يأتي وصول الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الى باريس امس في زيارة رسمية, هي الاولى له منذ توليه الحكم في الجزائر تتويجاً لجهود مشتركة فرنسية ـ جزائرية لتقريب وجهات النظر ورأب الصدع الذي ساد هذه العلاقات لسنوات طويلة ، وحتى بعد اشهر من وصول بوتفليقة الى رئاسة الجمهورية بانتخابات كانت موضع عدم ارتياح من قبل فرنسا, التي اعتبرت ان هذه الانتخابات وما رافقها لا تمثل وجهاً ديمقراطياً فما كان من الرئيس بوتفليقة الا ان دعا فرنسا الى الاهتمام بشئونها وعدم التدخل في شئون الجزائر الداخلية. ونشطت اللقاءات ان في الجزائر التي زارها مسئولون فرنسيون كبار كوزيري الداخلية والخارجية جان بيار شوفينمان وهوبير فيدرين وغيرهما او بالعكس من قبل قيادات جزائرية وكل ذلك في اطار وضع قراءة او تصور جديد للوضع والعلاقات الفرنسية ـ الجزائرية, بهدف تحسين هذه العلاقات كما عبر مراراً الوزير (شوفينمان) المعروف بعلاقاته الجيدة والمميزة مع الجزائريين والتي وصلت الى درجة ان العديد من مستشاريه ومعاونيه القريبين جداً هم من اصل جزائري وقد تطورت الاوضاع خلال الاشهر الماضية على نحو ايجابي خصوصاً بعد رسالة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى نظيره الجزائري دعاه فيها الى تنمية وتطوير علاقة الثقة بين البلدين بشكل جدي من أجل مستقبل افضل بين فرنسا والجزائر. علاقات تاريخية وجالية كبيرة العلاقات الفرنسية ـ الجزائرية محكومة بعوامل عدة تحتم شاء أم أبى السياسيون, تحسنها وابرز هذه العوامل: ـ وجود جالية جزائرية في فرنسا تزيد على المليون نسمة وهي اكبر جالية بين المهاجرين ومعظمهم من العرب والمسلمين, هذه الجالية التي يعيش افرادها ويعملون ويتمنون ويتطلعون الى علاقات طبيعية بين فرنسا والجزائر مما ينعكس ايجاباً على حركتهم وتنقلهم خصوصاً وان عدد التأشيرات التي كانت تمنح للجزائريين تراجعت من خمسمئة ألف تأشيرة قبل أحداث 1992 الى اربعين الف تأشيرة. ـ عامل آخر له تأثيره المباشر فقد رأت فرنسا ان بخروجها من السوق الجزائرية ادى بنسبة كبيرة الى تراجع صادراتها واستثماراتها ولا سيما في القطاع النفطي, حيث حلت شركات امريكية نفطية وبريطانية في هذا القطاع, الذي وصلت فيه الاستثمارات الى مليارات الدولارات لذلك تسعى الشركات الفرنسية الى العودة لفتح سوق الاستثمار الجزائرية. ايضاً, من المعلوم ان الجزائر وصلت مرحلة الخصخصة ولا سيما في قطاعات الكهرباء والاتصالات وغيرها من القطاعات الصناعية التابعة للحكومة الجزائرية لذا تطمح وتحاول الشركات الفرنسية ان تلعب دوراً في هذا القطاع وعدم افساح المجال للشركات من جنسيات اخرى اذا استطاعت للفوز او دخول هذا القطاع الاستثماري. وتأتي العلاقات الاقتصادية الفرنسية ـ الجزائرية في المرتبة الاولى من حيث اهميتها اذ ان فرنسا تعتبر الممول الاول للجزائر قبل الولايات المتحدة وايطاليا والمانيا. وقد ازدادت الصادرات الفرنسية خلال العام 1999 بنسبة 1.3% وبلغت قيمتها 15.863 مليار فرنك فرنسي, اي ما يشكل 30% من السوق. في المقابل فرنسا هي ثالث بلد مستورد من الجزائر بعد ايطاليا والولايات المتحدة وبلغت الواردات 9.724 مليار فرنك فرنسي في العام 1999 بزيادة 6.2% بالنسبة الى العام 1998 كما تأتي الجزائر بالمرتبة