من السابق لأوانه الحديث عن مستقبل السلام بين سوريا واسرائيل في الوقت الراهن نظرا لوفاة الرئيس (حافظ الأسد) , وتداعيات السلطة بعد ذلك من ناحية إعادة توزيعها, غير أنه وطبقا للخيار الاستراتيجي الذي سارت عليه سوريا, واعتباره مرجعية للعمل السياسي هناك, فإنه وحسب رأي المراقبين يتوقع استمرار النهج السابق لكون القيادات السورية قد تبنت موقف الأسد, لكن هل سيتواصل بنفس الطريقة أم سيتغير ويتراجع؟ الواقع أن مسألة السلام المطروحة على المسار السوري الاسرائيلي, قد تراجعت لصالح اسرائيل, لسببين: الأول: الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان, والثاني: عدم تحمس الولايات المتحدة الأمريكية للطرح السوري منذ اللقاء الأخير بين الأسد وكلينتون في جنيف, والذي أكد مرة أخرى على التوجه السوري, إضافة الى ذلك فإن غياب الأسد الآن قلل من فرصة المفاوض السوري, على اعتبار غياب المرجعية من ناحية القيادة, وإن كانت لم تغب من ناحية النصوص, ولكن في حال اختيار (بشار الأسد) رئيسا دون المرور على استفتاء شعبي فإن ذلك سيزيد من صعوبات مهام السلطة السورية على اعتبار أنها لم تلتزم بالقواعد الديمقراطية, حسب الشروط التي يطرحها الغرب في جميع مفاوضاته بدءا بالاقتصاد وانتهاء بالانسحاب من الأرض. مصاعب اسرائيلية من ناحية أخرى فإن القول بتراجع المسألة السلمية لصالح اسرائيل, لايعني أن هذه الأخيرة لن تواجه صعوبات لغياب الأسد, ذلك لأن الرئيس حافظ كان عدوا شرسا, ومفاوضا مقتدرا, لكن كان ملتزما بشروط العملية السلمية منذ لقاء مدريد المتعدد الأطراف, وبالتالي فإن النتائج التي كانت ستتحقق معه ـ لو حدث هذا أثناء حياته ـ بالتأكيد هي أكثر تأثيرا مقارنة بما سيتحقق من نتائج في المستقبل, صحيح أن اسرائيل يهمها في الأساس أن تظهر هي بموقف القوة في المفاوضات وأن تمارس ضغوطها على سوريا, لكن أيضا تعرف أنها تتعامل مع مرجعية مختلفة في الوقت الراهن, ذلك لأن أولوية إعادة بناء المجتمع السوري تعتبر أهم بالنسبة للقيادة السورية من عملية السلام نفسها, لأن الواقع السياسي الراهن يرتبط بمصير الدولة, أما السلام فإنه يتعلق باستعادة جزء من الأرض مهم لكن ليس بنفس درجة الأهمية التي تتعلق بمصير البلاد من ناحية القوى الاجتماعية والسياسية. لا شك أن أي حديث الآن حول مستقبل السلام من ناحية النتائج لايعول عليه كثيرا, لأنه لا يرتبط بموقف سوريا فقط التي ستحظى بدعم عربي كبير, إلا أن المواقف الدولية الأخرى من ناحية النظر الى الموقف السوري من منظور القوة والضعف تعتمد على تجارب ماضية, منها أن الوسائل الاعلامية الغربية كانت كلما يتم تعطل أو تشدد على الجبهة السورية إلا وطرحت (صحة) الرئيس الأسد باعتبارها عامل ضغط على اتخاذ المواقف من ناحية الاستعجال لتحقيق النتائج قبل وفاته, أما وأن الرئيس الأسد قد رحل, فإن الورقة السابقة لم تعد موجودة الآن. ما قد يدفعها الى البحث عن وسائل ضغط أخرى. الغياب المفاجىء و برأي المراقبين فإن السلطة السورية لن تواصل طريقها بنفس القوة التي كانت عليها, في حال وجود تداعيات واختلافات حول السلطة, وربما لذلك سارع السوريون الى تغيير المادة 83 من الدستور, بهدف اختيار بشار الأسد