ساءل الرئيس سركيس نفسه غير مرة: (ماذا يريد حافظ الاسد؟ انه يبقى لغزا بالنسبة الي) . هذا الرجل الغامض الذي يحيط نفسه بالاسرار والاحاجي يسيطر, منذ نوفمبر 1970, على سوريا التي لم تتعود الاذعان لرجل او الخضوع لسلطة, انه يحكم ما لا يحكم, وبصورة مطلقة, والسياسة السورية تدهش العالم اجمع, لانها محصورة كلها في دماغ رجل واحد فولاذي الأعصاب, هو حافظ الأسد. يقسو على ذاته وعلى الآخرين, ويسير الى هدفه بصبر وعناد, ومسيرته السياسية تنطبق على صورة شخصيته, لقد بنى سلطته حجرا بعد حجر, وسار بها خطوة خطوة, لا يستعجل ابدا. لا يتأثر, ولا يثور, يفضل الوصول الى غايته بهدوء وعلى الناعم, ويعتمد طريق الاقناع قبل الانتقال الى وسائل الاكراه, وهكذا تسلم السلطة في سوريا على مرحلتين: انقلاب ابيض عام 1969, ثم ضربة نهائية عام 1970. تدخل في لبنان سياسيا اولا, عام 1975, ثم عسكريا عام 1976, يحب ان يهضم فريسته ويركز عملياته, يتوقف بعد كل ضربة, يفاوض, يفحص, يحسب, ثم يكيل الضربة التالية. انها سياسة الصدمات الكهربائية القصيرة والمتلاحقة, انه لا يسلك سياسة اخذ كل شيء, وفورا, بل يسعى لاخذ كل شيء ولكن بالتقسيط. يعرف كيف ينتظر الفرص الثمينة والمناسبات الخصبة فيوظف الوقت لتقوية اوراقه الرابحة تاركا اخطاء خصومه, تكثر وتتراكم, يجيد اختيار ساعته, فاذا كان موقفه ضعيفا اعتبر كل مفاوضة ابتزازا مرفوضا. واذا كان موقفه قويا اعتبر كل تسوية غير ملزمة. فهو لا يتراجع عندما يكون ضعيفا ولا يتساهل عندما يكون قويا. كل شيء له ثمن بالنسبة اليه, ولكن ليس كل شيء, باي ثمن كان, فلا يهتم بالمعادلات القائمة ولا بالخطوط الحمر, يعتبر كل شيء, قابلا للتعديل وجس النبض. قال لوفد من الجبهة اللبنانية ضم امين الجميل وطوني فرنجية, وجورج سعادة وادمون رزق وداني شمعون ومارون الحلو وبحضوري في اواخر عام 1976: (لا تهتموا (بالخط الاحمر) الذي يتحدث عنه الامريكيون والاسرائيليون, فلا وجود له, وعلى كل حال فإني لا اراه, في بدء العام 1976 حذرتني الولايات المتحدة ونصحني الاتحاد السوفييتي الا اجتاز الحدود اللبنانية في المصنع, فالخط الاحمر كان اذن في المصنع, لان اسرائيل كانت تعتبر دخول الجيش السوري لبنان سببا كافيا لاعلان الحرب. اجتزنا المصنع, فحدثونا عن خط احمر جديد في صوفر, ولما تجاوزنا صوفر حددوا لنا بيروت على انها الخط الاحمر الجديد, والآن, بعد انتشارنا في بيروت راحوا يتكلمون عن النبطية وعن الليطاني كخط احمر, فما هو هذا الخط الاحمر المبهم والمتحرك والمتنقل بشكل مستمر من مكان الى آخر؟) . يسيطر على نفسه ماديا ومعنويا بطريقة مدهشة, فمنذ امتناعه عن التدخين لم يعد يفارق سبحة صغيرة يتسلى بها. وقد روى لي كيف اوقف التدخين, فقال: (كنت ادخن مئة سيجارة في اليوم, فالتدخين بشراهة كان يعتبر في الجيش بمثابة علامة رجولة وتباه, ثم انقطعت عن التدخين دفعة واحدة عملا بوصية الطبيب, في الاسبوع الاول الذي امضيته بلا سيجارة كنت مشوشا