البندقية في اليمن ليست وسيلة للقتل فقط ـ الوظيفة الاستخدامية الاولى, انما سخرت في التمايز الاجتماعي بين الفئات والشرائح الداخلة في التركيبة اليمنية, حشرت في سوق العرض والطلب فراجت تجارتها مع مر الايام, غيرت في عادات المجتمع وتقاليده فاصبحت جزءا رئيسيا من الظاهرة اليمنية المتميزة. البندقية اثار دخولها لليمن قبل خمسة قرون جدلا فقهيا دام سنوات طويلة, ادرجها البعض في قائمة المحرمات, فيما رأى البعض الاخر انها مشروعة لمكافحة الكفار, اختلف الناس حولها منهم من يقول انها سلاح الجبناء فيما يقول الآخرون ان البندقية للشجعان. يرى المؤرخون ان البندق دخل اليمن اثناء الغزو العثماني الاول وتحديدا في العام 931 هـ 1515م, حيث ادخل الاتراك البندق في بادىء الامر الى المناطق الشمالية ثم الى المناطق اليمنية الاخرى عن طريق جيوشهم المدججة بمختلف الاسلحة المعروفة في ذاك الوقت. وكان لدخول البندق المعروف بالرومي (ابو فتيلة) والافرنجي (السسنحانة) اثره الاجتماعي البارز على اليمنيين, ويشير المؤرخ المشهور عبدالله محيرز في دراساته الى ان دخول البندق اثار الرعب والخوف بين اوساط السكان, وادخل اليمن في مرحلة جديدة من الجدل الفكري والفقهي وبقي الناس يتساءلون هل البندق (الاختراع) الجديد الوافد (حلال ام حرام؟) وانشغل اليمنيون بامر الاختراع طويلا طالبين من أولياء الامر فتوى شرعية دينية حول استخدامه, وتم الاقرار باستخدام البندق كونه آلة من آلات الحرب التي يمكن للمسلم ان يستخدمها لدفع الضرب عنه ومجاهدة الكفار به, واجازة تحليته للمجاهدين فقط او لغرض ارهاب العدو. وعقب هذا الاقرار بدأ السكان يتساءلون حول امور عديدة متصلة بالبندق, ومنها هل التمرن او التدرب باطلاق العيارات النارية الى الهواء او الصفا حلال ام حرام؟ وهل هو شكل من اشكال التبذير ام لا؟ واجاز نفيس الاسلام ومفتي الانام سليمان بن عمر مقبول الاهدل اطلاق العيارات النارية اذا كان لغرض التمرين والتدريب. الا ان هذه الفتوى قد وجدت رفضا قاطعا من السادة العلويين الشريحة الاجتماعية الاولى في اليمن حسب الترتيب التقليدي للشرائح على اعتبار انهم اهل العلم والدراية لامور الدين والفقه وليسوا اهل حرب, ومنهم علويو حضرموت الذين ما لبثوا ان قبلوا بالفتوى عام 1805م واصبح بعضهم يفضلون حمل البندقية. شجاعة وجبن ومن القضايا الخلافية الاخرى التي استجدت عقب دخول البندق اليمن, موقف الناس من استخدام البندقية, فمنهم من رأى ان البندق سلاح الشجعان كالسيف الذي يعتمد عليه في الكر والفر والمواجهة, فيما رأى الفريق الآخر ان البندق سلاح الجبناء فالرمية به تتم من خلف الستاير والحواجز, وهذه اعادة (حسب قول الفريق) تخالف ما جبل عليه اليمنيون من الشجاعة والاقدام الا ان انصار هذا الفريق فضلوا استخدام البندق في حال المواجهة والالتحام مع العدو. ورافق هذا الجدل الفكري والفقهي, ظهور اعراف اجتماعية متعلقة بالوافد الجديد ـ البندق ـ ومن يحق له بحمله على ضوء نظام يميز حامل البندقية من غيره من فئات وطبقات المجتمع, قال المؤرخ محيرز على ضوء هذه الاعراف, فقد تسلمت القبائل المحاربة بالبندقية وكذا الجند التابعين للمشيخات والامارات البالغة انذاك اكثر من 20 امارة ومشيخة, كما منع حمله او استخدامه من قبل الشرائح الاجتماعية الاخرى كالتجار والفلاحين والصيادين, في حين اختار عدم حمله العلماء والفقهاء وسكان القرى واغلب علويي حضرموت .. ومع مرور الزمن اصبح هذا التقسيم الاجتماعي للفئات المسموح لها بحمل البندقية في حكم الامس بعد ان توسعت تجارة السلاح في اليمن واستفحال ظاهرة