ثلاثون عاما من النضال قضاها حافظ الاسد في حكم سوريا واجه فيها العديد من المحن على المستوى الداخلي والخارجي وكان دائما من اكثر الرؤساء العرب حنكة ودهاء في تعامله مع القضايا السياسية. ظل مراوغا عنيدا في مواجهة المفاوض الاسرائيلي ولم يتنازل عن شبر واحد من الجولان ولذلك كانت المفاوضات بين الاسرائليين والسوريين متوترة منذ بدأت وحتى رحيله.. المراقبون والمحللون السياسيون يتوقعون تحديات كثيرة. تحديد المسار سيظل غياب الاسد خسارة كبيرة لسوريا وللامة العربية كلها فهو كان دائما ذلك الخصم العنيد في مواجهة الغطرسة الاسرائلية, وخلال فترة حكمه التي استمرت ثلاثين عاما سجل العديد من الانتصارات السياسية داخل وخارج سوريا. هكذا بدأ محمد فايق - وزير الاعلام السابق ورئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان - حديثة عن الاسد الغائب الحاضر كما يصفه والذي استطاع ان يقود مقاومة حقيقية ضد اسرائيل وكان صلبا في مطالبتة بالحق العربي سواء لسوريا او للبنان. ويضيف محمد فايق ان المرحلة التالية لحكم حافظ الاسد لن تختلف كثيرا, لما قام به الاسد من جهود في اطار ترسيخ اهداف محددة يسير عليها من يخلفه. من هذه الاهداف مقاومة اسرائيل والتمسك بالحق العربي, فلذلك من الصعب تغيير هذا الخط الذي رسمه حافظ الاسد بدقة. ويؤكد محمد فايق ان الشعب السوري يملك من القدرة على المواجهة والتحدي ما يؤهله لان يكون دائما قلب العروبة النابض, وان الامر المهم الان الا تقدم اسرائيل على ارتكاب اي حماقات تدفعها لمواجهة المقاومة السورية هذه المرة خاصة وان المقاومة السورية لن تقل تأثيرا وقدرة عن المقاومة اللبنانية, والأولى بإسرائيل ألا تتصور أنها تستطيع فرض اتفاق مجحف الشروط وهو ما يعني مسبقا أن سوريا لن تقبله حتى لا تتعثر المفاوضات مرة اخرى. اما على الجبهة اللبنانية فيقول فائق: اعتقد ان لبنان قوية بشعبها ومقاومتها وحكومتها, ولن تحتاج في الفترة المقبلة مزيدا من العون السوري بعد ان قدمت سوريا لها خلال فترة وجود الرئيس الاسد الكثير من العون. واعتقد ان الامور في سوريا بعد رحيل الاسد ستحتاج الى كثير من الحسم والقوة واعادة ترتيب البيت الداخلي, واهم عنصر من عناصر هذا الترتيب هو السماح بمزيد من الديمقراطية التي تحتاجها سوريا الان اكثر من ذي قبل ,فموت الاسد افقدها القائد والزعيم القوي الذي يستطيع الامساك بزمام الحكم. مرحلة اضطراب ويتوقع الدكتور رفعت سيد احمد - مدير مركز يافا للدراسات السياسية - ان المرحلة المقبلة في سوريا ستكون مرحلة اضطراب سواء على المستوى الداخلي او المستوى الخارجي, فشخصية الاسد كانت محورية وقادرة على صناعة السياسة في منطقة الشرق الاوسط خاصة في لبنان وفلسطين, مهما بلغ خليفته من حنكة فالخلف لا يمكن ان يحاكي السلف. وهذا لا يقلل من القادم والذي تؤكد كل التوقعات ان يكون بشار الاسد, وستشهد سوريا مرحلة من التوتر مع الولايات المتحدة الامريكية,بالاضافة الى عدم وضوح الموقف من لبنان والذي من شأنة ان يوقف جميع الترتيبات التي كان من المفترض القيام بها لحل بقية القضايا الحدودية