ما من شك او مواربة او محاباة ان وفاة الاسد المفاجئة وغير المحسوبة, قد احدثت حالة من الفراغ السياسي على المستوى الاقليمي خاص ةان العملية السلمية المتوقفة كانت تنتظر جملة من المتغيرات من قبل الطرف الاخر, نزولا عند الموقف المتشدد المستند الى اساس ايديولوجي والذي اتخذه الرئيس الاسد من قضية الارض منذ اطلاق هذه ولعل المراهنات الكثيرة التي كانت تطلقها الدوائر السياسية والاعلامية على تراجع الرئيس الاسد عن ثبات موقفه انطلاقا من عامل الوقت, خاصة الغربية منها, قد منيت جميعها بالفشل وتحطمت عند الموقف الثابت الذي لم يتزحزح قيد انملة في تقديم اي تنازل رغم الضغوط الامريكية الهائلة والاختلال الحاصل في موازين القوى على المستوى الدولي من جهة, والرشا التي كانت تقدم من جهة ثانية. الا ان مايهمني في هذا المقام القول ان الاسد منذ وقد مبكر قد ارسى اسسا سياسية في سوريا, لا يمكن لاحد التنصل منها بسهولة فقد بدأ الرئيس الاسد منذ مدة لا يستهان بها في ارساء مجموعة على ضوء التغيرات الحاصلة في المنطقة والعالم, من القيم السياسية على المستويين الداخلي والاقليمي. وقد ظهرت هذه المواقف والمتغيرات من خلال الملفات الساخنة التي تسلمها الدكتور بشار الاسد بشكل فعلي, وكان اهمها الملف الداخلي الذي يزخر بالكثير من الاعباء بسبب الاجهزة البيروقراطية المترهلة, وما يلفها من قضايا فساد اداري, وقد اخذ على عاتقه الاسد الابن السير بشكل حثيث ومن خلال اجندة منتظمة ومنضبطة في ذات الوقت, لملاحقة هؤلاء بغض النظر عن المراكز الادارية والسياسية التي يشغلها البعض ممن لهم صلة بملف الفساد. ملفات شائكة ولعل ما حدث قبل رحيل الرئيس الاسد قد طال اعلى رجالات السلطة, وان برنامج المحاسبة لم يستثن فئة او شريحة او منصبا سياسيا دون اخر, وبات هذا الملف مفتوحا على مصراعيه, دون توقف عند حدث جلل كوفاة الرئيس الاسد, وان ما تشيعه بعض وسائل الاعلام على خلفية الحدث المفاجىء في سوريا عن اقفال ملف الفساد والمحاسبة ليس سوى مجرد تكهنات لا يوجد لها ما يدعمها او يبررها على ارض الواقع, وان برنامج المحاسبة والاصلاحات الداخلية هو احد المهام الاساسية الملقاة على كاهل الدكتور بشار الاسد والذي ارتضى لنفسه وبإرادة حرة السير في هذه العملية الى نهاية المطاف, وان التوقف عن هذه العملية جاء استراحة محارب بسبب الوفاة المفاجئة للرئيس الاسد, وانه لا يرى بديلا من اجل النهوض على المستوى الداخلي من التنظيف الاداري المالي الذي كان فيما مضى مؤجلا بسبب القضايا الخارجية الضاغطة التي كانت تحول دون فتح هذا الملف الشائك على المستوى الداخلي. لكن بالمقابل لم يفتح هذا الملف من قبل الدكتور بشار وطاقمه الاداري التنظيمي من البداية الا بتوجيهات الرئيس الراحل, الذي وجد ان عملية التأجيل قد تخفف من النتائج الايجابية المرجوة لعملية التنظيف الجارية, وخاصة ان سوريا تشهد انطلاقة جديدة على كافة الاصعدة بغية مجاراة المتغيرات الدولية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتقني الفني والذي تمثل في استحضار تكنولوجيا المعلوماتية واطلاق صرخة العصرنة, بالاضافة الى ان تعديل القوانين جاء ليواكب هذا التوجه الذي اشرف عليه كما اسلفنا القول الدكتور بشار منذ انطلاقته الاولى وهذه القوانين التي وقعها الرئيس الاسد قبل رحيله باكثر من شهرين, رسمت السياسة السورية على المستوي الداخلي بما يتوافق والتطور العالمي الحاصل بهدف الدخول