(الحرب القذرة) لم تنته في لبنان, واتفاق الطائف الذي اثمر وثيقة الوفاق الوطني, لم ينجح الا في اسكات المدافع لكن الحرب مستمرة, وبأكثر وحشية, وهذا هو فصل الصيف بحرارته ورطوبته يكشف التلوث للعين المجردة. يختصر الوزير السابق للبيئة, رئيس لجنة البيئة البرلمانية النائب اكرم شهيب بتلك العبارات (الحرب) المتواصلة ضد البيئة في لبنان: (كنا ننتظر ان تتوقف المشكلات بعد ان اوقف (الطائف) المدفع, لكن الحرب على البيئة استكملت, مرة بالتخلي, ومرة اخرى بالالتفاف على القانون) . شاهد من أهله لو لم يكن شهيب وزيرا للبيئة, وبعد الطائف بالتحديد لأمكن ادراج موقفه ذاك على قياس اية معارضة للحكم والحكومة, لكن ما يقوله يأتي (كشاهد من أهل البيت ضده) . وهو يذهب الى ابعد, الى غياب اية سياسة بيئية, يقول: (صحيح ان الحرب فاقمت المشكلات, وشكلت بنتائجها عائقا امام حلول سريعة وجذرية للمشكلات, لكن في غياب سياسة بيئية واضحة ستزداد المشكلات, وهي من دون شك, باتت بعد الحرب أكبر) . ومن نتائج ذلك, يضيف: (ما نشهده من تضخم في ارقام الهدر والانفاق على الصحة نظرا الى تردي نوعية الهواء والماء والغذاء, واستمرار مشكلة التلوث, الأمر الذي يحملنا على التنبيه, وبصوت عال, الى مخاطر فقدان الرؤية الواضحة وغياب استراتيجية بيئية علمية للمواجهة مطلوب اقرارها والبدء بتنفيذها بالتزامن مع تحديث القوانين ونخشى ان نستفيق يوما بعد فوات الأوان) . انفاق غير مثمر * لكن ثمة انفاقا ملحوظا شهدته السنوات الاخيرة, خاصة عندما كنت وزيرا للبيئة, من اجل تنفيذ مخططات تكافح التلوث وتقضي على مصادره, او تحد منها على الاقل, فكيف انفقت الاموال من دون جدوى؟ يجيب شهيب: ـ (المؤسف ان الانفاق على البيئة بعد الحرب لم يؤت ثماره, فقد استمرت الاعتداءات على البيئة في ظل قوانين لم يستكمل تطويرها. وأخشى ان تستمر هذه الحرب عليها في وقت لا يزال فيه الهم البيئي غائبا عن الحكومات, ولم توافق فيه الحكومة على استراتيجية واضحة لتحديد الاولويات البيئية, وبدء المعالجة, ووقف الاستنزاف والتخريب ومكافحة التلوث) . ويتابع قائلا: (وما يزيد الطين بلة ان ما نشهده لا يبشر بتغيير في الذهنية, ولا يشير الى توجه واضح للحد من الفلتان الحاصل على صعيد تدمير البيئة. فخطة ادارة النفايات مثلا لم تستكمل, وجرى تعديلها من دون اخذ رأي وزارة البيئة, واصبحنا في ظل غياب المعالجات وتغييب الدراسات والخطط, نتساءل عما اذا كانت الدولة ترغب في حماية البيئة أم العكس!) . هل للحرب دور؟ * نتساءل, ولو على طريقة (محامي الشيطان) أي المحامي المدافع عن الخطأ: هل ان قصور الدولة على ذلك الصعيد يعود الى تراكم مشكلات البيئة على مدى عقود طويلة من دون اي اهتمام رسمي لمعالجتها, حتى ولو بالحد الادنى, بحيث انه لا يمكن للدولة ان تحقق في سنوات علاجا لمخاطر معمرة طوال عشرات السنين؟ يجيب النائب شهيب مؤيدا هذه النقطة بصورة نسبية, فيقول: ـ (الحقيقة ان المدينة التي ضاقت بالوافدين توسعت عشوائيا, وهي ببناها التحتية قاصرة عن استيعاب سكانها, فكيف تستوعب النزوح الكثيف؟ اضف الى ذلك ان النمو المدني السريع والعشوائي الذي ترافق مع نمو في الصناعة في المدن وعلى اطرافها, ادى الى اختلاط المناطق الزراعية بالمناطق الصناعية والسكنية, وهذه في حد ذاتها مشكلة رئيسية فاقمتها احزمة البؤس حول بيروت. فالفوضى وغياب التخطيط, وغياب خطط الانماء, وعدم توازنها كلها امور ادت الى تخريب بيئة المدن, وتخريب بيئة المناطق, فالثروة الحرجية تعرضت للقطع الجائر, كذلك للرعي الجائر, وللتوسع السكني على حساب المساحات الخضراء, والتوجه نحو الخدمات وتنمية السياحة جاء على حساب تنمية البيئة, وفلتان المنشآت على طول الشاطىء خير دليل على عشوائية النمو) . * إلى أي حد اسهمت الحرب التي حصلت طوال حوالي 17 سنة بعد العام 1975 في اذكاء ذلك الواقع السلبي والوقائع التخريبية؟ ـ يجيب شهيب بالقول: (المشكلة لم تبدأ مع الحرب, فقد اسست الممارسات ما قبل الحرب مشكلات فاقمتها الحرب, والممارسات نفسها قد تكون من مسببات الحرب. فإهمال الريف وغياب التنمية المتوازنة قبل الحرب دفعا بسكان المناطق الى الهجرة الى الخارج او الى المدن, خصوصا الى السهول الساحلية, والمقلب الغربي لسلسلة جبال لبنان الغربية, الأمر الذي ادى الى فلتان التوسع السكني في المدن وفي الضواحي, كما ادى الى تدهور بيئة الارياف, والتخلي عن الزراعة وانجراف التربة وما يرافقها من مظاهر تصحر. لكن وعلى الرغم من كل هذه المشكلات ظل الوضع البيئي في لبنان قبل الحرب, في حدود السيطرة, فنسبة المساحات الحرجية مثلا كانت عشية الحرب في حدود 18%, والتنوع البيولوجي, الغني اصلا, ظل قابلا للتجدد على الرغم من الملوثات وغياب الادارة المناسبة للنفايات على انواعها: الصناعية والزراعية والمنزلية. والاهم من كل ذلك, وعلى الرغم من اختلال التوازن في الانماء, ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي مقبولا قبل الحرب) . ويردف شهيب قائلا: (لكن لا شك ان الحرب فاقمت المشكلات, وتسببت بأخرى جديدة مستنزفة الموارد من دون رادع, بدءا من انتشار المقالع العشوائي وغياب التنظيم في السعي الى الملجأ الآمن, والمنطقة الآمنة, وتدمير الثروات الطبيعية, وشفط الرمول, ومشاريع الردم والصيد البحري والنهري بالديناميت والكيماويات, والتلوث والتعدي على الأملاك العامة, خصوصا البحرية منها. والخطير ان الحرب ضربت بنية المجتمع اللبناني والقطاعات المنتجة, وأثرت بعمق في الوضع الاجتماعي, والأخطر ان هذا الوضع تفاقم بعد الحرب ولا يزال, ومع ازدياد الفقر يزداد تدهور البيئة, خصوصا في ظل غياب الانماء المتوازن) . معالجات عاطفية ومبتورة ويوافق خبيران على ما ذكره شهيب لجهة ان الوضع البيئي قبل الحرب كان افضل وهما: رئيس المجلس الوطني للبحوث العلمية الرئيس السابق لكلية العلوم في الجامعة اللبنانية الدكتور جورج طعمة, والمسئول عن البيئة في (الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان) المحامي عبدالله زخيا. يقول طعمة: (قبل الحرب كانت الثروة الحرجية اكبر, صحيح ان الفوضى مزمنة, لكن الغطاء الاخضر ظل في الحدود المقبولة, والطيور التي لم ينقطع تهديدها بالصيد كان حظها اوفر وعددها اكبر. كان الاهتمام البيئي قبل الحرب عاطفيا, واحيانا ينطلق من شعور وطني, لكن العمل الجدي والعلمي بيّن لنا الغنى النباتي والحيواني الخاص في لبنان, ذلك ان في بيئتنا 390 نوعا خاصا ونادرا) . فيما يلفت المحامي زخيا الى: (ان اجهزة الدولة قبل الحرب كانت اكثر انطباعا. وهي بغالبيتها لا تخالف, وكانت المرجعيات الرسمية اشد حزما, وتستجيب للمراجعات للتأكيد على احترام الطبيعة والقانون. إن تخريب البيئة في لبنان مزمن عمليا. وقد ساهمت الحروب الداخلية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر في تخريب البيئة, خاصة وان حروبنا لم تقتصر على القتال بل تعدته الى حرق الممتلكات واتلاف الزراعات وقطع الغابات. ثم ان الفوضى والمخالفات والاستعداد النفسي لممارستها والتفاوت الاجتماعي الحاد, امور حذرت منها اصوات كثيرة ودراسات وابحاث قبل الحرب, ورأت ان لبنان كان يتجه بسرعة الى الخراب, لكن المشكلة تكمن في ان المسئولين مصابون بقصر النظر) . أين وزارة البيئة؟ ولعله من المضحك المبكي على ضوء ذلك الكلام ان الاهمال الرسمي للبيئة لا يتزايد خلال الحرب وبعدها فحسب, بل بلغ ذروته منذ ان انشأت الدولة حقيبة وزارية جديدة في الحكومات الاخيرة السابقة حتى الآن اسمها: (وزارة البيئة) ! تعلق رئيسة (جمعية الخط الأخضر) هلا عاشور صفي الدين على ذلك بالقول: (شكل القطاع الاهلي عنصر ضغط لاستحداث الوزارة (البيئة) في التسعينيات وقد تم ذلك. ان وجود الوزارة ضروري اذا كانت لها خطة وتكلف سلطة مراقبة وردع مخالفات. هذا يعني ان الحاجة تفرض عملا رسميا ينفذ على قاعدة علمية يتولاها خبراء. لكن من المؤسف ان هذا العمل غير موجود, وتحولت وزارة البيئة الى مجرد مبنى وموظفين. رغم ان من واجبها, وبغض النظر عمن يكون الوزير, ان تحمي وتحافظ, لكن عدم تدخلها, وعدم تجاوبها حتى مع ما يطرحه القطاع الاهلي, يدل على ان الوزارة مشلولة, وبالتالي فإلى من يمكن للقطاع الاهلي ان يستند اليه في مواجهة التجاوزات؟) . من جهته يؤكد رئيس جمعية (طبيعة بلا حدود) محمود الاحمدية اخيرا: (إن فاعلية وزارة البيئة في مواجهة الازمة تبدو معدومة و(سياسة اللاسياسة) المعتمدة فيها تظهر مدى التقصير الفاضح في معالجة المشكلات) . لهذا, فإن التساؤلات والمشكلات التي يطرحها كل مهتم بالشأن البيئي مشروعة, فأين التشريعات؟ وأين الادارة البيئية؟ والأخطر انه, حتى عندما كان وجود الوزارة مهددا, لم نسمع صوتا منها يفند بالأرقام وبالوقائع ضرورة بقائها. وهنا, نحن نسجل كجمعية بيئية على تماس مع الواقع في غير منطقة, صمت وزارة البيئة ازاء جريمة منظمة لاسقاط شعار (لبنان الأخضر) من خلال عمل المقالع والكسارات بتصاريح بالموافقة من وزارة الداخلية تحت شعار استصلاح الاراضي وشق الطرقات. ونسجل ايضا دهشتنا للتغاضي الرسمي ازاء انتهاك حرمة الغابات. والمؤسف ان بعضها (مدعوم من الكبار) ويتم على عينك يا تاجر) .