طائشا احتجت الى ثلاثة اسابيع من العناية الطبية لتنقية جسمي من السموم, وبعدئذ لم اعد ادخن سيجارة واحدة) . قوي الشكيمة, يتصدى للمفاوضات بعزم وصلابة, فلا يمكن اختراق نواياه اذ يرتدي في المحادثات قناعا حديديا اجاد صنعه, فهو يستقبل وفق سيناريو لا يتغير, في (قصر الشعب) , او في منزله الخاص, بحسب ما يريد ان يضفي على اللقاء طابعا رسميا او حميما. سواء اكان الضيوف ملوكا, او رؤساء او اشخاصا عاديين, وسواء اكانوا وفودا تضم عدة اشخاص او شخصا واحدا, فانه يستقبلهم كلهم في المكان نفسه, تعقد الاجتماعات بالقصر الرئاسي في ردهة رحبة, لا طاولات فيها, ولا اوراق, ولا اقلام, انها تشبه باحات الاستقبال اكثر منها صالة اجتماعات, يجلس دائما على المقعد نفسه, وبالطريقة نفسها, وضيفه على مقعد آخر بالقرب منه. وفي منزله الخاص, يستقبل في ردهة استقبال متواضعة الى حد ما وخالية من كل مظاهر البذخ والترف. وهنا ايضا لا شيء للكتابة. لايستعين في اثناء المفاوضات, باي مفكرة او ورقة, يعرف كل ملفاته معرفة تامة وبالتفصيل عن ظهر قلب, ويحفظها بفضل ذاكرة مذهلة وقدرة على التركيز الذهني قل مثيلها. الدهاء والمناورة في ا لمراحل الاعدادية لكل مفاوضة, وقبل اي لقاء, لايدع حافظ الاسد اي شيء, يترسب عن نواياه ومطالبه, يطبق استراتيجية الغموض والتمويه, يترك كل طرف يحزر, او يراهن, او يتأهب ليدفع له ثمنا لم يكن قد طلبه, وذلك قبل ولوج المحادثات, واحيانا يصبح اللقاء به بحد ذاته موضوع تفاوض, وله ثمن يدفع سلفا, انه يوحي, عن قصد, باشارات متناقضة, اولها تفسيرات عديدة, ليتبادر الى ذهن كل فئة انها اكتشفت ما ينوي. وعندما تبدأ المفاوضات, يحضر لمحاوريه مجموعة مفاجآت لم تكن بالحسبان. هذا قبل بدء المفاوضات, اما عندما يحصل الاجتماع فانه لا يستعجل في طرح المواضيع الاساسية, بل يبدأ الحديث بالعموميات او بالهوامش, فاذا كان محدثه عربيا او من دولة شرقية سأله عن بعض الاصدقاء والاشخاص الذين يعرفهم, اما مع الغربيين, فانه يتحدث عادة عن امور ثانوية لا اهمية لها, وربما كان افضل مدخل معه رواية نادرة, وكان يسر سرورا عظيما بسماع النوادر اللبنانية المتعلقة بالجيش السوري في لبنان في اغلب الاحيان لا يكون هو اول الداخلين في صلب الموضوع. انه يأخذ وقته ليزن المفاوض, اذا كان يجتمع به للمرة الاولى, او ليعاين مزاجه, اذا كان التقى به سابقا, هو تارة بارد وطورا حار, متجهم او مبتسم, بحسب الاشخاص والمواضيع, يستمع الى محدثه حتى النهاية, ويدفعه الى الفراغ من عرض كل افكاره وحججه بحيث يتمكن من التقاط حقيقة غايته, وحجم امكاناته واستعداداته, وكثيرا ما يشد المفاوض الى البوح بكل ماعنده بواسطة ابتسامة او هزة رأس او عن طريق طرح سؤال اعتراضي او بسيط, وعندما يظن متحدث انه نجح في اقناعه, ينبري حافظ الاسد فجأة ليرفض بلطف وحياء كل الآراء والطروحات التي سمعها, ويروح يفند كل فكرة على حدة دون هوادة او محاملة. عندما يغوص الرئيس السوري في المناقشة, فانه