في عالم العولمة الداهم الذي لا ينتظر احدا. اما في ما يخص المحيط الاقليمي فقد ترك الرئيس الاسد ومن خلال سياسته المتوازنة التي اختطها في اكثر الظروف صعوبة, والذي ترك بصمات سني حكمه الثلاثين عليها, ارثا يصعب على اي طرف سيتسلم مقاليد الحكم في سوريا القفز عنها او تجاوزها, خاصة وان سوريا قد اكتسبت هويتها من خلال هذه السياسة المتأنية التي رسمها المرحوم الاسد, والتي انطلقت من فعل خلق حالة من التوزان بين ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي ( المتحيز له بكب وضوح) والمعسكر الغربي الذي يحمل له الكثير من الانتقادات لكنه يحاول الاستفادة منه وعدم تكتيله ضد مواقفه السياسية الهادفة الى فض العزلة التي كانت الولايات المتحدة تسعى من خلالها لتطويق سوريا وتأثيرها السياسي على محيطها الاقليمي. وعلى ما يبدو ان الدكتور بشار قد اخذ الدرس من مدرسة والده, وكانت اولى هذه المؤشرات الزيارة التاريخية التي قام بها الى فرنسا, والتي استقبل من خلالها من اعلى قمة الهرم السياسي الفرنسي, وان الايام القادمة ستشهد فيها حركة الدبلوماسية السورية نشاطا اكثر في استحضار البعد الاوروبي في كل ما يخص المنطقة وعملية السلام المتوقفة على المسار السوري راهنا, خاصة فرنسا, التي تعي سوريا بمؤسساتها السياسية انها الاحوج لعلاقة متميزة مع اقليم بلاد الشام وبالاخص سوريا, التي تمتلك الجغرافيا والتأثير السياسي الاوسع والاشمل, بالاضافة الى ان السياسة السورية المقبلة ستبقى على شعار السلام العادل مقابل الانسحاب الشامل, الذي خفف من وطأة الشروط الامريكية الضاغطة, بل ان خلق حالة من الحرج ايضا لصانعي القرار السياسي في البيت الابيض المتحيز لاسرائيل وبصورة علنية, وان القيادة السورية المقبلة لن تتقدم ابدا بأية مشاريع او مبادرات في خصوص التسوية السلمية المتوقفة, وستنتظر الطرف الامريكي كراعى لعملية السلام انه يتقدم بمبادرة جديدة يتجاوز بها مطالب جنيف, التي لم تلق عند الاسد الاب آذانا صاغية, بل بالعكس بحد ذاتها لن يغفرها الدكتور الاسد, وسيبقي لقاء جنيف وما هدفت من ورائه الدبلوماسية الامريكية مثارا للجدل عنده, بل وهاجسا مزعجا له, يثير حفيظته في كل لقاء قمة بينه وبين الامريكان. استمرار النهج ولعل شخصية الاسد الابن لا تختلف كثيرا عن شخصية الراحل الاسد, فهو لا يتكلم كثيرا يفكر اكثر مما يتكلم, يبادر في العمل قبل اطلاق الشعارات, لا يتباهى امام الاضواء والعدسات ولا يحب اطلاق المقولات الرنانة, ومقل كل الاقلال في التفكير بقضاياه الشخصية. لهذا السبب لن يجد الامريكان طريقا لابتزازه او النيل منه خاصة على المستوى الشخصي, وهو تواق الى الانتقال بسوريا من حيث انتهى والده, ولايتعامل مع مقولة الفك والتركيب كما حاول البعض اضفاء هذه الفكرة على سلوكه, عندما اطلق شعار المحاسبة التي تشهدها سوريا على المستوى الداخلي والتي برأيي لن تتوقف عند حدود ما وصلت اليه عشية وفاة الرئيس الاسد. اما في مايتعلق بالمحيط الجغرافي, فبالنسبة للبنان فقد ارست سوريا ماضيا وحاضرا بالشراكة مع المؤسسة السياسية اللبنانية اهمية العلاقة والحاجة اليها من كلا الجانبين وانه لابديل عن هذه العلاقة بكل اشكالها وعلى كل المستويات لانه لافكاك منها واذا ما انفكت عرى هذه العلاقة فستصيب في الجانبين مقتلا فلا لبنان البلد الصغير قادر على مواجهة التحديات لوحده, وما حدث في الجنوب اللبناني كان المثل الحي, ولا سوريا قادرة على غض الطرف عن خاصرتها الامنية القاتلة وترك هذه الخاصرة تعصف بها الرياح العاتيات من كل صوب وحدب. اما بخصوص بعض الترتيبات ومواقع القوى الامنية السورية واعادة الانتشار فهذه القضية كانت على جدول اعمال الدكتور بشار منذ تسلمه الملف اللبناني, وهو لا يسعى مطلقا للاجهاز على المؤسسات اللبنانية الشرعية او نزع فرادتها, بل بالعكس سيكون المدافع القوي عن الفرادة اللبنانية بما يرضي كافة الفئات والقوى السياسية اللبنانية, وسيساعد المؤسسات الشرعية على الاخذ بزمام المبادرة من اجل ان تكون السند والظهير لما ستواجهه سوريا ولبنان من دفع لاستحقاقات عملية السلام المقبلة. وقد انعكست هذه الآلية في التفكير على العلاقة المستجدة مع الاردن, والتي شهدت الكثير من العقبات والعثرات بسبب الكثير من المنغصات التي حاولت ان تنال من الموقف السوري, لكن منذ وفاة الملك حسين ظهر الحرص في مابين الطرفين بأبهى صوره وهذا كان بهدف منع استفراد اسرائيل بالمملكة الاردنية التي تعاني ليس من الجفاف ونقص الموارد وحسب, بل ومن الابتزاز الاسرائيلي. ورغم قلة المعلومات المتوفرة لدي الا انني استطيع التكهن ان سوريا ستقدم الكثير من الاستثمارات والتسهيلات الاقتصادية للاردن بغية قطع الطريق على الرشا الاسرائيلية الوهمية, وانها ستسعى في الايام القيلة المقبلة الى نسف الكثير من القيود البيروقراطية التي تحكم العلاقة القائمة بين الطرفين, لان سوريا تنطلق من ان التسوية وما سينتج عنها من اختراقات اصعب بما لايقاس من احتلال الارض نفسها, وانها تجد نفسها معنية في بناء الاسيجة والموانع في مواجهة هذه الاختراقات على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. حتى الطرف الفلسطيني لن يجد العهد المقبل من حرج او غضاضة في عملية التنسيق معه, لكن هذه العلاقة مشروطة بأن تكون قائمة على اسس من الصدق والتنسيق العالي, لا على اساس من المفاجآت الدراماتيكية, التي دائما ما كانت تحدث حالة من الفجوات السياسية غير المحسوبة النتائج دون التقليل من الحفاظ على العلاقة مع بعض الاطراف الفلسطينية الاخرى المتواجدة في دمشق او في القدس او غيرها من العواصم العربية, لانها لاتزال الاكثر امنا بالنسبة للسياسة السورية المتوازنة. بالاضافة الى ان سوريا ستحافظ على المثلث الذهبي المصري السعودي السوري, مع الابقاء على العلاقة الجنينية القائمة مع العراق, والتي بدأت في فتح الحدود امام ابناء العراق, والعلاقات التجارية البينية, من خلال برنامج النفط مقابل الغذاء, لكن هذه العلاقة على مايبدو محكومة بإرادة عربية عامة وليس بطرف بعينه, لما تحمله هذه العلاقة من حساسية عالية قد تنعكس سلبا على الكثير من العلاقات البينية العربية, اللهم الا اذا ما استجد شيء على المستوى الاقليمي بفعل خارجي قد يجبر العهد الجديد على فتح آفاق غير متوقعة للوصول الى رابطة الدول المستقلة برا, بداية من دمشق مرورا ببغداد وطهران وصولا الى موسكو التي تسعى للعودة الى دورها الذي فقدته بفعل السياسات الرعناء التي عانت منها. ومن نافلة القول ان اي توقعات اخرى ازاء انقلاب في العلاقات الاقليمية والدولية هي مجرد تكهنات ليس لها ما يبررها, خاصة اذا ما علمنا ان هذه السياسات والعلاقات هي نتيجة لثلاثة عقود من الزمان وهي بطبيعة الحال كانت وماتزال صالحة بل ومقنعة للمؤسسة السياسية وللشارع السوري بشكل عام. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق