في عالمنا المعاصر هناك 69 دولة تعاني من وجود أكثر من (110) ملايين لغم أرضي في أرجائها وتحتاج الى نحو (44) مليار دولار على الأقل لازالتها وتدميرها خلال فترة تمتد 30-40 عاما . واذا كان انتاج وزراعة اللغم الواحد يتكلف 10-30 دولارا, فإن تكلفة ازالة اللغم الواحد تبلغ 250-1000 دولار طبقا لنوع اللغم وحساسيته وطبيعة التربة وطريقة الزرع أو الرص فيها, وقد تمت في منتصف عقد التسعينيات ازالة حقول الألغام التي كانت المعلوماتي للأمان عبر الأطلسي - ان المانيا قد أنفقت بين عام 1990 , 1994 ما يزيد عن 2 مليار مارك على مشتريات الألغام البرية, ووسائل بث ورص الألغام . وهناك ما يزيد على 291 نوعا من أنواع الألغام المضادة للأفراد والمضادة للدبابات مما يعقد ازالتها . وبخاصة إذا زودت بشراك خداعية, وجهزت للتفجير الذاتي, ويزيد من تكلفة تطهير الأرض من الألغام . وكمثال فإن تكلفة كشف وتفجير لغم يحتوي على 6.0 كيلو جرام من مادة ت . ن . ت قد بلغت قرابة ستمائة دولار في مسرح العمليات الكويتي بعد عملية عاصفة الصحراء عام 1991 وقد نذكر هنا أن بلدا كمصر يعاني من وجود 92 نوعا من الألغام الأرضية في صحاريها الشرقية والغربية وفي شبه جزيرة سيناء . ومصر هي الدولة الأولى المنكوبة بالألغام في العالم ففي أراضيها 7.22 مليون لغم, وتليها ايران 16 مليون لغم ثم أنجولا 15 مليون لغم والعراق 10 ملايين لغم والبوسنة والهرسك وكرواتيا 5 ملايين لغم ثم موزمبيق 2 مليون لغم وكان ضحايا الألغام من القتلى والجرحى والمعوقين في كل من أنجولا وموزمبيق زهاء 18 ألف فرد حتى عام 1999 وتليهما مصر 9010 قتلى وجرحى ثم العراق سبع آلاف ضحية وايران ستة آلاف قتيل وجريح وكمبوديا أربعة آلاف فرد. وبالرغم من كل هذه الأرقام والخسائر الخطيرة فإن الجهود الدولية لازالة الألغام والحد من المشكلة عالميا واقليميا لم تبدأ عمليا إلا في منتصف عقد التسعينيات من القرن العشرين, وعلى أساس اختيار كل دولة - بالدرجة الأولى - لسياستها في مجال الألغام وفق مصالحها الأمنية وتحالفاتها وقيمها ومبادئها, وإن اتفقت أغلب دول العالم على اعتبار الألغام بكل أنواعها أسلحة لا انسانية بالغة الضرر للعسكريين والمدنيين . الأسلحة اللاإنسانية وقعت هذه الاتفاقية عام 1981 ودخلت حيز التنفيذ بعد عامين , وهي تحظر أو تقيد استعمال الأسلحة التقليدية التي يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر, أو بمعنى آخر الأسلحة القاسية التي تؤثر مباشرة على المدنيين. والألغام, وبخاصة المضادة للأفراد, والتي زرعت ورصت في بلدان كثيرة تقتل وتصيب الآلاف من غير المحاربين وتجعل أقاليم كاملة غير صالحة للسكنى أو الاستثمار أو التنمية الاقتصادية, زراعية أو صناعية , لكن هذه الاتفاقية لاتشمل حكما خاصة بالتحقق من هذه الأسلحة اللاانسانية أو طرقا لهذا التحقق, وتجعل السكرتير العام للأمم المتحدة هو الوديع الوحيد للاتفاقية, ولبيانات تلك الأسلحة, الأمر الذي أفقد الاتفاقية عمليا جدواها في الحروب الاقليمية, والمحدودة, والأهلية التي دارت بعد الحرب