يعطي انطباعا في البدء وكأنه يفكر بصوت مرتفع: يطرح الاسئلة, يصمت, يتردد, يردد الجملة نفسها ويكتفي بتسجيل ملاحظات جانبيه, ثم, على مدى الساعات, تصبح آراؤه اكثر دقة. ومواقفه اكثر وضوحا, وحججه ارجح واصلب. انه رجل الربع الساعة الاخيرة, يحتفظ باوراقه للدقائق الاخيرة من اللعبة, لا يتعب, مهما طالت المفاوضات وتشعبت, وكثيرا ما تنتهي محادثاته عند الفجر وقد حدث لي في مارس 1976, بعد اجتماع استغرق سبع ساعات, ان استمعت الى الرئيس السوري يناقشني في الاصول القانونية, لتعديل الدستور اللبناني, وفي افكار ابن خلدون التاريخية والاجتماعية, وبعد هذا الاجتماع القياسي,رافقني الى باب منزله, وهو مرتاح ويقظ كما لو كنا في بداية الاجتماع. انه مفاوض داهية لا يمكن التكهن بردات فعله, فهو قادر ان يفاجىء محاوره بالفصل في مسألة اساسية فصلا قاطعا, وقد يمتنع في بعض الاحيان عن اعطاء جواب صغير بشأن مسألة تفصيلية, اذا وعد وفى حالا, واذا كان يريد الرفض قال: (سأدرس هذا الامر) او ((اناقشه مع فلان) , واذا رد برفض صريح وجازم, وهذا قلما يحصل, فلا فائدة من الاصرار عليه لحمله على تبديل رأيه, لان قراره يكون عندها نهائيا, في الوقت الحاضر على الاقل, لان لا شيء نهائيا بالنسبة اليه وبصورة مطلقة, (فاللا) تنطوي على الشروط التي اذا تحققت في المستقبل قد تصير (نعم) , و (النعم) تحمل في طياتها بذور تحولها الى (لا) فلا الرفض مطلق ولا القبول غير مشروط, البعض يرون في هذا الاسلوب دهاء وازدواجية , والبعض الآخر يعتبرونه مدرسة متقدمة في علم التفاوض, والحقيقة انه الاثنان معا واكثر! لقد صقلت فيه تنشئته العسكرية كضابط طيار مواهب نادرة, انه كالنسر, قادر ان يعلن الامور التفصيلية على الارض, وهو على علو شاهق, يدخل في المسائل الصغيرة والدقيقة وفي الوقت ذاته لا تغيب عن بصيرته الرؤية الشاملة. وكما في المعارك الجوية فانه يقوم بتحديد الاهداف الاستراتيجية وفي الوقت ذاته الوسائل التقنية لاصابة الهدف, يتولى القيادة في المنعطفات والممرات, الصعبة, ويحسب حساب المجازفات والمكاسب, وبحكم تشدده يعرف كيف يدفع بالتحدي الى بعيد, مهملا نصائح التروي والحكمة, ويحتقر التهديد, وبحكم مرونته, يمكنه تجنب المأزق او المهلك ببراعة وسهولة, وقد وصف لي عبد الحليم خدام, لمناسبة قمة بغداد, اسلوب الاسد, فقال: (رئيسنا استاذ كبير في فن المناورة يخبىء امكانياته التقنية التي لا تخطر في بال احد, ويعرف كيف يركب الموجة في ذروة ارتفاعها ويعود بها الى حيث يريد يمارس سياسة شفير الهاوية, ويتمكن من التوقف في الوقت الملائم, على مسافة قصيرة من الحافة, فولاذي الاعصاب, مدهش باخفاء مقاصده, قادر على اتخاذ القرار المناسب في الوقت الذي لت ينتظره فيه احد) . (اللعب المفتوح) طور حافظ الاسد اسلوبه في الحكم بمناسبة تدخله في لبنان, فجعل منه مذهبا دوليا واسع الطموح, واخترع لهذا المذهب اداة عملاقة نسميها: (اللعبة المفتوحة) . ويبدو (مذهب الاسد) متعدد الوجوه, فهو تارة قوة استقرار, وطورا نظام حماية, واحيانا سياسة تدخل. ويقوم هذا المذهب على ثلاثة مبادىء في العلاقات الدولية وهي: 1ـ حق دولة عربية بالتدخل عسكريا على ارض دولة عربية اخرى. لمنع منظمات فيها من تهديد امنها الوطني, او الامن القومي العربي, مفهوم الامن يتخطى مفهوم السيادة. 