رئيسا, ولهذا الاختيار بالطبع مآخذ ليس هنا مجال الحديث عنها, ولكن يطرح بالفعل تخوفات من ناحية وجود المرجعية للعمل السياسي, خصوصا بعد الاتهامات بالفساد التي طالت العديد من المسئولين, غير أن آراء المراقبين تنطلق من مقارنة بين الماضي القريب والحاضر الحالي, وهي في بعض ما تذهب اليه محقة, لكن لا يمكن الأخذ بجميع الأطروحات لأن الأمور لاتزال في بدايتها. لاشك أن غياب الأسد قد ترك فراغا على الساحتين الوطنية والعربية, لكن هذا لن يحول دون مواصلة الطريق, لأن السلام مع اسرائيل يتعلق بالمنطقة كلها دون نفي وجود خوف من بعض القيادات العربية بخصوص الغياب المفاجىء للأسد, خاصة بالنسبة للقيادة اللبنانية, إذ أن الانسحاب الأخير لاسرائيل من لبنان لم يكتمل بعد وهي لاتجد من جانبها قوة حقيقية تدعمها, على اعتبار أن الأسد بغض النظر عن الانتقادات التي وجهت اليه من بعض اللبنانيين دعم بشكل أو بآخر لبنان في مواجهتها لاسرائيل وربط مساري البلدين في جميع مراحل المفاوضات, وأيد في النهاية الانسحاب, ولو كان ذلك على حساب استمرار احتلال اسرائيل للجولان, وقد رأى المراقبون في ذلك تأكيدا لمواقفه القومية, وتلك حقيقة يجب أن تؤخذ في الاعتبار فيما يتعلق بالمستقبل السياسي للمنطقة. معطيات جديدة الواقع أنه لايمكن الحديث عن مستقبل السلام بين سوريا واسرائيل دون الأخذ في الاعتبار المعطيات الجديدة على الساحة سواء تلك المتعلقة بلبنان أو الأخرى الخاصة بالمفاوضات النهائية بين الفلسطينيين واليهود, أو حتى تلك ذات الطابع القومي المتعلقة بمستقبل العلاقة بين اسرائيل والدول العربية الأخرى, أو ما يعرف بالتطبيع وما يسبقه من تعامل اقتصادي, وهذه العوامل وغيرها تؤثر سلبا على المفاوض السوري, ولذلك يرى المراقبون احتمال قبول سوريا ببعض التنازلات التي لم يقبل بها الرئيس الأسد في حياته, واعتبرتها الولايات المتحدة الأمريكية عقبة في وجه السلام. على العموم فإن مستقبل السلام بين البلدين, سيعاد فيه النظر من ناحية النقاط التي يتم الاختلاف حولها, ذلك لأن ما عجزت اسرائيل أو أمريكا عن تحقيقه في عهد الأسد, فإنها يمكن أن تحقق جزءا منه في عهد الحاكم الجديد, ذلك لأن ضغوطات الجبهة الداخلية, والخوف من اهتزاز الحكم, وهو خوف يعتري الحاكم العربي غالبا في كل وقت, وما يتبع ذلك من تغير في مراكز القوى, باستثناء الجيش, كل ذلك يجعل من الصعب التكهن في القريب العاجل بالنتائج المرتقبة للعملية السلمية على المسار السوري, وإن كانت العملية ستتواصل بتكاليف قد تكون باهظة مقارنة مع السابق ليس لسوريا فقط وإنما للدول العربية أيضا, ذلك لأن التنازلات ستتواصل في مواقع أخرى, وسيكون المفاوض السوري في موقف أصعب مما كان عليه, خصوصا بعد غياب حافظ الأسد الذي كان يمثل حاجزا بالنسبة للقيادات العربية لا يمكن أن تتجاوزه, مثلما كان يرى فيه الكثيرون عقبة كأداء أمام تمرير المشروع الصهيوني في المنطقة. غير أنه إذا تمكنت سوريا من تجاوز مشكلة السلطة وما يتبعها, فإنها قد تثبت أقدامها استراتيجيا في خريطة المنطقة, ولايمكن آنذاك استبعادها من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. بقلم: خالد عمر بن ققه كاتب جزائري مقيم في دمشق