتحقيق هذا الهدف في ديسمبر ,1997 حيث وقعت 124 دولة على معاهدة حظر الألغام الأرضية المضادة للأفراد. أضرار عشوائية وعن دور المنظمات الدولية غير الحكومية والهيئات الدولية في عمليات الازالة للألغام يوضح أحمد ابراهيم محمود أنه منذ البداية, لعبت المنظمات الدولية غير الحكومية والجمعيات الانسانية دورا بالغ الأهمية في لفت الانتباه الى المخاطر الفادحة المترتبة على مشكلة الألغام, وبالذات اللجنة الدولية للصليب الأحمر, التي أخذت المبادرة بتنظيم عدة مؤتمرات لمناقشة هذه المشكلة في منتصف السبعينيات, كجزء من مناقشاتها بشأن حظر الأسلحة التقليدية التي يمكن أن تتسبب في الحاق أضرار عشوائية ومفرطة للمدنيين, وكانت أنشطة هذه اللجنة, وتقارير الخبراء والفنيين, أساسا للمجهود الدولي المبذول في هذا الصدد, حيث كانت تلك التقارير أساسا لابرام معاهدة حظر وتقييد أسلحة تقليدية معينة عام ,1980 ومن بينها الألغام المضادة للأفراد, وخلال عقد التسعينيات, ساعدت المتغيرات الدولية الجديدة على زيادة الاهتمام الدولي بمشكلة الألغام المضادة للأفراد, وجاء في مقدمتها ازدياد الصراعات الداخلية والحروب الأهلية في العديد من الدول, وما انطوت عليه تلك الحروب من استخدام واسع النطاق للألغام المضادة للأفراد بصورة عشوائية, مما ألحق أضرارا فادحة بالمدنيين في تلك الدول, كما زادت من تعقيدات عملية اعادة بناء تلك الدول في فترة ما بعد انتهاء الصراع المسلح. ومن هنا, فإن عملية مكافحة الألغام المضادة للأفراد على الصعيد العالمي شهدت العديد من مراحل التطور, وليس هناك من شك في أن المتغيرات الدولية التي طرأت منذ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات, والمتعلقة بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي, قد لعبت دورا بارزا في دفع وتشجيع تلك الجهود. ففي ظل هذه المتغيرات, بات من السهل نسبيا بناء اجماع دولي تجاه قضايا معينة, مثل أولوية قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان وضبط التسلح, وبالذات ضبط التسلح في مجال الأسلحة ذات الاضرار الانسانية الفادحة. ونجحت الحكومات المهتمة والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية في فرض هذه القضايا على قائمة الاهتمامات الدولية, ونجحت في حشد الاهتمام بهذه القضايا لدى الرأي العام العالمي. القاهرة ـ مكتب البيان