2ـ حق دولة صغيرة او متوسطة كسوريا بان تدير مباشرة شئون دولة اخرى صغيرة كلبنان بدون تفويض مسبق من الدولتين العظميين او من احداهما على الاقل, وهذا يعني نشوء قوى اقليمية قادرة على التدخل بشكل مستقل او مواز لآراء الدولتين العظميين. 3ـ حق دولة ذات منحى سوفييتي (سوريا) ان تسهر على امن دولة اخرى ذات منحى امريكي (لبنان), ويشكل مذهب الاسد من هذا القبيل خروجا على القاعدة الدولية المتعارف عليها التي تقضي بعدم دخول جيش اية دولة الى ارض دولة اخرى لاتنتمي الى نفس المحور الدولي, تحت طائلة اشعال حرب عالمية. اما فيما يتعلق (باللعبة المفتوحة) , وهي الاداة الاستراتيجية لادارة الازمات وفق مذهب الاسد, فتقوم على استبعاد كل حل نهائي قد يؤدي الى نزاع مفتوح, واستبداله بلعبة مفتوحة تضع حلا مؤقتا يرضي, الى حد ما, اطراف النزاع المختلفة, واهم ما في هذه السياسة انها تحول الحل المؤقت الى وضع ثابت يفرض نفسه مع الوقت, وبقدر ما تكون المشكلة معقدة والمطالب غير قابلة للتوفيق فيما بينها, يبدو الحل المؤقت مقبولا, والحل النهائي بعيدا ورمزيا, فاللعبة المفتوحة تتيح لحافظ الاسد التمسك بمواقف راديكالية ومتصلبة, من غير ان يجازف بتفجير نزاع مسلح مع خصومه, وخصوصا مع اسرائيل, وهكذا تطبق سوريا سياسة اكبر منها, عن طريق اقامة اوضاع مؤقتة تشكل نقطة التقاء لمجمل مصالح متناقضة. فيصبح الحل المؤقت اقل كلفة من الحل النهائي ويشعر المتنازعون ان تبديله اشد ضررا من المحافظة عليه, فيرتبون اوضاعهم في داخله, حتى يمسي احدهم قادرا على قلب الوضع القائم لصالحه, وبذلك تبقى اللعبة مفتوحة من الجانبين: فكل خطوة يمكن ان تكون مرحلة نحو التسوية الاخيرة, او فترة هدنة قبل المجابهة الشاملة, تجاه هذه اللعبة ستبقى الولايات المتحدة, ولوقت غير قصير, مترددة تتساءل ما اذا كانت سوريا قابلة للتفاوض او ميؤوسا منها؟ وقط يطبق حافظ الاسد مذهبه ولعبته باكثر ما يمكن من الدقة والحذق خلال الازمة اللبنانية, كانت الولايات المتحدة الامريكية, والاتحاد السوفييتي واسرائيل, ومصر قد عارضت تدخل سوريا عسكريا في لبنان, فرأى انه يستطيع, على الرغم من هذه المعارضة, ان ينشر جيشه تدريجيا, وقد اوجد ـ بدخول القوات السورية الى لبنان عام 1976 ـ امرا واقعا. راح يفاوض من خلاله, الاطراف المعنية, وكانت النتيجة: ترسيخ هذا الامر الواقع السوري, واضفاء التأييد اللبناني ـ والعربي والدولي عليه, ما حمل حافظ الاسد على ان يقول لي عام 1977: (اذا كان بقاء الجيش السوري في لبنان مشكلة لبعضهم, فان سحبه هو مشكلة للجميع) . وكي يدير حافظ الاسد هذه اللعبة فانه لا يعتمد فقط الحدس