رياض نعسان آغا وجه تلفزيوني سوري ارتبط بذاكرة المثقفين العرب في الثمانينيات, لكن المفاجأة كانت ظهوره مؤخرا بصفة مدير المكتب السياسي للرئيس السوري الراحل.. ويقول في حوار مطول مع (البيان) ان الشعب السوري اختار الفريق بشار الأسد رئيسا مرتقبا، كونه سر أبيه الذي يؤكد انه لن يفرط بحبة تراب من الأرض السورية المحتلة وسيرفض ترك الحبل على الغارب في الشأن الداخلي واتباع نماذج الديمقراطية الغربية. * لعل السؤال الأكثر إلحاحاً الآن يتعلق بمستقبل سوريا في ظل قيادتها الجديدة, أي في ظل حكم الدكتور بشار الأسد. ـ ما دعا شعبنا لهذا الالتفاف الكبير حول الدكتور بشار الاسد, هو الرغبة في استمرار النهج الذي رسمه الراحل حافظ الأسد.. وضمانة هذا الاستمرار هو ان يكون الدكتور بشار الأمين على هذه الثوابت والاهداف التي ناضلنا من اجلها نصف قرن.. وحققنا خلاله الكثير على كل الاصعدة. والشعب السوري يحرص من خلال هذه الوحدة الوطنية التي تجلت في اروع معانيها ان تظل دمشق الأمين الحافظ للحقوق العربية, والقلعة التي تتكسر عليها رماح الاعداء. * لعلك تشير هنا الى علاقة الحكم الجديد بعملية السلام.. هناك من يرى ان شيئا ما سيتغير على الاقل.. على مستوى الشكل.. فما رأيك؟ ـ الواضح تماما لكل مواطن سوري ان الرئيس القادم الفريق بشار الاسد سيمضي على نهج والده في الحفاظ على الثوابت.. وهذه الثوابت ليست ملكا لأحد يتصرف فيها, وهي استعادة الاراضي العربية المحتلة وعودة الحق الى اصحابه كاملا.. وهو حق للشعب وللأمة, وقد بذلنا الكثير من التضحيات لاستعادته بوجه مشرف.. ومن هنا أؤكد لك انه لن يتم التنازل قيراطا عن هذا الحق.. وقد أعلنا اننا قبلنا الدخول الى عملية السلام ضمن اسس الشرعية الدولية التي اقرت حق العرب وحق سوريا. واسرائيل عندما دخلت عملية السلام دخلتها ايضا على اساس ما يسمى الآن بمرجعية مدريد.. اي على قاعدة الارض مقابل السلام.. وعندما نقدم السلام فإننا نكون قد دفعنا ثمنا كبيرا.. واذا احب احد استعمال لفظ (الورقة) فإن ورقتنا هي استعدادنا لاعطاء اسرائيل كل ما يستلزمه السلام بعد ان تعيد الينا حقوقنا.. ضمن هذا فقط نفهم استمرار عملية السلام. * هل هذا ما قاله الدكتور بشار الى وزيرة الخارجية الأمريكية عندما التقيا في تشييع جنازة الرئيس الراحل؟ ـ قال الدكتور بشار الاسد للرئيس كلينتون انه ملتزم بما التزم به والده الراحل, وقال لأولبرايت انه مستعد لمتابعة عملية السلام ضمن الثوابت التي اصبحت معروفة جيدا لدى الادارة الامريكية وحتى في اسرائيل. * على المستوى الداخلي, رأينا بصمات الدكتور بشار في ملف (الأيادي النظيفة) أي دور كان له في فتح ملفات الفساد والى أي مدى سيتواصل ذلك؟ ـ لابد من التأكيد ان الأمر بمكافحة الفساد ليس جديدا, فالرئيس الراحل كان دائما يصدر تعليمات للجهات المعنية لمكافحة الفساد.. وقد رأى الشعب السوري كيف تعاملت القيادة السورية مع المقصرين, فهناك وزراء دخلوا الى السجون في الثمانينيات.. وحاكمهم مجلس الشعب, وفرق التفتيش ما انفكت تلاحق المقصرين باستمرار. في الآونة الأخيرة عندما بدأت الولاية الدستورية الخامسة للرئيس حافظ الأسد, ألقى خطابا منهجيا في مجلس الشعب كانت فيه دعوة صريحة لمعالجة مظاهر الفساد.. ويعلم الجميع ان الفساد ظاهرة عالمية, وقد بلغ هذا الحد من الخطر على جميع الدول بسبب معطيات جديدة ظهرت في العالم, حيث طغت القيم المادية على القيم الاخلاقية, وتدافع الناس على جمع الاموال من حلال ومن حرام. لذلك وعى الرئيس الراحل لخطورة ما يحدث, وكان الدكتور بشار الأسد شخصيا يشرف معه على اظهار رغبة الشارع السوري في معالجة اسباب الفساد (أي بسد الذرائع) على اساس سد منابع الفساد. * ظهور الرئيس عرفات في جنازة الرئيس الراحل حافظ الأسد, أثار الانتباه.. هل تعتقد ان هناك صفحة جديدة سيتم فتحها بين القيادة السورية وبين القيادة الفلسطينية بعد طول جفاء؟ ـ أولا زيارة الرئيس عرفات الى سوريا جاء ضمن التقاليد العربية العريقة.. فالعرب يتسامون فوق الخلافات عند الملمات والفواجع, ولكن يجب الا نبالغ في القراءات السياسية للمشاركات الوجدانية. نحن لم نكن على خلاف مع عرفات لشأن شخصي, فقد كانت لنا وجهة نظر مختلفة حول اتفاقيات أوسلو التي كان الرئيس الراحل يعتقد انها لن تحقق طموحات وآمال الشعب الفلسطيني.. ومع ذلك, فإن الرئيس الأسد, لم يعكر على الاخوة الفلسطينيين حرية خيارهم.. ولم يتدخل لإعاقة ما تمضي اليه السلطة الفلسطينية رغم الاعتقاد بأنها كانت وجهة خاطئة. وبالتالي لابد من الذكر بأن دمشق بابها مفتوح دائما.. لكن استقبال عرفات في دمشق لا يعني التنازل عن قناعاتنا ونحن نتمنى على الاخوة المسئولين في السلطة الفلسطينية ان يعملوا على لم الشمل الفلسطيني.. فالوحدة قوة للمفاوض الفلسطيني, ولابد ان ما حدث منذ اتفاقيات اوسلو الى هذه اللحظة درس للجميع, وليت العرب استمعوا الى نصيحة الراحل حافظ الاسد منذ نهاية حرب اكتوبر, وذهبوا وفدا واحدا للتفاوض حول السلام, لكانوا نالوا ما يريدون. * ذكرت ان من التقاليد العربية.. التسامي فوق الخلافات في مثل هذه الملمات والفواجع.. لكن ذلك لم نره في سوريا والدكتور رفعت الأسد الذي تم تهديده بالاعتقال إن هو جاء للمشاركة في تشييع جثمان شقيقه؟ ـ الدكتور رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل, وكان يشغل منصب نائب الرئيس.. وقد صبر المرحوم صبرا لا يوصف على شقيقه قبل ان يرى من الصائب الطلب منه مغادرة البلاد تقديرا لدوافع الاخوة, ولرابطة الدم, رغم ان الدكتور رفعت الاسد كان قد هدد حكم أخيه ابان مرضه. وعندما توفيت والدتهما, حضر الدكتور رفعت لتشييع جنازة أمه.. وتكرر الأمر عندما توفي باسل الأسد. أما الذي حدث هذه المرة, فلعله مرتبط بطبيعة الموقف الذي اتخذه الدكتور رفعت من الفريق بشار الأسد. * حسنا.. هدد الدكتور رفعت الأسد.. بحركة تصحيحية جديدة في سوريا بعد (طعن الدستور) على حسب تعبيره.. ما مدى القاعدة الشعبية التي يتحرك عليها الشقيق) ؟ وهل انتهى دوره فعلا من الساحة السياسية السورية؟ ـ لا يوجد من شرعية شعبية في سوريا الآن سوى شرعية الدكتور بشار الاسد.. وقبلها شرعية الرئيس حافظ الأسد.. وقبل ان يغادرنا الراحل, ترك لنا دستورا ومؤسسات قامت بما عليها من واجب ضمن الدستور.. وهنا أود التأكيد على ان الرئيس الراحل لم يترك وصية تختص الدكتور بشار بأن يكون وليا لعهده, ولا يوجد أي أمر أو حتى أي تصريح يطلب نقل الحكم لابنه من بعده, وعندما توفي الرئيس كان الدكتور بشار ضابطا في الحرس الجمهوري, والمهمة الوحيدة التي كان يشغلها بالاضافة الى انه ضابط, انه كان يعمل ضمن اطار التقدم الاجتماعي في جمعية المعلومات السورية.. هكذا كان الأمر.. والدستور في مادته الثامنة يقول إن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الذي يقود الدولة والمجتمع.. ومعنى هذا ان سوريا لا تعاني من فراغ دستوري في صورة رحيل الأسد.. هنا اجتمعت القيادة القُطرية للحزب, ومثلت امامها الارادة الشعبية الواضحة في الشارع, التي صرخت في الشوارع (بالروح بالدم نفديك يا بشار) ولذلك ترى ان عبدالحليم خدام الذي يمنحه الدستور حق قيادة البلاد بعد رحيل الرئيس, هو الذي اتخذ القرار بصلاحياته الدستورية بأن يرفع الدكتور بشار من رتبة عقيد الى رتبة فريق, وكذلك مارس مجلس الشعب صلاحياته الدستورية بتخفيض سن الرئاسة الى الرابعة والثلاثين لتحقيق الرغبة الشعبية الجامحة. يعني ان كل ما جرى كان دستوريا لا لبس عليه, وهو نابع من ارادة شعبية عارمة رآها العالم على شاشات التلفزيون. لكن البعض استغرب هذا الاسراع.. وهنا أقول ان الوضع كان يقتضي منا تسريع الاجراءات للحفاظ على الاستقرار في بلادنا. * هل أنت بصدد رسم خطوط الانفتاح التي يبشر بها الرئيس المقبل الدكتور بشار الأسد؟ ـ بكل تأكيد سوف تشهد المرحلة المقبلة انفتاحا سياسيا أكبر.. وسوف يتربع ذلك على مستوى الاعلام الذي ستصبح فيه مساحة أوفر للرأي الآخر.. وكذلك عمل الاحزاب السياسية.. لكن كما أسلفت, فإننا لن نترك الحبل على الغارب.. فأقل ما يمكن ان تأتي به ديمقراطية مستوردة على النمط الغربي.. طابور خامس اسرائيلي قد يصل الى مجلس الشعب.. هذا أمر لا نريده.. نحن نريد قائدا يعرف كيف يقود شعبه بأمان.. ولعلك تعرف ان الانفراد بالقيادة في بعض الاوقات يأتي منها القرار الصائب.. لنفرض اننا في طائرة, وبدأنا نواجه رياحا عاتية, هل نسمح لكل راكب ان يفتي في الأمر؟! فكل قوانين الدنيا تمنح (كابتن) الطائرة حرية اتخاذ القرار في الوقت المناسب.. اذن لابد من رجل واحد قوي ولو لم يكن ذلك موجودا في سوريا, ما استطاعت تحقيق هذا الصمود طوال هذا الوقت. هذا لا يعني ان الرئيس كان يعمل في فراغ.. كانت الى جواره قيادة الحزب.. وكان معه مجلس الشعب, ولم يتخذ ابدا قرارا بمعزل عن الاستشارة الواسعة. أما الآن, فسوريا مع الدكتور بشار تمضي الى المستقبل.. ورغم ثباته على نهج والده, الا انه يمضي نحو زمن غير زمن والده.. وكان الإمام علي كرم الله وجهه يقول: (ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم) .. وزمان الدكتور بشار فيه معطيات جديدة لم تكن موجودة في عهد الراحل.. فعندما تسلم حافظ الأسد السلطة, كان العالم يعيش تحت قطبين. الآن هناك شيء آخر مختلف.. والدكتور بشار يدرك هذا الاختلاف وينسجم معه فيما يخدم مصلحة الوطن. الدوحة ـ البيان ، أجرى الحوار: فيصل البعطوط