التاسعة عشرة بين المصدرين الى فرنسا والسادسة خارج المجموعة الاوروبية, وثاني شريك اقتصادي لفرنسا في افريقيا. وقد توصلت فرنسا مع الجزائر الى تحقيق فائض اقتصادي قيمته 6.1 مليارات فرنك في العام 1999 مقابل 6.50 مليارات فرنك عام 1998. اما الاستثمارات المباشرة الصافية الفرنسية فشكلت 340 مليون فرنك فرنسي بين الاعوام 1990 و1998 خارج قطاع النفط بينما تشكل المعدات الصناعية 24% من الصادرات الفرنسية الى الجزائر والمواد الاستهلاكية 21% والسيارات 20% والمنتوجات الزراعية 18% والمواد التحويلية 17%. والاستثمارات الفرنسية زادت خصوصاً في القطاعات البترولية والمستحضرات الطبية وفي القطاع المصرفي. تنمية ثقافية وتربوية ومنذ انتخاب الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في 15 ابريل 1999 وفرنسا والجزائر تعملان حسبما أعلنه وزير الخارجية الفرنسية هوبير فيدرين, في الجزائر في يوليو الماضي, على تقوية وتجديد التعاون في جميع القطاعات. وساعدت لقاءات بين السلطات الفرنسية والجزائرية في ديسمبر 1999 في باريس وفي ابريل الماضي في الجزائر على وضع الاطر الجديدة لهذا التعاون, الذي يتمحور الآن حول خمس نقاط واسس اولية هي: * السعي لصالح التأهيل (التدريبات العليا) . * تقوية التعاون التقني بهدف التوصل الى تحديد البنى الاقتصادية الجزائرية. * التعاون على الصعيد الصحي. * المساعدة للجمعيات الاقليمية خصوصاً في قطاع المياه والتنظيم المدني ومعالجة التخلص من النفايات. * تطوير الشراكة في قطاعات الشباب والرياضة. وقد اطلقت وزيرة الشباب والرياضة (ماري جورج بوفيه) وزميلها الجزائري (عبدالمالك سلال) برنامج التعاون في قطاعي الشباب والرياضة في 25 و26 من ابريل الماضي اثناء زيارتها للجزائر. هذه التطورات ادت الى اعادة افتتاح المركز الثقافي الفرنسي في الجزائر في الخامس عشر من يناير المنصرم وخصوصاً امام الباحثين والجامعيين فضلاً عن التعاون الثقافي الذي يتمثل بالدعم الذي تقدمه فرنسا للمدرسة العليا للفنون الجميلة, وايضاً في مجال الكتاب والكتابة. العلاقات القنصلية وتنقل الاشخاص التزاماً بالتعليمات المشتركة من وزيري الخارجية (هوبير فيدرين) والداخلية (جان بيار شوفينمان) فقد اتخذت اجراءات على الصعيدين العددي والنوعي ادت الى ازدياد منح تأشيرات دخول للجزائريين آخذة في عين الاعتبار نوعية العلاقات الانسانية بين فرنسا والجزائر. وتضاعف عدد التأشيرات الممنوحة ثلاث مرات حتى وصل الى مئة وخمسين الف تأشيرة في العام 1999 خمسة وسبعين في المئة اعطت من اجل زيارات عائلية وخاصة كما ازدادت تأشيرات المرور ولا سيما لأولئك الذين يساهمون في تطور العلاقات الثنائية (رجال أعمال, باحثين وأماكن تربوية وثقافية) واخيراً سيتم اعادة فتح القنصلية الفرنسية في (عنابة) اضافة الى القنصلية العامة في (وهران) التي اوشكت افتتاحها بعد اعادة ترميمها. واخيراً يبدو ان الوقت حان للعودة بالعلاقات الفرنسية ـ الجزائرية الى طبيعتها ولا سيما الاطار السياسي الذي سيكون محور الزيارة الهامة للرئيس بوتفليقة وذلك في اطار احترام سيادة البلدين وبالتالي سينعكس ذلك على العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية بين البلدين حتى الروابط الانسانية والثقافية وقد بدأ ذلك فعلاً.