التهريب وتلاشي الفوارق الطبيعية بين افراد المجتمع, بذلك اصبح البندق والسلاح بشكل عام في متناول الجميع ممن لديه القدرة المالية على الشراء والراغب في حيازته. واستدعى دخول البندقية الى اليمن ظهور شكل جديد للزي الشعبي, فاصبح الرجل اليمني يضيف البندق الى جانب (الجنبية) (خنجر) ويترك مساحة في جزئه العلوي لوضع حزام الذخيرة الرصاص والمتطلبات الاخرى للعدة, وبذلك اصبحت البندقية مكونا رئيسيا من مكونات الشخصية الخارجية للانسان اليمني وجزءا هاما في الزي التقليدي الشعبي للرجل اليمني في المدن والارياف, وتزداد هذه الظاهرة انتشارا في المناسبات والاعياد الدينية والوطنية. ومن اضافات البندقية الى الحياة الاجتماعية في اليمن دخولها الى المناسبات الفرائحية, حيث ان معظم اليمنيين يستخدمون البندقية ويطلقون الاعيرة النارية منها للتعبير عن فرحتهم في الاعراس او المناسبات السعيدة الاخرى كارتزاقهم بمولود جديد, كما يطلق اليمني (المعظم) الاعيرة من بندقيته الى الجو عقب فض بكارة عروسته ليلة الزفاف, وايضا يطلق (يعشر) اثناء استقباله لوفود المهنئين او غيرهم من القادمين اليه اكانوا بغرض الصلح في قضية ما او بغرض طلب الزواج. كما يعد البندق شكلا من اشكال المسابقات والمنافسات بين الرماة, فالجميع يتبارون على الرماية فيما بينهم, حيث من يجيد الرماية يحظى بشهرة واسعة واحترام وتقدير من افراد عشيرته وقبيلته وعادة الرماية دائما ما تجري في الارياف والمناطق النائية والمواقع الخالية من السكان, حفاظا على حياة الناس وتجنبا لاي ارباك قد يحصل اثناء الرماية. الصبيحة وبنو مروان وكان للبندق اثره على الاتصال التجاري بين اليمنيين وتجار السلاح الاجانب من فرنسيين وانجليز وغيرهم, وبرزت خلال هذا الاتصال اعمال تهريب السلاح الى داخل اليمن عن طريق البر والبحر, وقد اشتهرت قبائل يمنية عدة بالتهريب ومنها قبيلة الصبيحة بحكم موقعها الجغرافي الهام بين الشمال والجنوب اثناء الاحتلال البريطاني لعدن والتركي والحكم الامامي للشمال, وذكر المؤرخون ان قبائل الصبيحة المشهورة بالشجاعة والاقدام قد عملت بالتهريب منذ عقود طويلة وبدأت بتهريب البندق خاصة والسلاح عامة وتحديدا انواع البنادق المساماة بـ (الفرنساوي) و (الريفل) و (الميزر) و (الكندا) , منذ بداية العقد التاسع للقرن التاسع عشر من عدة منافذ للتهريب تقع على الساحل اليمني في البحر الاحمر وخليج عدن واشهرها رأس العارة, وعمد سلطان لحج آنذاك على تصدير السلاح الى الائمة في الشمال وبتشجيع من الحكومة البريطانية بغرض اضعاف العثمانيين من ناحية وزيادة موارده المالية من ناحية اخرى. كما اشتهرت قبيلة (بنو مروان) الواقعة في الشمال في عملية تهريب السلاح, وغدت المروجة الرئيسية للبندق في كافة المناطق الشمالية والغربية, واصبحت ايضا بحكم ارتباطها الوثيق بتجار السلاح الاجانب ـ المتحكمة الرئيسية لتجارة السلاح في اليمن بعد هزيمة العثمانيين في الشمال وتشديد الخناق على قبيلة الصبيحة من قبل الاستعمار البريطاني في الجنوب. الى جانب الاتجار بالسلاح وبروز ظاهرة التهريب, ادى دخول البندق الى اليمن الى ظهور فئة اجتماعية جديدة تعمل في صناعة الاسلحة, يقول المؤرخ عبدالله محيرز لقد صنع اليمنيون البندق (ابو فتيلة) واشتهر منها انواع عدة كاليافعي واشهرها عامة (الزبيدي) الذي كان متفوقا على البندق (الرومي) ذاته, فهو الزبيدي, لا ينفض حتى وان تم مضاعفة حشو البارود فيه, واشتهر اليمنيون بصنع البارود وتحديدا الجيد منه والرديء وتصنيف مقاييسه كأهل يافع وزبيد وشرعب واهالي حضرموت. صنعاء ـ محمد الطويل