والبراجماتية, فهو يتبع بعض الثوابت والاصول وفي مقدمتها سياسة (الجسور الممدودة) فقد تعود دائما ان يفاوض ولكن في الوقت الذي يراه مناسبا. هذه القابلية للمفاوضة تحدها ثلاثة تحفظات اساسية. فهو لا يقبل ان يفاوض اسرائيل مباشرة, بل يفعل ذلك بواسطة الولايات المتحدة الامريكية, ولا يقبل ان يفاوض الولايات المتحدة الامريكية بشأن النزاعات العربية ـ العربية, بل يفعل ذلك عن طريق المملكة العربية السعودية, ولا يقبل ان يفاوض السعودية الا محشورا او عرضا بشأن المسائل الفلسطينية واللبنانية, بل يعمل على تسوية هذه المشاكل مباشرة مع المعنيين انفسهم. لعبة التوازنات ان انتهاج سياسة (الجسور الممدودة) هذه يفترض مسبقا خطا متوازنا على الصعيد الدولي. وقد قال لي الرئيس السوري في يوليو 1976: (حوارنا مع الولايات المتحدة الامريكية مستمر, ولكنه كثيرا ما يتحول الى حوار الطرشان, بسبب الدعم الامريكي العملى لاسرائيل, اما علاقتنا بالاتحاد السوفييتي, فهي ايضا تمر بمراحل حرجة, ولكن الاتحاد السوفييتي يختلف عن الولايات المتحدة بانه حليف ثابت من غير ان نكون بالضرورة شيوعيين) . فهو يحرص على ان يكون حليف السوفييت من غير ان يصبح تابعا لهم يدور في فلكهم. ويريد ان تحتل سوريا بالنسبة الى موسكو نفس المركز الذي تشغله اسرائيل بالنسبة الى واشنطن. ولعنصر الثاني الرئيس في استراتيجية الاسد هو سياسة (التحالفات البديلة) . فهو يعقد التحالفات ويفكها بقدرة مذهلة, يستطيع الاستدارة مئة وثمانين درجة, بحيث يحتفظ بحيز واسع من الحركة فيخترع اوراقا جديدة ويفرز قوى اضافية قادرة على الحلول محل القوى العاملة. ولا يكاد يرتبط مع حليف حتى يهيىء البديل الذي قد يحل محله, وقد وفر له تشرذم العالم العربي حقلا مثاليا لتطبيق هذه السياسة. لذا يسهر على ان يضرب الخصم دون ان يقضي عليه تماما, ويدعم الحليف دون ان يفرجه كليا, لان خصم اليوم قد يكون حليف الغد, وعلى عكس ذلك, لا يربط مصيره كليا بمصير الحليف الذي قد ينقلب خصما, يحسب لكل شيء حسابه. ويشكل خلافه او تفاهمه مع منظمة التحرير الفلسطينية الجبهة اللبنانية والحركة الوطنية افضل نموذج لسياسة التحالفات البديلة, وهو يحرص على ان لايغرق في الانتهازية الرخيصة, فعندما يقطع علاقاته يقدم التبريرات, وعندما يحالف يحدد الاهداف المشتركة. ويضع حافظ الاسد لقاعدة (التحالفات البديلة) ثلاثة حدود, اولا: يعتقد ان اسرائيل تريد السيطرة بمساعدة الولايات المتحدة الامريكية على كل المنطقة العربية الممتدة من الفرات الى النيل. اذن فاسرائيل عدو حقيقي, والولايات المتحدة حليفة هذا العدو, ثانيا: يظن ان كل اتفاق مع اسرائيل, في الوقت الحاضر, يعتبر استسلاما, بسبب تفوق الدولة العبرية عسكريا, فلا مجال للتحالف مع اسرائيل او مع الولايات المتحدة الامريكية, ثالثا: يبذل جهده لتكوين جبهة عربية تضم سوريا, والاردن, ولبنان, ومنظمة التحرير الفلسطينية, لتكون الرد الاستراتيجي على اسرائيل فيما يختص بحل ازمة الشرق الاوسط, ويعتبر ان هذه الشعوب تؤلف حلفا طبيعيا تعود قيادته الى سوريا. ولا ينكر حافظ الاسد دور الامريكين لكنه لا لايثق بهم, يتصدى لهم من غير ان يصدمهم, يواجههم من غير ان يثير عداوتهم كليا, قصة حافظ الاسد مع الولايات المتحدة الامريكية, من نيكسون الى ريجان, ومن كيسنجر الى حبيب, مزروعة بالمبهمات وسوء التفاهم, والخيبات. في مقابل ذلك يميل الرئيس السوري الى اوروبا, ويحتفظ بشيء من الحنين بالنسبة الى فرنسا, انه يأسف على شارل ديجول, الذي كان يستطيع, بحسب رأي الاسد, ان يعطي اوروبا وزنا محترما, ويرى الرئيس السوري ان اوروبا ليست قوة متماسكة وتفتقر الى زعامة سياسية, وانها (في النهاية, حليفة الولايات المتحدة الامريكية, ولكنها ليست الولايات المتحدة) , لذلك يجب ان تبقى متنفسا للعالم الثالث, وهكذا يرى ان الاتحاد السوفييتي صديق صعب المراس, والولايات المتحدة الامريكية شر ضروري, واوروبا ملجأ محتمل. ان (مذهب الاسد) واداته الاستراتيجية, (اللعبة المفتوحة) , يخدمان هدفا كبيرا: سوريا. وحافظ الاسد هو, في نهاية الامر, وطني سوري, حول سوريا من لعبة الى لاعب, ومن دولة في مهب رياح الانقلايات الى قوة اقليمية عظمى. ولم تعرف سوريا مثل هذا النفوذ وهذا الاستقرار الا في عهد حافظ الاسد, ولكن الجانب الآخر من الصورة هو ان سوريا تعيش في حالة حصار واستنفار دائمين منذ 1970, انه ثمن النجاح, فلا يمكن لدولة صغيرة ان تعتنق سياسة كبيرة بدون تضحيات جمة وهفوات كثيرة. لقد استطاع الاسد ان يستمر هذه الحقبة القياسية, وان يحقق هذه السياسة الكبيرة والطموح بفضل احكام قبضته الحديدية على الوضع الداخلي, ولا تخفي بعض مظاهر الليبرالية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي واقع النظام العسكري السائد في سوريا. ويحرص الرئيس السوري على تبرير اعمال القمع فيرد كل الصعوبات التي يواجهها الى موقفه القومي العربي الصلب. فمن وجهة نظر دمشق كل النزاعات, ابتداء من الاضطرابات الطائفية وانتهاء بالصراع مع الفلسطينيين, ترمي اساسا الى القضاء على الصمود السوري بوجه (المؤامرة الامريكية ـ الاسرائيلية) . فباسم القومية العربية يتدخل الحكم في الخارج ويتشدد في الداخل. ولكن, ليس كل شيء سياسة, وحافظ الاسد مقتنع بدور سوريا المميز, ولنفهم عقيدته يجب ان نكون فهمنا رؤياه القومية, وقد حدد بوجودي, عام 1978 هذه الرؤية, فقال: (تختلف سوريا عن كل البلدان العربية الاخرى, فنحن نحمل رسالة العروبة بمفهومها الواسع الذي يعني وحدة المصير العربي المشترك, فكل ما هو عربي يعنينا, كما نتميز عن سوانا بقومية ناشطة وفاعلة, كل وحدة عربية لا يمكن تصورها بدون سوريا, وكل حرب ايضا) . سوريا هي العقدة وهي الحل في لبنان والشرق الاوسط) هذه اقتناعات هذا الرجل الذي يمكن ان نلقبه مع فوارق المكان والزمان ببسمارك العرب. او معاوية القرن العشرين. هكذا كان الرئيس الراحل حافظ الاسد, ورحل كما كان. بقلم: كريم بقرادوني كاتب وسياسي لبناني