العالمية الثانية . ومع ذلك فقد أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة (صندوق الأمم المتحدة التطوعي للمساعدة في ازالة الألغام) في نوفمبر 1994 وتلقى الصندوق مساعدة أمريكية قيمتها 12 مليون دولار للمساهمة في برامج نزع الألغام وتأهيل المصابين في أنجولا وموزمبيق بالاشتراك مع عدة دول مانحة أخرى, وقد وصلت موارد هذا الصندوق الى 5.41 مليون دولار عام 1997 ثم بدأت في التناقص تباعا مع أن السكرتير العام للأمم المتحدة يرجو باستمرار رفع ميزانية الصندوق الى 750 مليون دولار كحد أدنى في القريب العاجل, كذلك انشئت وحدة خدمة الألغام في السكرتارية العامة للأمم المتحدة تابعة لادارة حفظ السلام في المنظمة الدولية بهدف دراسة مشكلات الألغام, وبخاصة في دول العالم الثالث, وأسهمت في تمويل صندوق نزع الألغام في أنجولا بمعونة سويسرية, وفي تدبير موارد صندوق تمويل نشاطات إزالة الألغام في كرواتيا, والبوسنة والهرسك بمساعدة يابانية. وقد قدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP ومنظمة النداء الموحد للوكالات مساعدات محدودة في حالات الصراع المسلح في القارة الأفريقية بوجه خاص وفي آسيا, وإن لم تمتد الى ايران حيث يوجد 16 مليون لغم أرضي أو العراق 10 ملايين لغم أرضي على الأقل, وقد نظمت الأمم المتحدة في أغسطس 1995 مؤتمرا لمراجعة اتفاقية جنيف لحظر أو تقييد استعمال الأسلحة اللاانسانية, وأوصى المؤتمرون بضرورة تحريم الألغام المضادة للأفراد التي لايمكن اكتشافها أو المجهزة بوسائل تدمير ذاتية غير مسيطر عليها, ولم تنطبق هذه التوصية على الحقول التي يتم تعليمها وحراستها, كما لم تحظر نقل وتصدير الألغام النمطية المضادة للأفراد من دولة لأخرى . معاهدة أوتاوا في عام 1997 تم انجازان رئيسيان أولهما ابرام المعاهدة الدولية لحظر استخدام وتخزين وانتاج ونقل الألغام الأرضية المضادة للأفراد واعدامها, والثاني عقد مؤتمر نزع السلاح لمحاولة الاتفاق على حظر الألغام البرية المضادة للأفراد وللدبابات معا, وإن أثمر المؤتمر عن بداية عملية للتفاوض على نظام للتحقق والتفتيش على حقول الألغام باشتراك فعال من روسيا والصين, وعن تعديل البروتوكول الثاني لاتفاقية عام 1981 للأسلحة غير الانسانية والذي ينص على حظر وتقييد استخدام الألغام والشراك الخداعية التي يتم تشغيلها ذاتيا أو بالتحكم عن بعد, أو تتحرك تلقائيا بعد فترة من الوقت, بما فيها الألغام التي ترص وتنصب لمنع الوصول الى الشواطئ أو الى معابر المجاري المائية أو معابر الأنهار . وقد بدأ التوقيع على معاهدة أوتاوا في 3 ديسمبر 1997 ودخلت حيز التنفيذ بتوقيع 40 دولة عليها في أول مارس 1999 ولم تنضم للمعاهدة الولايات المتحدة وروسيا والصين مع أن الدول الثلاث من أكبر مصنعي الألغام البرية والبحرية في العالم, ورفضت الانضمام اليها كذلك مصر والهند وباكستان, وقد نصت المعاهدة على ازالة الألغام البرية المزروعة من النوع المضاد للأفراد خلال 10 سنوات من تاريخ التصديق على المعاهدة وتدمير المخزون من تلك الألغام خلال أربع