المتعلقة بالجنوب اللبناني, واعتقد ان اسرائيل وامريكا ستنتهزان الفرصة للضغط على الرئيس السوري الجديد للتوقيع على اتفاقيات سلام مجحفة. وهذا الاضطراب اتوقع ان يستمر على الاقل عاما كاملا بعدها ستبدأ سوريا مرحلة جديدة, وفي جميع الاحوال فأن السياسة لاتؤخد بردود الافعال ولكن بحقائق الجغرافيا والتي تؤكد على حقيقة مهمة ان لبنان جزء من الامن السوري,وسوريا جزء من الامن اللبناني فهما في النهاية دولة واحدة. اما على المستوى الخارجي فستظل الامور مشتبكة لان القواعد التي ارساها حافظ الاسد في المجتمع السوري ستكون بمثابة الدليل والذي سيسير عليه الشعب السوري. ويضيف الدكتور رفعت ان سوريا تتميز بوجود نظام مؤسسي يحكم الدولة وهناك قوة لا يستهان بها وهي الجيش الذي يحمل على عاتقه كافة المسئوليات الامنية والقتالية, هذا النظام الذي تم تأسيسه جيدا هو الدعامة التي ستحمي سوريا من السقوط نهبا لمؤامرات عديدة خاصة من الولايات المتحدة الامريكية, ومن مميزات الرئيس الاسد انه كان من الزعماء العرب الثابتين في مواقفهم تجاه قضايانا العربية ولذلك لن يهتز الشعب السوري بسهولة. علاقات ثرية الا ان الدكتور رفعت يرى ان علاقات سوريا بجيرانها لن تصاب بأي ضرر, فالاسد استطاع ان ينسج شبكة من العلاقات الطيبة بينه وبين مصر والسعودية والامارات وعمان والاردن بالاضافة الى علاقته القوية بايران. كل هذه التركة من العلاقات القوية خلفها الاسد لخليفته مما يساعد من يأتي بعده على مواجهة العالم بهذا الرصيد الانساني,وكان الاسد قد علم بقرب وفاته مما جعله خلال العامين الاخيرين يعد ابنه بشار لكي يصبح بعد وفاته الرئيس المنتظر ولقنه الكثير من الامور السياسية التي يستطيع ان يواجه بها العالم من بعده. الا ان توقعات الدكتور احمد ثابت _ استاذ السياسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية _ للمستقبل تبدو مطمئنة للجميع في ظل الظروف التي تعيشها المنطقة العربية هذه الايام, فيرى ثابت ان الاوضاع الداخلية ستبقى مستقرة في ظل الرئاسة الجديدة فسوريا تم تأهيلها نفسيا من فترة لوفاة الاسد, ومن اجل ذلك تم تقديم بشار الاسد في عدد من الزيارات الى الدول الاوروبية من اهمها فرنسا, وبعض الدول العربية من اهمها الامارات وسلطنة عمان والاردن والسعودية بشكل يضعه في مستوى رؤساء الدول, بالاضافة الى ان حافظ الاسد استطاع في فترة حكمه التي بلغت ثلاثين عاما ان يضع دستورا للبلاد لا تحيد عنه بسهولة واستطاع ان يشكل الذاكرة الشعبية السورية بحيث لايتمكن اي متآمر من النيل منها. و يقول ثابت : ان كل ما يشغل ذهني ضمان الاستقرار داخل سوريا وان تستطيع سوريا اجتياز محنتها بعد فقد حافظ الاسد وان تتمكن من الصمود في مواجهة اسرائيل حتى يتحقق لها استرداد الجولان مرة اخرى. ويرى الدكتور احمد ثابت ان المفاجأة في موت الاسد هي التوقيت الذي كان مذهلا والمنطقة العربية تمر بأصعب الظروف, هذا اذا اضفنا ان شخصية الرئيس الراحل حافظ الاسد كانت وستظل شخصية غير عادية تمتلك العديد من القدرات التي تؤهلها لمواجهه تحديات جمة. الدور الفاعل ويرى