لخص هيوبرت همفري في مقابلة مع الصحافيين الذين يغطون حملته الانتخابية الرئاسية الفاشلة في عام 1968 المأزق الاساسي الذي يواجهه نواب الرؤساء الذين يريدون من الناخبين رفعهم الى سدة الرئاسة نفسها, بقوله (اخطر مأزق اواجهه, والشيء الذي يقع في صميم حملتنا الانتخابية، برمتها هو كيف ترسم من جهة مسارا مستقلا لك ولا تتنصل من جهة اخرى من الادارة التي كنت جزءا منها؟) . وكانت حالة همفري حالة بالغة التطرف. فالحرب الفيتنامية كانت قد قسمت الحزب الديمقراطي الى نصفين في ذلك العام. ومع ذلك, واصل همفري العمل تحت امرة الرئيس, هو ليندون جونسون,الذي ظل ملتزما بالحرب. وعلى الرغم من ان شعبية جونسون قد انخفضت, الا ان اعتداده بنفسه وقدرته على اتخاذ الاجراءات العقابية ظلا على حالهما. وهكذا فانه بينما كان قلب همغري يقول له بأن ينضم للحمائم, فإن عقله ـ او رئيسه ـ يقول له بأن يبقى ضمن الصقور. وعلى الارجح فإن موقف همفري الضعيف تسبب في خسارته للرئاسة. ان موقف آل جور ليس بهذا السوء, لكنه يسير على الحبل المشدود نفسه الذي سار عليه همغري ونواب الرؤساء الآخرين من قبل. ويتعين على جور نائب الرئيس الوفي ان يثبت للناخبين انه ذو شخصية مستقلة قائمة بذاتها. وفي الوقت نفسه, لا يمكنه ان يظهر بمظهر الشخص غير الوفي للرئيس كلينتون, الامر الذي من شأنه ان يؤلب عليه ليس فقط نشطاء الحزب الديمقراطي وانما يمكن ان يؤدي ايضا الى ابتعاد الناخبين الذين لا يحبون السياسيين الذين يبدون عاقين او انتهازيين. ومع ذلك فإن عبارة نائب رئيس مستقل يعتبر اجتماعا للفظتين متناقضتين, وعندما اختلف آل جور مع ادارة كلينتون حول قضية إليان جونزاليس, فإن زملاءه الديمقراطيين افترضوا انه يفعل ذلك لأسوأ الاسباب. يقول جيم دوفي, المستشار السياسي الديمقراطي الذي يتخذ من واشنطن مقرا له: (يجري اختيارك لهذا المنصب في المقام الاول لانك اعتبرت وفيا, ومن المستبعد ان تقوم بأية اخطاء, وتنفرد من الاستقلالية وبالكاد قادر على فعل مالا يخطر على البال ـ وهو ان تفكر بنفسك. وهذا يجعل من الصعب عليك ان تخرج من تحت عباءة رئيسك وان تصنع شخصيتك الخاصة لكن جور كان يبلي بلاءا حسنا في هذا المجال... حتى قضية إليان. وإليك ما فعله جور بتأكيده على ان قضية إليان جونزاليس يجب ان يبث فيها في الاوساط العائلية, وليس من قبل مسئولي الهجرة, فقد عارض بشدة رئيسه والمحاكم واستطلاعات الرأي وحزبه والمدعي العام الذي عمل شخصيا على ابقاء مدع خاص بعيدا عن سلطته القانونية غير المنضبطة. واقل ما يمكن ان يقال هو ان آراء جور لم تكن موفقة. قال خوسيه سيرانو, وهو عضو في مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي من نيويورك متسائلا في رسالة غاضبة لجور: (اين قيمك العائلية؟ ألا تعتقد ان هذا الطفل الصغير ينبغي ان يكون مع والده الذي يحبه؟) . ولأن جور بالتحديد كان منذ زمن طويل يعتبر واحدا من اواخر الديمقراطيين في البلاد الذين يروجون للأبوة, فإن موقفه اعتبر على نطاق واسع مدفوعا باعتبارات سياسية خالصة. وقال النقاد انه كان يتودد للناخبين الامريكيين من اصل كوبي في فلوريدا ونيوجيرس الذين احتشدوا خلف مواطنهم البالغ من العمر ست سنوات. وقد تم تلخيص ردة الفعل السائدة بين المعلقين من قبل المعلقة في الواشنطن بوست ماري ماكجروري بقولها: (في اللحظة التي احتجنا الى حكيم يحسم قضية إليان جونزاليس حصلنا على آل جور بافتقاره المطبق للذكاء) . لم تكن هذه هي المرة الاولى التي يتلقى فيها جور الضربات اثناء محاولته التخلص من ظل كلينتون. فبعض الديمقراطيين من جامعي التبرعات خف حماسهم في وقت مبكر عندما وضع مسافة بينه وبين الرجل الذي كان يلهو مع متدربة داخل المكتب البيضاوي. وقال جور للصحافية دايان سوير: (اعتقدت ان الامر شنيع واعتقدت انه لم يكن له مبرر لكنني تعهدت بخدمة هذا البلد كنائب للرئيس) . وعلى الرغم من ان كلينتون عرف ان جور عليه ان يفعل شيئا من هذا القبيل, إلا ان اصدقاء الرئيس الامريكي يقولون انه صعق من قسوة الكلمات التي تلفظ بها جور وخاصة من كلمتي (شنيع) و(لامبرر له) وبالطبع فإن كلينتون جلب الاستنكار على نفسه بتمسكه الشديد بجور في هذه اللحظة التاريخية, التي واجه خلالها الخطر. وفي اليوم الذي جرى التصويت على عزله, فوض كلينتون لجور مهمة الاشراف على التجمع الصاخب الصغير في ساوث لون الذي اصر فيه جور على ان تصويت مجلس النواب على عزل الرئيس (يلحق ضررا بالغا برجل اعتقد انه سيعتبر في كتب التاريخ واحدا من اعظم رؤسائنا) . ولم يكن جور يساعد الموقف عندما قال ذلك ايضا. فقد كان يقرأ خطابا. وتؤكد هذه الصفعة المتعلقة باجراءات العزل على توتر آخر يفرض حضوره في اي وقت يحاول نواب الرؤساء فيه ان يستقلوا بشخصيتهم: فهم يحتاجون في الاساس لمساعدة بسيطة من قبل الزعيم الكبير. والرؤساء المغادرون لا يكونون دائما متلهفين لتقديمها. ففرص انتخاب نائب الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1960 على سبيل المثال لم تحظ بالدعم عندما سئل الرئيس دوايت ايزنهاور من قبل الصحافيين ان يذكر مساهمة قدمها نيكسون لادارته. قال ايزنهاور انه اذا منح (اسبوعا) فسوف يتوصل الى مساهمة من هذا النوع. واسهل انتقال للسلطة على الاقل في العصر الحديث, حدث عندما خلف جورج بوش رونالد ريجان. فقد قام ريجان بحملات انتخابية من دون توقف لصالح بوش, وعلى الرغم من ان الديمقراطيين حاولوا ان يثيروا مسألة خلاف من فضيحة الكونترا العالقة, الا ان ذلك لم يكن موضع خلاف بين الرجلين. وكانت محاولات بوش التي تهدف لأن يبدو مستقلا دقيقة وليست دراماتيكية. وتألفت محاولاته في الاساس من استخدام العبارات (ألطف وارق) في خطبه بدءا بخطاب اعتماده في مؤتمر الحزب الجمهوري في نيو اورليانز. وليس هناك دليل على ان هذه اللطافة قد ازعجت ريجان على الاطلاق. غير ان نانسي ريجان كانت داهية بما فيه الكفاية وحمائية بما فيه الكفاية ـ لطرح هذا السؤال الغاضب على الاصدقاء: (ألطف وارق ممن؟) . واذا كان ريجان اسهل الرؤساء في ان يلين نائبه, فإن ليندون جونسون كان الاصعب بلا شك فقبل شهر من انتخابات عام 1968, وبعد بضعة اسابيع من قيام همفري بشكل بليغ بتفسير معضلته للصحافيين, اختلف نائب الرئيس اخيرا مع جونسون حول فيتنام. وقبل ان يلقي بيانه في خطاب متلفز من سولت ليك سيتي, اتصل همفري بالرئيس ليخبره بما سيفعله. ولم ينس اصدقاء همفري ابدا ما قاله ليندون جونسون لنائبه: (هيوبرت اذا القيت ذلك الخطاب فستكون قد ارتكبت حماقة) . لقد ألقى خطابه وكان بالفعل احمق ويؤكد ال آيزيل, الذي كتب سيرة حياة همفري والذي عمل فيما بعد سكرتيرا صحفيا لنائب الرئيس والتر مونديل ـ يؤكد حتى هذا اليوم ان ليندون جونسون لم يعمل خلف الكواليس لصالح دعم همفري في تكساس وهي ولاية نجح فيها نيكسون في نوفمبر. يقول آيزيل اليوم ان (همفري كان في وضع لا يطاق, مع الاخذ بعين الاعتبار الشخص الذي عمل من اجله والمسألة ذات الصلة. فلم يكن لديه متسع من الوقت. والحرب كانت تستحوذ على الاهتمام الكامل لجونسون) . يعتبر آل جور اوفر حظا. فالموقع الذي يشغله يكمن في مكان ما بين موقعي همفري وبوش. وبالتأكيد فإن لدى كلينتون فتاة شابة كما كان لدى جونسون. لكن كلينتون يبدو مستعدا لدعم جور بالطريقة التي ساعد فيها ريجان بوش. وحتى الآن, فإن كلينتون يلعب الدور بشكل صحيح. فقد شجع كلينتون جور على نقل مقر حملته الى ناشفيل.. لترك العش كما ينبغي ـ وعندما هددت مشكلة إليان بالحاق الضرر بجور, مضى كلينتون الى ما هو ابعد من نداء الواجب. في السادس من ابريل الماضي, وفي مقابلة في البيت الابيض اشار منسق الاخبار في محطة سي بي اس الامريكية, دان راذر, الى ان عضوا مجهولا في طاقم جور نقل عنه قوله ان نقل نائب الرئيس لمقر حملته كان (قرارا سياسيا) واضاف ان جور لم يكن مستعدا (لان ينتحر) من اجل كلينتون. رد كلينتون على ذلك بالكشف عن ان جور كان قد اعرب عن هواجسه حيال سياسات الادارة في قضية إليان جونزاليس منذ البداية. وقال كلينتون: (قال لي على انفراد انه كان مشوشا حول هذه العملية وما اذا كانت ستؤول بشكل كاف لصالح هذا الشاب. هذا ما اخبرني به قبل وقت طويل على انفراد تام, وقبل وقت طويل من تفوهه بأي شيء علنا عن ذلك) . وقام كلينتون ايضا بتحريف اقتباس (السيف) قائلا: (ربما كان يعني انت تعلم ان السقوط على سيفك تعني احيانا ان عليك ان تتفق في الرأي مع الرئيس سواء كنت توافقه الرأي ام لا. وذلك هو ما يفعله نواب الرئيس عندما لا يكونون مرشحين مستقلين. وحيث انني لا اعتقد انه يتفق معي, ونظرا لانه مرشح للرئاسة, فلا اعتقد ان عليه ان يخفي خلافا صريحا) . بل ان كلينتون قدم الحماية لجور عندما صرح المدعي العام المستقل الجديد روبرت راي في منتصف ابريل بأنه يدرس مقاضاة الرئيس بعد تركه لمنصبه. هل يعد جور بمسامحة كلينتون ويتجرع مرارة الهزيمة, كما فعل جيرالد فورد بعد ان سامح ريتشارد نيكسون؟ وسارع كلينتون الى القول بأنه لا يطلب من جور او اي شخص آخر السماح ,ولا يريد ذلك. وقال كلينتون لدان راذر: (لا اعتقد ان عليه ان ينتحر من اجلي. فهو هناك الآن يطرح قضية امام الشعب الامريكي) . يمكنك, تقريبا, سماع تنهدات الارتياح من قبل انصار جور مع انهم يعرفون ان رجلهم سيظل على حبل البهلوان المشدود بدون شبكة نجاة حتى نوفمبر المقبل. عن (جورج) ترجمة: ضرار عمير