سنوات من ذلك التاريخ . وقد قرر الاتحاد الأوروبي في 28 نوفمبر 1997 العمل على الازالة الكاملة للألغام المضادة للأفراد عالميا واقليميا, وكذا حظر أسلحة الليزر المسببة لعمى الأفراد, وتمويل برامج الازالة, وتأهيل ضحايا الألغام الأرضية, وتدريب أطقم تطهير الأراضي من الألغام, وتطوير قاعدة البيانات واحتياجات الطوارئ في شتى مجالات الألغام الى جانب الضغط السياسي الفعال على الدول المستمرة في انتاج أو تصدير الألغام البرية, وقد رصد الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 1997 ثمانية ملايين وحدة نقد أوروبي لدعم نشاط النداء الخاص للجنة الدولية للصليب الأحمر في مجال ازالة الألغام المضادة للأفراد, لكن الاتحاد الأوروبي لم يفعل شيئا ذا جدوى عملية في معاونة مصر على مواجهة مشكلة الألغام الكبرى في صحرائها الغربية التي بقى في تربتها 2.17 مليون لغم زرعها البريطانيون والألمان والايطاليون فيها في عقد الأربعينيات خلال الحرب العالمية الثانية في شمال افريقيا, وهو موقف لا أخلاقي تجاه الدولة التي تعتبر الضحية الأولى للألغام البرية في عالمنا المعاصر . ولقد رفضت مصر وباكستان التوقيع على معاهدة أوتاوا لأسباب خمسة أولها أن هناك قصورا شديدا في نص المعاهدة الذي لايعالج مسئولية الدول التي زرعت الألغام في أراضي الغير في ازالتها أو تطهير هذه الأراضي منها, أو المساعدة في الازالة والتطهير, وهو الأمر الذي يتناقض مع المبدأ المستقر في القانون الدولي بشأن احترام كل دولة ذات سيادة للسلامة الاقليمية للدول الأخرى, والتزام كل دولة تتسبب في الاضرار العمد بدولة أخرى باصلاح أخطائها على نفقتها تعبيرا عن المسئولية الدولية, والسبب الثاني أن المعاهدة تتجاهل حقوق الدول المتضررة من الألغام في التعويضات وتأهيل ضحايا الألغام مما كان يمكن أن يشجع هذه الدول على الانضمام للمعاهدة, والسبب الثالث في رفض التوقيع هو أن معاهدة أوتاوا لاتميز بين الاستخدام المشروع للألغام الأرضية المضادة للأفراد لأغراض الدفاع وتأمين حدود الدولة بواسطة القوات المسلحة الوطنية وبخاصة في المناطق محدودة أو منزوعة السلاح ( مثل سيناء شرق الممرات والمضايق الجبلية) مع وجوب وضع خرائط دقيقة لها وتسوير حقول الألغام, وبين الاستخدام غير المسئول للألغام المضادة للأفراد خلال معارك الحرب دون خرائط أو تعليم أو تسوير مناطق رص الألغام أو زراعتها, والسبب الرابع أن المعاهدة قد تجاهلت الألغام الذكية برغم تقدمها التكنولوجي وتأثيراتها التدميرية المضاعفة, وكان السبب الخامس والأخير أن المعاهدة قد أبرمت خارج مؤتمر جنيف لنزع السلاح . ومع أن دولة مثل فرنسا قد أصدرت قانونها رقم 98-564 في 8 يوليو 1998 لتدمير الألغام المضادة للأفراد قبل 31 ديسمبر 2000 والاكتفاء بالاحتفاظ بخمسة آلاف لغم لأغراض البحوث والكشف و التجارب وبالرغم من قرار الاتحاد الأروبي للتخلص من الألغام المضادة للأفراد وازالتها فإن هناك أكثر من 95 مصنعا في العالم للألغام لاتزال مستمرة حتى الآن في انتاج 8-10 ملايين لغم مضاد للأفراد سنويا تمتد