بعد اربعة عقود من حصول الجزائر على استقلالها عن فرنسا يسعى قادة البلدين على جانبي البحر المتوسط جاهدين الى اغلاق فصل مؤلم شهد سقوط مئات الالاف من القتلى. وبعثت زيارة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الى باريس الاسبوع الماضي، امالا في علاقة جديدة. ورحبت فرنسا به ترحيبا حارا واستخدم هو كل ما لديه من جاذبية وحصافة للتمهيد لما سماه التئام شمل الاصدقاء. لكن حتى زيارة ناجحة وهي الزيارة الثانية التي يقوم بها رئيس جزائري منذ الاستقلال عام 1962 لا تستطيع ان تداوي كل الجراح او تمحو ذكريات الماضي المؤلمة لدى كل من البلدين. وتتضاعف صعوبة المهمة بفعل مشاعر استياء اخرى معاصرة ومرتبطة بحملة الاجراءات الصارمة في الجزائر على اسلاميين متشددين خلال التسعينيات مما زاد من التوترات المتخلفة عن حرب الاستقلال الجزائرية الدامية من عام 1954 الى 1962. وتساءلت امس صحيفة (فرانس سوار) الشعبية في عنوان رئيسي قائلة (الجزائر هل يجب ان نطلب الصفح؟ من الواضح ان بوتفليقة يعتقد ذلك) , وفي خطاب بالغ الاهمية امام الجمعية الوطنية دعا بوتفليقة فرنسا الى تقديم نوع من الاعتذار كالذي قدمته الحكومة وتنظيمات فرنسية اخرى لليهود عن دور فرنسا في جرائم النازي ضدهم. وقال الدين المعنوي الثقيل للقوى الاستعمارية السابقة حيال مستعمراتها السابقة يتجاوز اي حدود واضعا الاستعمار على نفس مستوى جرائم النازي والجرائم الاخرى ضد الانسانية. وطلب من فرنسا ان تراجع الكتب المدرسية وتكشف الحقيقة الكاملة بشأن حرب الاستقلال التي تقول الجزائر انها كلفتها مليون قتيل. لكن الاستياء مازال شديدا على الجانب الفرنسي ايضا وقاطع بعض النواب المحافظين خطاب بوتفليقة مستذكرين مصير مليون مستوطن فروا الى فرنسا وعدد غير معروف من الجزائريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي وتعرضوا لمذابح بعد انسحاب فرنسا. وابلغ بوتفليقة التلفزيون الفرنسي امس الاول ان الرأي العام الجزائري لن يسمح بعودة الباقين على قيد الحياة من هؤلاء الجزائريين لزيارة الجزائر لكن باستطاعة ابنائهم المجيء. حتى غصن الزيتون الذي لوح به بوتفليقة للمستوطنين الفرنسيين السابقين كان مليئا ببضعة اشواك وعندما دعاهم الى زيارة الجزائر قال اذا ارادوا المجيء لغزو الجزائر من جديد فلن يكونوا محل ترحيب. واضاف ان الجزائر سترفض ان يزورها اعضاء سابقون في منظمة الجيش السري التي شنت حملات اغتيال جماعي دموية وقتلت الافا من الجزائريين في محاولتها للابقاء على الطابع الفرنسي للبلاد. وقال بوتفليقة ايضا ان الصحفيين الذين يصرون على انتقاد بلاده بغير اساس لن يسمح لهم بالدخول. ويفضل الجنرال الفرنسي المتقاعد مارسيل بيجار الذي تركت قواته المحمولة جوا ذكريات مريرة للتعذيب خلال معركة العاصمة الجزائرية رسم خط فاصل بين الحاضر والماضي وصنع بداية جديدة. وقال المهم هو الغد لا يمكننا العيش في الماضي ارتكبت اخطاء على الجانبين. الجزائريون ايضا قتلوا فرنسيين. ويعتقد الفيلسوف الفرنسي هنري برنار ليفي ان الماضي يجب ان ينقى اولا وقال ان حرب الجزائر مازالت اخر المحظورات الباقية لدى فرنسا بعد ان قبلت بعد عقود من الحرب العالمية الثانية ان تكشف عن تعاونها مع المحتلين النازيين. واضاف اي دولة تصبح مواكبة للعصر عندما تتحمل عبء ماضيها وتقبل الاعتراف بأمور تركت في الظلال المصالحة لا تكون ممكنة ما لم ينجز هذا العمل المتعمق. واعرب عن امله ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي خدم كضابط جيش في الجزائر سيتابع مطالب بوتفليقة للنظر في الماضي. لكن الصراع المدني الجزائري الذي اسفر عن مقتل نحو 100 الف شخص في السنوات الثماني الماضية اضاف بعدا جديدا الى العلاقات الفرنسية الجزائرية. وتطالب جماعات حقوق الانسان ان تكشف الجزائر ايضا عن مصير اكثر من 4000 جزائري اختفوا بعد اعتقالهم للاشتباه بانهم متمردون اسلاميون. رويترز