وجه الاتحاد العام لنساء العراق رسالة رقيقة تراجيدية, الى الاتحاد النسائي العربي, واتحاد المرأة العالمي, ضمنها خلاصة دراسات اجرتها فرق بحثية اجتماعية ونفسية وتربوية, حول ما يعانيه اطفال العراق جراء الظروف القاسية التي يواجهونها, ولاسيما الاطفال الذين يفترض انهم في سني الدراسة الاولى حيث تركوها وفضلوا الشوارع من اجل لقمة العيش واجبروا للانخراط في اعمال ومهن شاقة رغم اناملهم الرقيقة. وجاء في الرسالة: اينما ذهبت .. في الشارع, في سوق العمل, في الورش الانتاجية, في محال الضلاعة, وفي المعامل المجازة وغير المجازة .. على الارصفة, وحينما وجدت مهنة شاقة, تجد ان العمال صبية, لم يتجاوزوا العاشرة او الخامسة عشرة من العمر. وقد افصح عن هذه المأساة الانسانية, منسق الامم المتحدة الانساني السابق في العراق, هانزفون سبونيك, عندما قال: (عند زاوية كل شارع, يمكن رؤية اطفال يفترض ان يكونوا في المدرسة, وهم يبيعون بضائعهم البسيطة) . هذا هو حال اطفالنا في زمن الحصار, فهم ـ بلا منازع ـ الضحية الاولى في التربية والتعليم, وفي الغذاء, والدواء. وفي عداد الموتى هم على رأس القائمة. صور من (الطفولة) في كل عام, يحتفل العالم بـ (يوم الطفولة) .. لكن .. كيف يحتفل اطفال العراق؟ بل, هل يحتفلون حقا .. ؟ واين هي الطفولة؟ هل شعروا بها .. او مارسوها؟ لقد اريد من (الطفل) ان يكون (كبيرا), ويتحمل مسئولية نفسه, ومسئولية اعالة اسرته, فتكاليف المعيشة تتطلب منه ذلك, وعليه ان يعمل اي شيء, وفي اي مكان .. فلا خيار عنده. فاما ان يعمل, واما ان يجوع .. ! وبين هذين الخيارين ترك المدرسة, واخذ عقله الصغير يوحي له بان مستقبل الدراسة (فقر) .. وواقع الحال يشهد له على ذلك. وهكذا نرى اطفالا في عمر الزهور, ملطخين بالدهون القذرة في محال تبديل الدهون وغسل وتشحيم السيارات والآليات الثقيلة, او محال الضلاعة . واطفالا يعملون في المصانع والورش غير المجازة, التي تخلو منها شروط الصحة والامان .. كما في محال او معامل الزجاج والبلاستيك (المعاد). واسوأ تلك الصور تظهر ليلا, وحتى ساعات الصباح, حيث يعمل هؤلاء الصغار لمدة تتجاوز العشر ساعات يوميا, يقضون فيها ليلهم بالعمل الشاق المضني .. وكلما اطبق عليهم النعاس, ايقظتهم صيحات رب العمل. وهناك اطفال يعملون في جمع القمامة, واخراج ما فيها من احذية واكياس نايلون وعلب فارغة وكفوف وحقن طبية مستعملة, وبيعها الى (مقاولين) مختصين في هذا المجال, لاعادة تصنيعها من جديد .. واطفال يعملون في البناء, وفي الورش المنتشرة في الشيخ عمر, وكسرة, وعطش, وغيرها .. وفي تسليك المجاري والتأسيسات الصحية, وفي بيع النفط الابيض واسطوانات الغاز, وفي الجزارة .. وفي كل شيء له مردود مادي. وهكذا تزاول (الانامل الناعمة الطرية) الاعمال والمهن الشاقة, غير مكترثة بالمستقبل او بالصحة .. المهم هو الارتزاق, واكتساب سبل العيش, في وقت اصبحت فيه (اللقمة) هي الهدف والغاية. على من اللائمة!؟ معظم الاطفال, ممن يزاولون الاعمال الشاقة, يلقون باللوم على آبائهم وامهاتهم, الذين لم يستطيعوا توفير لقمة عيش كافية لهم, كما ان بعضهم, وان كان طفلا, فهو (المعيل) الوحيد لاسرته التي فقدت معيلها في واحدة من الحربين, واصبح لزاما عليه ان يكبر بنفسه, ويعمل في الليل والنهار, مضحيا بمقعده في المدرسة من اجل من يعيل. اما الآباء, فانهم يدافعون عن انفسهم, ويردون اللائمة عنهم .. فمن مات لم يقتل بارادته! ومن بقي حيا فانه هو ايضا ما كان يدور في خلده ان الموازين ستنقلب بهذا الشكل. وهنا تبرز مشكلة اخرى تتعلق بالسلوك, وهي التي اثارها الفريق الاجتماعي, وتتلخص: ـ في غياب الموجه, بسبب ابتعاده, او ابتعاد الاطفال عن البيت, تجدهم يتصرفون بما لا يليق بأعمارهم .. فالاسلوب القسري الذي يلقونه من رب العمل, وابتعادهم عن المدارس ودورها التربوي في بناء الشخصية, يجعلهم عرضة للتأثر بالعادات السيئة والسلوك المؤذي, وما يعزز ذلك هو قدرتهم على (الصرف) على انفسهم, من خلال المردود المادي الذي يحصلون عليه .. فتراهم يدخنون منذ الصغر, لتشكل ظاهرة تدخين الصغار مؤشرا ضارا على صحة الطفل والمجتمع عموما, ناهيك عن السلوكيات (غير البريئة), لاحتكاكهم بصور ونماذج مختلفة, وربما سيئة. ضحايا الحصار ولاشك, ان القوانين السائدة تمنع عمل الاطفال, فقانون التعليم الالزامي رقم 118 لسنة 1976 نص على عدم تشغيل الاحداث قبل اكمالهم الخامسة عشرة من العمر, ووضع عقوبات بحق المخالفين, واوصى دوائر ومؤسسات الدولة والقطاع العام, والمنظمات الشعبية والثقافية, بالعمل على الزامية التعليم وتحقيقها. ولكن هذا القانون ظهر في ظروف يمكن ان نقول عنها انها (طبيعية) .. اما العقوبات التي يهدد بها المخالفين, فانها لاتصل الى عقوبة (الجوع) لو ترك الاطفال اعمالهم .. كما ان التعليم نفسه اصبح مكلفا, وعلى التلميذ (او اسرته) ان يسهم ماديا في المسيرة التعليمية. ان هؤلاء الاطفال هم ضحايا الحصار, وان عجلة الحياة داست فوقهم بقسوة, حتى خرجوا (مضطرين) الى سوق العمل والمهن الشاقة, تدفعهم في ذلك عوامل عدة, تضمها لافتة واحدة عنوانها (تكاليف المعيشة). ولكن الطاقة الكبرى, اننا نريد من هؤلاء الصغار ان يكونوا (في غد) قادة المستقبل ... ولكن .. كيف!؟ دعونا اذن نقرع ناقوس الخطر قبل فوات الاوان .. ان لم يكن قد فات فعلا .. !