صلاحيتها لأكثر من خمسين عاما مقبلة. المسئولية الدولية ومع أن المادة 13 من ميثاق الأمم المتحدة تسمح للجمعية العامة أن تنشئ دراسات وتشير بتوصيات تهدف الى تشجيع التطور التدريجي للقانون الدولي لتغطية موضوعات مهمة كالألغام وتحريمها ومسئوليات ازالتها فإن بطء الانضمام الى معاهدة أوتاوا ومقاطعة الولايات المتحدة لها يحرم الجمعية العامة للأمم المتحدة من اتخاذ أية خطوات ايجابية في هذا الصدد . ولاتزال دول كبرى مثل روسيا والصين وبريطانيا ودول أخرى مثل المانيا وايطاليا تدعي أن إسهامها في عمليات ازالة الألغام هو عمل انساني وليس مسئولية قانونية وأدبية . ويشجع هذه الدول المتقدمة على موقفها غير الأخلاقي أن الدول المتضررة مثل مصر أو العراق لم تتقدم بعد بالشكوى الرسمية ضد الدول التي ارتكبت الاعتداء على سيادتها برص الألغام في أراضيها وأهملت الاسهام في ازالتها أو تعويض ضحاياها بالرغم من علمها بأن تقادم مشاكل الألغام الأرضية يزيد من تعقيدات ازالتها ويرفع من تكلفة تطهير الأراضي منها . و تتحمل مسئوليات تمويل ازالة الألغام جهات عدة أهمها الصندوق التطوعي للمساعدة في ازالة الألغام التابع للسكرتارية العامة للأمم المتحدة, وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي, وادارة عمليات حفظ السلام التابعة للمنظمة الدولية الى جانب منظمة النداء الموحد للوكالات, ومؤسسة مراقبة الألغام الأرضية, وهي مؤسسة مدنية تسعى للحظر العام لشتى أنواع هذه الألغام وازالتها . وتسهم في المساعدات الفنية في مجال الألغام أجهزة ومنظمات عدة في الأمم المتحدة منها ادارة الشئون الانسانية, وادارة عمليات حفظ السلام, واليونسكو, ومنظمة الصحة العالمية, وبرنامج الأمم المتحدة للغذاء ومنظمة صندوق الأمم المتحدة للأطفال . لكن المشكلة أن المساعدات الفنية من جانب الأمم المتحدة محدودة, وتحتاج الى دعم مباشر مالي وفني من الولايات المتحدة والدول الكبرى, ولاتزال واشنطن ترفض الانضمام الى معاهدة (أوتاوا) وتطور الألغام الذكية, وأساليب تفجيرها, وتتوسع في الاعتماد على حقول الألغام المختلطة ( المضادة للأفراد والدبابات معا) في العمليات الدفاعية ولتأمين مناطق تمركز القوات الأمريكية فيما وراء البحار, وقد نجحت التكنولوجيا الأمريكية في جعل الألغام المضادة للدبابات والمصممة للانفجار تحت ثقل (130-180 ) كيلو جرام قابلة للانفجار تحت ثقل أصغر كثيرا كوزن رجل متوسط البدانة . واستطاعت الولايات المتحدة وفرنسا تحقيق تقدم فني كبير في الكشف الراداري عن الألغام في مختلف أنواع الأراضي, وفي استخدام مستشعرات الأشعة تحت الحمراء في الأراضي الصحراوية وهو ما ثبتت فاعليته في الكويت بعد حرب الخليج الثانية . ومع ذلك كله فإن توظيف هذه الأجهزة التمويلية والفنية ومساعدات الدول المانحة لصالح الدول المتضررة بشدة من الألغام يمضي ببطء شديد وفاعلية محدودة, وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط. بقلم: لواء أ .ح صلاح الدين سليم محمد الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية