منذ قرابة سبعة عشر عاما لم يقم أي رئيس دولة جزائري بزيارة رسمية إلى فرنسا, فآخر زيارة كانت للرئيس الشاذلي بن جديد التي تعود إلى عام 1983, وبعد مرور خمسة أعوام بدأت أعمال الارهاب لتعزل الجزائر عن المشهد العالمي, لكن انتخاب الرئيس بوتفليقة أعاد الثقة إلى هذا البلد وللخروج من أزمة البلاد قام الرئيس الجزائري بزيارات عديدة إلى بلدان مختلفة ومنها الزيارة التي سيقوم بها إلى فرنسا غدا الأربعاء. وتعتبر هذه الزيارة التي تستغرق خمسة أيام طويلة واستثنائية بالنسبة للزيارات الرسمية. وتؤكد هذه الزيارة حسب ما يعتقده الدبلوماسيون الفرنسيون المناخ الجديد بين البلدين وارادة التقارب بينهما, وقد هيأت باريس نفسها واتخذت كافة الاستعدادات من أجل انجاح هذه الزيارة التي تجمع الدوائر الرسمية على انها ستدشن عهدا جديدا في العلاقات الفرنسية الجزائرية التي تميزت على رغم مراحل القوة والضعف فيها, بأنها تسير بشكل أفضل مما يتوقعه بعض المراقبين ذلك لأن باريس تبقى الشريك الاقتصادي الأول للجزائر طيلة هذه السنوات. وتؤكد معلومات قصر الاليزيه ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك سيعقد أكثر من جلسة مباحثات خاصة وموسعة مع نظيره الجزائري, ويحرص على اضفاء نوع من الحميمية على هذه الزيارة, وتكشف المصادر في المستشارية الاعلامية بالاليزيه بأنها ستتطرق إلى كافة الملفات ذات الاهتمام المشترك لتعيد التوازن العام في العلاقات بين البلدين و لتشكل تحولا حقيقيا في كل أواصر التقارب والتعاون بينهما. وستتركز المباحثات والمشاورات بين الرئيسين الجزائري والفرنسي على محاور أساسية وهامة يأتي في مقدمتها موضوع اعادة أجواء الثقة وتوازن المصالح إلى مسيرة العلاقات الثنائية حيث تأخذ الجزائر على باريس عدم اهتمامها الكافي وضعف موقفها من الأحداث الصعبة التي مرت بها البلاد. وسيحمل بوتفليقة الحكم الاشتراكي مسئولية ما آلت إليه علاقات البلدين, انطلاقا من حقيقة يعرفها الجزائريون وهي ان الرئيس جاك شيراك ومنذ وصوله إلى قصر الاليزيه في عام 1995 بذل قصارى جهده من أجل التقرب من الجزائر, ولم يكن راضيا عن حكومة جوسبان الاشتراكية وتعاملها مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الجزائر, وكذلك ما يخص تنسيق السياسات بكل ما يتعلق بأفريقيا والشرق الأوسط. وسيعقد الرئيس الجزائري مشاورات وجلسات مع رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان الذي سيؤكد استعداد باريس لمضاعفة استثماراتها في الجزائر بما ينسجم والتحولات الجارية هناك, كما ستجد هذه المباحثات حلولا لمسألة الديون الفرنسية على الجزائر في اعادة الجدولة وحذف جزء كبير منها, اضافة إلى بحث دخول الجزائر كعضو نشيط في السوق الأوروبية المشتركة وتخفيض نسبة الضرائب المفروضة على الصادرات الجزائرية. ومن الجدير بالذكر ان هذه الزيارة لا تستطيع ان تتجاوز جميع تفاصيل الملفات التجارية الحساسة لذلك فإن الرئيس الجزائري سيتوقف كثيرا أمام اخفاقات التجارب الماضية وضرورة تجاوز حالة الشك والحسابات القديمة مع التأكيد على ان بلاده مستعدة لفتح صفحة جديدة وواضحة ومتوازنة مع فرنسا, وانطلاقا من هذا الموضوع فإن بوتفليقة سيتشاور مع السياسيين والبرلمانيين من أجل اعادة تأهيل العلاقات بشكل حقيقي لأن ذلك يتطلب قرارات رسمية وتشريعات من نوع خاص, و على الخصوص في فتح الحدود بشكل طبيعي حيث يتطلب مواقف واضحة لا تخضع لتصويت نيابي سواء ما يخص عدد تأشيرات الدخول الممنوحة للجزائريين وطبيعة التعامل مع المقيمين على الأراضي الفرنسية ومسألة اندماجهم بالمجتمع الفرنسي ومشكلات الزواج المختلط, وسيلتقي الرئيس الجزائري أيضا رئيس مجلس النواب والشيوخ كريستيان بونسليه اضافة إلى رجال الأعمال الفرنسيين ووزير الاقتصاد لوران فابيوس. وسيقوم أيضا بزيارة معهد العالم العربي وكذلك سيزور كوشيرو ماتسورا المدير العام لمنظمة اليونسكو. وتتوقع جميع الأوساط السياسية في باريس بأنها ستكون زيارة تاريخية بعد ان أفشلت الجزائر مؤامرة الفتنة الداخلية وتعافت من أوجاعها القديمة بحيث يجعلها ذلك قادرة على معاودة دورها الاقليمي والدولي بما في ذلك اعادة العلاقات مع المغرب, الذي يوليها الرئيس الفرنسي أهمية خاصة. وسيزور الرئيس الجزائري منطقة فيردان حيث سيحيي ذكرى الجنود المسلمين الذين ضحوا بأنفسهم دفاعا عن فرنسا في معركة فيردان الشهيرة في الحرب العالمية الأولى. أما على الصعيد العملي فقد قدمت باريس الكثير وعلى الخصوص على الصعيد الاقتصادي, مثل قرار عودة عمل الخطوط الجوية الفرنسية في الجزائر, ولا تزال المباحثات جارية بهذا الصدد, ووقوف بعض المشكلات التقنية في وجه سير العمل مثل ظروف فحص المسافرين قبل صعودهم الطائرة في الجزائر. ومن المعروف ان مسألة الحصول على التأشيرة الفرنسية للجزائريين سممت العلاقات الثنائية بين البلدين لسنوات طويلة, ولكن هذه المسألة وجدت حلولا, فقد توسعت القنصليات الفرنسية في الجزائر, وتم فتح قنصلية جديدة في عنابة في شرق البلاد التي ستدشن في الأسبوع المقبل, كما تم اتخاذ قرار بفتح قنصلية جديدة أخرى في وهران في غرب البلاد إلى فرنسا, وتأمل الجزائر ان يقوم الفرنسيون بالاستثمار في الجزائر وتشجيع الخصخصة في القطاع العام, وتحديث الاقتصاد الجزائري.