نظام الرعاية البيطرية العراقي ـ الذي كان يعد أكثر الانظمة المماثلة في الشرق الاوسط تقدما ـ يوشك على الانهيار, حسبما يحذر مسئولو منظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة (الفاو). والمتوقع ان تتجاوز الامراض الخطيرة الناجمة عن انهيار النظام البيطري، (جراء العقوبات الغربية المفروضة على بغداد منذ نهاية حرب الخليج) حدود العراق لتفتك بالثروات الحيوانية في البلدان المجاورة. اذ تؤكد مصادر الفاو ان اوبئة حيوانية قاتلة مثل الدودة الحلزونية القديمة والبروسيلوسس قد تفشت في العراق, ولم تعد وسائل العلاج البيطري المتدهورة قادرة على مواجهتها. وعن الاخطار الاقليمية لهذه المشكلة, يقول دافيد وورد المسئول عن صحة الحيوان في مقر منظمة الفاو بروما ان ضعف السيطرة (البيطرية) في العراق يهدد بانتشار امراض الماشية والحيوان عبر الحدود الى دول اخرى, مما قد يتسبب في كارثة اقليمية في نهاية المطاف. بالطبع ليس من صلاحياتنا ان نطالب برفع العقوبات الدولية على العراق او بالابقاء عليها. لكن المؤكد ان امراض الحيوانات في العراق ستؤثر على الثروة الحيوانية في المنطقة برمتها, وينبغي توفير ميزانيات اكبر لمراقبة الوضع ومواجهة الاوبئة العابرة للحدود. في العراق تهاجر اعداد كبيرة من الحيوانات موسميا لمسافات طويلة لأغراض تجارية وبيطرية مما يساعد على انتشار الامراض, فضلا عن تدهور الخدمات البيطرية بالبلاد نتيجة نقص الموارد والحصار المفروض على استيراد الاساسيات. لقد انفصلت اجهزة الرعاية الطبية في شمال العراق عن وسطه وعن جنوبه بسبب النقص الشديد في وسائل المواصلات والوقود واللقاحات الطبية والمضادات الحيوية يقول وارد, ثم يضيف موضحا (كان العراق يتمتع بخدمة بيطرية ذهبية تتمتع بوفرة في الميزانيات المخصصة للاطباء وللمعدات, والتي كان الدخل النفطي المرتفع يمولها بكل سهولة. في تلك الفترة المزدهرة, نجح البيطريون العراقيون في استئصال العديد من الامراض الخطيرة, كما تمكنوا من السيطرة على وباء القدم والفم الخطير. واعتمدوا في ذلك على برنامج تطعيم مكثف وشديد الفعالية, استمدوا اغلب امصاله من منتجات محلية. اذ طوروا مصلا خاصا لمكافحة مرض القدم والفم, كما طوروا لقاحات فعالة اخرى لمكافحة الامراض التي تصيب الدواجن. كانت الخدمات البيطرية العراقية تتمتع بمستوى تكنولوجي ممتاز) . لكن الصورة اختلفت جذريا اليوم .. فمعامل انتاج الأمصال البيطرية في انحاء العراق اما مغلقة او معطلة بسبب نقص التمويل. ومن بينها معمل تلقيح حكومي اغلق مؤخرا بدعوى انه يستخدم في تطوير اسلحة بيولوجية, برغم ان المفتشين الدوليين فشلوا تماما في اثبات هذا الزعم. يقول وارد الخدمة البيطرية العراقية تحتضر برمتها .. انهم يحتاجون الى ثلاجات كهربائية لتبريد الامصال. لقد توقفت الامدادات وتعطلت آلية العمل كلية. لا شك ان لتفشي امراض الحيوانات اثره السلبي المباشر على الامن الغذائي في العراق الذي تدهور الى ادنى المستويات بسبب العقوبات الدولية المفروضة منذ العام 1990. ويعبر بيتر رويدر المسئول في فريق الرعاية البيطرية التابع للفاو عن قلق المنظمة الدولية في هذا الصدد بقوله (اكثر ما نخشاه ان ينعكس الوضع الصحي المتدهور للحيوانات في العراق على الانتاج الغذائي في المنطقة كلها. ان انتشار الأوبئة الحيوانية في العراق على هذا النحو انما يعكس انهيار الخدمات الطبية الاساسية وتعطل انظمة الوقاية) . ويوضح تقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالمية ان متوسط الحصة الغذائية اليومية في العراق لا يوفر الحد الادنى المطلوب للسكان من سعرات حرارية او عناصر غذائية اساسية. فيقول وورد) كان الشعب العراقي (قبل حرب الخليج الثانية) يتمتع باحد افضل المستويات المعيشية في الشرق الاوسط. كان العراقيون يستوردون كل ما يلزمهم