حسين عبد الرازق _ رئيس تحرير مجلة اليسار _ ان الجميع كان يتوقع وفاة الرئيس الاسد بين لحظة واخرى بعد تدهور حالته الصحية, ولكن الاهم من وجهة نظري هو ما يمثله حافظ الاسد لسوريا والعرب, فهو ليس حاكما عاديا فقد حكم سوريا منذ ثلاثين عاما ولعله آخر الحكام لمرحلة أطلق عليها مرحلة انظمة التحرر الوطني العربي وبالتالي فقد صاغ بشخصيته كل شيء في سوريا الحديثة. ورغم أن الجميع يتوقع ان يخلفه نجله بشار الاسد, وقد اتخذت من اجل ذلك العديد من الخطوات التي تؤهل بشار لكي يمسك بزمام البلاد, الا ان موته المفاجىء سبق عددا من الاجراءات المهمة على مستوى الحزب والدولة والدستور وجاء في ظرف اقليمي بالغ الدقة على مستوى المفاوضات المتوقعة بين سوريا واسرائيل, فقد كانت هناك جهود اقليمية ودولية من اجل استئناف المفاوضات على المسار السوري الاسرائيلي بسرعة على امل التوصل الى اتفاق قبل انتهاء مدة الرئيس الامريكي الحالي بيل كلينتون وايضا في خلال حياة الرئيس حافظ الاسد ولكن وفاة الاسد اجلت بالضرورة هذا الاحتمال,الا انني لا اتصور ان يتغير الحال او ان يغير خليفة الاسد ما حدده الرئيس الراحل وهو رفض اي تسوية سياسية لا تتم من خلالها عودة الجولان كاملة دون اي تغيير حتى حدود 4 يونيو 67 وبالتالي رفض الطلب الاسرائيلي المتعلق بالتمسك بالحدود الدولية وبالاشراف على شواطىء بحيرة طبرية, واصرار الاسد الراحل ان تكون الترتيبات الامنية متوازنة ومتماثلة على جانبي الحدود الامر الذي لم تقبله اسرائيل في اي تسويات سابقة حتى الان. لذلك لن يستطيع خليفة الاسد التراجع عن استراتيجيته خاصة ان كان هذا الخليفة هو نجله بشار الاسد بل لعله سيكون مضطرا الى مزيد من التشدد في الوقت الذي راهنت اسرائيل على ان الرئيس الاسد يتعجل التسوية لكي يتحقق الانسحاب الاسرائيلي قبل وفاته, والان وقد رحل الاسد فأظن ان موضوع التعجل وان افترضنا صحته قد افقد اسرائيل اوراقها. ويرى حسين عبد الرازق ان سوريا على المستوى الاقليمي مازال لها دور فعال في لبنان خاصة في وجود عدد من المشاكل بالغة الحساسية بعد الانسحاب الاسرائيلي من لبنان مثل وجود مناطق او نقاط حدودية لم تنسحب منها اسرائيل كذلك رفضها الانسحاب من مزارع شبعا باعتبارها اراضي سورية وليست لبنانية,بالاضافة الى دور سوريا الواضح والمؤثر في المقاومة اللبنانية ودور الجيش السوري في لبنان, ومطالبة بعض القوي اللبنانية بانسحاب الجيش السوري من لبنان, والتوازن الداخلي بين القوي والطوائف اللبنانية المختلفة. كل هذة القضايا المثارة والمحتدمة ستتأثر بالاوضاع الداخلية في سوريا بعد رحيل الاسد. واذا اضفنا الى ذلك العلاقات السورية الايرانية المتميزة والعلاقات السورية المصرية التي لعبت العلاقة الشخصية بين الرئيسيين حافظ الاسد ومبارك دورا بالغ الاهمية في تجاوز الخلافات حول القضايا المصيرية في المنطقة العربية, بالاضافة الى العلاقات السورية العراقية, فلابد ان ندرك ان رحيل الاسد سيترك آثارا بالغة الاهمية ولايمكن حسابها بدقة او معرفة ما سوف تؤول اليه الامور فيما بعد. القاهرة ـ مكتب البيان