توحي الاحداث الأخيرة في روسيا بما في ذلك اعتقال وترهيب فلاديمير جوزينسكي, صاحب وسائل الاعلام البارزة التي تنتقد الكرملين ـ توحي بأن شهر العسل الذي امتد عشر سنوات لنظام (الجلاسنوست) او حرية التعبير, ربما يكون قد وصل الى نهايته في ظل النظام الجديد للرئيس فلاديمير بوتين. والمسار الذي ستمضي فيه الاحداث في الاشهر القليلة المقبلة سيكشف ما اذا كان قد تم تعلم درس أساسي في التاريخ في روسيا, وهو انه من اجل النمو والبقاء, فان اي اقتصاد ناجح يحتاج الى حرية التعبير. وخلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس بوتين الى ألمانيا, أشار المستشار الألماني جيرهارد شرويدر الى ان الرئيس الروسي الجديد (يتولى أصعب مهمة سياسية على وجه الأرض) . فالاصلاح المتعلق بالسوق يواجه صعوبات هائلة, والحرب في الشيشان لم تنته او يطويها النسيان, والمستثمرون الغربيون القلقون يطالبون بالاستقرار بينما يطالب مراقبو حقوق الانسان بضمانات للحق في حرية الرأي بصرف النظر عن مدى صخب تلك المطالب. لا شك في أن حرية المواطنين والصحفيين في التعبير عن ارائهم والتحقيق في أعمال الحكومة ونشر ما يتوصلون اليه من نتائج مضمونة بموجب قوانين الاتحاد الروسي. وفي الواقع, ان وزير الخارجية السابق يفجيني بريماكوف وافق, وان كان ذلك بابتسامة متشككة, عندما زرته في موسكو في عام 1997 على تكليفي من قبل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بمراقبة حرية وسائل الاعلام في بلاده. ولكي نكون منصفين, فان روسيا لا تملك تاريخا يمتد 200 عام من التعديل الأول للدستور (كما هو الحال في أمريكا). فالصحافة المعاصرة في روسيا لا تملك سوى خبرة قرون من الرقابة القيصرية والديكتاتورية الشيوعية فيما بعد. وفي حين يتعين منهم كل هذا, فان التحديات السياسية الصعبة, او ثقل التاريخ, لا يمكن ان تكون ذريعة اكبر من القوانين في الكتب التي يعتمد عليها كنوع من الضمانة في الوقت الذي يجري تقويضها من قبل مناورات السلطة, وفي اوروبا الحديثة, التي تطمح روسيا في ان تصبح جزءا منها, فأما ان توجد حرية في التعبير او لا توجد. كان هناك أمل كبير في اواخر الثمانينيات عندما دشن ميخائيل جوربتاشوف (الجلاسنوست) . فمع قيام اصلاح السوق بتوزيع ممتلكات الدولة ومع بروز هيكلية جديدة للسلطة تعتمد على الملكية الخاصة للبنوك والصناعة, فان اهمية امتلاك وسائل اعلامهم الخاصة اصبحت واضحة للاوليجاركين الجدد في فترة ما بعد الشيوعية. وبالفعل, فان جوزينسكي نفسه, الذي بدأ حياته العملية كمصرفي, ارتقى ليصبح واحدا من أبرز الاقطاب في مجال الاعلام واكثرهم تأثيرا, وذلك من خلال محطة التلفزيون (ان تي في) ومجلته الاسبوعية (ايتوجي) . والحديث المحوري الذي شهد التحول من سنوات (الجلاسنوست) الذهبية الى الظروف الراهنة الصعبة جدا على الصحافة الحرة وقع في عام 1996. ففي ذلك العام, تصرف الكرملين القديم باسلوب جديد ردا على مقالة صحفية ناقدة بشدة في صحيفة (ازفستيا) الوطنية حول رئيس الوزراء آنذاك فيكتور تشيرنوميردين. وردا على ذلك, قامت اثنتان من أكبر الشركات الروسية التي وقفت مع تشيرنوميردين, وهما اونيكسمبانك ولوك اويل, لشراء صحيفة (ازفستيا) وفصل معظم الموظفين الكبار واحلال مصرفي محل المحرر المسئول وعلى الرغم من ان (ازفستيا) ظلت واحدة من الصحف اليومية غير المتحيزة في موسكو, الا انها لم تهاجم تشيرنوميردين مرة ثانية ابدا. وهذا الاسلوب بفرض النفوذ السياسي المباشر باستخدام الاداة الجديدة لاقتصاد السوق, شائع جدا في الدول الاعضاء في منظمة الامن والتعاون الاوروبي في فترة ما بعد الشيوعية, ولقد ابتكرنا له مصطلحا خاصا هو: (الرقابة الهيكلية) . وكما أوضحت الانتخابات البرلمانية في عام 1999, فإن معظم وسائل الاعلام الروسية اليوم مقسمة بين الاوليجاركين, الذين يستغلونها كوكالات علاقات عامة سعيا وراء مصالحهم المتعلقة بنشاط الأعمال والمصالح السياسية. وقد رأى يوري لوشكوف, عمدة موسكو نتائج انتخاباته تتقلص إلى النصف بفعل حملة نظمت ضده من قبل سيرجي دورينكو, وهو منسق أخبار تلفزيوني مشهور, يعمل لصالح محطة تلفزيونية أخرى يملكها بوريس بيرزوفسكي, القطب الاعلامي البارز. وفي ظل حكم يلتسين, تجنب الكرملين اتباع تكتيكات عنيفة ضد الصحافة الانتقادية من النوع الذي استخدمته ضد جوزينسكي. لكن الحرب الشيشانية الثانية ووصول الرئيس بوتين للحكم غيرا هذا الوضع. وفي هذا العام, كانت هناك حالات من المضايقة من النوع الذي لم تشهده البلاد منذ الأيام الأخيرة للاتحاد السوفييتي. وأبرز هذه الحالات, كانت اختفاء أندريه بابيتسكي, وهو مراسل لاذاعة صوت أوروبا الحرة, اشتهر بنقده للسلوك الروسي في الحرب. وعلى الرغم من انه قد تم في النهاية (اطلاق سراحه) من قبل قوات مؤيدة لروسيا في الشيشان والتي كانت قد اعتقلته, الا ان المدعين العامين في الدولة لم يسمحوا له بمغادرة موسكو والعودة إلى العمل. وفي أسوأ تذكير منذر بالخطر بالأيام الغابرة, حاولت الحكومة وضع الكسندر كنشتاين, وهو مراسل لصحيفة (موسكوفسكايا كوموسموليتس) الذي كان منتقدا للحرب أيضا, في مستشفى للأمراض العقلية. ومع ان هذه الحوادث دفعت الصحفيين في موسكو وسان بطرسبرج إلى احياء الأسلوب القديم في الحذر والرقابة الذاتية, الا انهم ظلوا أحرارا نسبيا مقارنة بزملائهم في الاتساع الشاسع للأقاليم الروسية. وفي الغالب تكمل (الرقابة من خلال القتل) الوحشية (الرقابة الهيكلية) لوسائل الاعلام المملوكة من قبل الأوليجاركيين. ففي عام 1998, وجدت لودميلا يودينا, وهي محررة محلية كانت تحقق في قضية فساد بطلها الحاكم في كالميكيا وجدت مقتولة. وهناك العديد من حالات التهديد أو العنف المباشر ضد الصحفيين في مقاطعات روسيا الاتحادية التي قدمت إلى مكتبي. ومن الواضح ان الخوف من الانتقام لنشر تحقيقات صحفية في الفساد يتنامى. ويتصرف بعض الحكام ومحافظي المدن مثل رؤساء العصابات, حيث يقومون بسحق أي معارض بل انهم يمارسون رقابتهم على الطبعات المحلية من الصحف القومية. ففي الرابع عشر من ابريل, اختفت مقالة انتقادية دارت حول حاكم منطقة ساراتوف في صحيفة (ازفستيا) من الطبعة المحلية للصحيفة. وبالنسبة لبلد أعرب عن تطلعاته للارتباط بشكل وثيق مع أوروبا, فإن هذه تعتبر جميعها تطورات مزعجة. ويتعين على أوروبا بالمقابل أن توضح ان حرية التعبير جزء من أساس أي استقرار دائم من شأنه أن يستقطب الاستثمار ويؤكد على الارتباط الوثيق مع روسيا الجديدة. والنموذج الصيني لاصلاح السوق بدون صحافة حرة لا يتلاءم مع القيم التي تتمسك بها المؤسسات الرئيسية في أوروبا, ومن بينهما منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وكما قال ميخائيل جورباتشوف ذات يوم, فان (روسيا تحتاج إلى حرية التعبير, تماما مثلما تحتاج الهواء للتنفس) . وإذا كان بوتين يرغب فعلا بانضمام بلاده إلى أوروبا, فعليه أن يرخي قبضته قليلا, لكي تتمكن روسيا من التنفس بحرية. بقلم: فريموت دوف ، ناشر وكاتب ألماني ، خدمة لوس انجلوس تايمز ، خاص لـ البيان