من غذاء ودواء وعلف للحيوان, لكن هذا كله انتهى بسبب العقوبات) . قبل الحرب والحقيقة ان العراق كان ينعم في فترة ما قبل حرب الخليج بأعلى معدل وفرة غذائية في المنطقة يأتي ثلثاه تقريبا من الاستيراد. لكن البلاد اضطرت منذ فرض العقوبات الى الاعتماد على مواردها الذاتية التي لا تغطي الحد الادنى من احتياجات الشعب العراقي الغذائية. وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية ان سوء التغذية يعم ارجاء هذا البلد النفطي الزراعي, وان الاطفال الصغار هم الاكثر تضررا من نتائج الحصار الدولي. ولمنظمة الاغذية والزراعة الدولية الفاو موظف مستقر في بغداد وفرق من المراقبين منتشرة في عدد من المناطق العراقية المختلفة تسجل ملاحظاتها عن الوضع وترفع تقاريرها الى المقر الرئيسي (في روما). لكن الاجهزة البيطرية العراقية تقلصت الى حد مخيف منذ العام 1990, ولم يبق في البلاد من الاطباء المتخصصين في تشخيص الاوبئة الحيوانية الخطيرة سوى حفنة مشتتة تعمل بدون اي مساندة مادية او تقنية او حتى معنوية. ويرى مسئولو الفاو ان القدرة على مراقبة نوعية الامراض الحيوانية المنتشرة في العراق ومستوى انتشارها تدهورت تدهور الخدمة البيطرية ذاتها, فيقول رويدر (انها نتيجة طبيعية ان نشهد ارتفاعا ملحوظا في مستوى تفشي الأوبئة في العراق. لكن اخطر الاوبئة التي عادت الى هذه المنطقة بعد اختفائها لسنوات هو داء القدم والفم الذي يهاجم الضأن الصغير وصغار الجاموس والماعز ويتسبب في نفوق اعداد هائلة منها منذ عودته بشراسة في العام 1998. وبلغت نسبة الخسائر في بعض القطعان اكثر من 80% بسبب هذا الوباء اللعين) . وقد سارعت منظمة الفاو بشن حملة اغاثة عاجلة عن طريق ارسال العديد من الاستشاريين وكميات كبيرة من اللقاحات استجابة لاستغاثة العراقيين. وبالفعل نجحت الحملة المضادة في تقليص حجم الكارثة التي اصابت نحو مليون قطعة ماشية, وان كان التدخل قد جاء بعد تفشي المرض في انحاء العراق. وتقدر اكثر التقديرات الرسمية تحفظا حجم الخسائر في الثروة الحيوانية العراقية بنحو 50 الف رأس من الماشية و30 الفا من العجول في وسط وجنوب العراق, بينما تبدو الخسائر أكثر جسامة في شمال العراق. اذ يبلغ معدل الوفيات بين الحيوانات في المنطقة المتاخمة للحدود السورية اكثر من 50%. لكن مسئولي الفاو يتخوفون حاليا من تفشي نوع من انواع داء القدم والفم يسمى فيروس (أ) لا يمكن وقاية الحيوانات منه. وقد اكتشف الداء الجديد في فبراير الماضي فقط, وثمة مخاوف عميقة من احتمال انتشاره في انحاء البلاد وانتقاله الى الأردن وسوريا المجاورتين. وفي نفس توقيت ظهور داء القدم والفم مجددا, انتشر وباء فيروسي جديد يعرف اختصارا باسم (بي.بي.آر) فتك بالآلاف من صغار الماشية. ومرة اخرى هرعت الفاو الى تدشين برنامج طوارىء لمكافحة المرض مما ساعد على تقليل مخاطره قدر الامان ومع ذلك يتشكك رويدر في (ان يتمكن الاطباء من استئصال الوباء من جذوره) . وشملت قائمة الأوبئة الفتاكة الاخرى التي تهدد الثروة الحيوانية العراقية مؤخرا حمى الكونغو أو (نزيف الكريميان) وهي عدوى فيروسية تصيب الماشية والبشر على حد سواء, وكذلك البروسيلوسس الداء البكتيري الذي يتسبب في اجهاض الماشية والاغنام والماعز دون سبب علمي واضح والذي ينتقل ايضا الى الانسان عن طريق الحليب أو اللحوم الملوثة. وعادة ما ينتج عن اصابة البشر بهذا الداء ما يسمى بحمى مالطا التي تستشري في الجسم لاسابيع عدة, وتسبب (صداعا قاتلا وألما مبرحا في المفاصل) كما يقول وورد مضيفا(وبرغم ان هذه الحمى لا تؤدي الى الوفاة بالضرورة, لكنها تجهد المريض بدرجة تمنعه من العمل. وقد توقف البرنامج الطبي المخصص لمكافحة هذا المرض في العراق منذ سنوات بسبب العقوبات) . لكن مسئولي الفاو حاولوا احياء هذا البرنامج الوقائي مؤخرا على الاقل للسيطرة على وباء البروسيلوسس. فأعادوا توزيع المصل الواقي ووسائل الاختبار وسط مصاعب وعقبات جمة (ستطيل أمد المحاولة اليائسة) على حد تعبير وورد. أما الدودة الحلزونية القديمة فقد عادت للظهور في العام 1998 وهددت بالانتشار في سوريا والاردن والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول المحيطة بالعراق, قبل ان يدخل خبراء منظمة الفاو واحتواء المرض القاتل الذي يفتك عادة بالماشية والضأن وينتقل الى البشر كما فعل في بعض مناطق العراق. وينتقل هذا المرض في الاساس عن طريق الذبابة التي تضع بيضها بالقرب من اي جرح في جلد البهيمة, وحين تفقس اليرقات تخترق الجسم وتتغذى على أنسجته الحية متسببة في مرض يعرف باسم ميازس الذي يؤدي بدوره الى وفاة المصاب اذا لم يعالج في مرحلة مبكرة. ويذكر ان منظمة الفاو شاركت في حملة ناجحة بين 1989 و1993 للقضاء على الدودة الحلزونية التي انتشرت في ليبيا في تلك الفترة, انتهت باستئصال الآفة نهائيا من البلاد. لكن مسئولي الفاو انفسهم يرون ان الوضع يبدو هذه المرة خارجا عن السيطرة في العراق. الفاو وبرنامج المساعدات على مدى خمس سنوات, انفقت منظمة الفاو 1.4 مليون دولار من ميزانيتها الخاصة علاوة على 2.17 مليون دولار اخرى جمعتها من التبرعات لمكافحة الامراض المتفشية بين الحيوانات في العراق. وما من شك في ان مجهودات الفاو ساعدت على تخفيف وطأة الكارثة وفي احتواء بعض اخطر الآفات الحيوانية, كما رفعت انتاج الغذاء في العراق عن طريق انعاش صناعة الدواجن من جديد. وقد وقع اختيار الخبراء البيطريين على الدواجن بسبب دورتها الانتاجية الأسرع (مقارنة بالماشية) وبسبب نسبة البروتين المرتفعة في بيضها ولحومها. فأنفقت الفاو وحدها ما يعادل مليون دولار على مشروع لتغذية الدواجن وإقامة مزارع لها واعادة بناء الطواحين التي دمرتها الحرب أو عطلها الاهمال. وبالفعل بدأت تباشير الثمار في الظهور مؤخرا, فقبل عامين لم يتجاوز عدد مزارع الدواجن 23 مزرعة في شمال العراق يضم كل منها حوالي عشرة آلاف طائر, واليوم وصل عدد المزارع الى 437 وانخفضت اسعار الدواجن بمقدار الثلثين. وبمساعدة الفاو أيضا, دبت الحياة مجددا في خمسين على الاقل من اصل 250 عيادة بيطرية في العراق. وعن ذلك يقول وورد (لقد ساعدنا في اعمار هذه العيادات مرة اخرى وفي اعادة المياه اليها. بعضها دمره القصف الجوي (اثناء غارات الحلفاء في حرب الخليج), لكن البعض الآخر منها كان مهجورا بسبب الاهمال ونقص الموارد. والبقية دمره القتال الأهلي بين العراقيين والأكراد) . لكن وبالرغم من نجاحهم هذا, يتفق مسئولو الاغاثة على ان اغاثة العراق على اطعام شعبه عملية شاقة بسبب الحظر المفروض على استيراد بعض المواد الاساسية في اطار برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تشرف عليه الأمم المتحدة. ويتسبب التأخير في استصدار موافقة البرنامج على توريد عناصر بعينها الى تفاقم الأزمة وفرض حالة طوارىء نادرا ما تسعف الضحايا. فالتصريح بدخول الأدوية والمعدات اللازمة لمكافحة الأوبئة المتفشية بين الحيوانات في العراق يمر بسلسلة اجراءات طويلة تبدأ في مقر لجنة العقوبات بمبنى الأمم المتحدة في نيويورك. وكم من مرة فشل فيها مسئولو منظمة الفاو في ادخال مبيدات الآفات الزراعية والحيوانية الى العراق في الوقت المناسب, وكم من مرة فشلوا فيها في الحصول على موافقة من لجنة العقوبات الدولية على استيراد أمصال ضرورية للبشر والحيوانات في العراق. يقول دافيد وورد مسئول قسم الرعاية البيطرية في منظمة الفاو بتأثر بالغ (كل شيء يدخل الى العراق يحتاج الى إذن مسبق من لجنة العقوبات في نيويورك. الأدوية, اللقاحات, وحتى المعدات والمكونات الأساسية تحتاج الى تصريح ثم الخضوع لاختبارات مطولة عنصرا بعنصر.. إنها عملية مؤلمة) . ورلد نيوز لينك