الأمير الأحمر وجورجينا رزق يقضيان شهر العسل على نفقة واشنطن ، الأمريكيون يعطون الضوء الأخضر للموساد لاغتيال علي حسن سلامة بدأت آلة الاغتيالات الاسرائيلية التي خلعوا عليها الاسم الرمزي (غضب الرب) عمليات القتل من اسفل القائمة التي وضعها جهاز الموساد للمطلوبة رؤوسهم في غمار عملية الانتقام. وبعد نجاح عملية (ربيع الشباب) التي قادها ايهود باراك بنفسه بتصفية ثلاثة من قادة فتح داخل بيروت بات الدور يقترب اكثر فأكثر من اعلى القائمة, التي بقيت فيها عدة اسماء بارزة, مثل ابو اياد وأبو داود وعلي حسن سلامة. ويقول مؤلفنا سيمون ريف ونحن نقلب صفحات كتابه (ذات يوم في سبتمبر) كان علي حسن سلام شخصية مختلفة عن الصورة العالقة في اذهان الغرب عن الفدائي الفلسطيني. وقد ولد علي ابنا للشيخ حسن سلامة التاجر الفلسطيني, والمجاهد الكبير ضد الحركة الصهيونية في فلسطين. وأيقن علي منذ نعومة اظفاره بأن عليه السير على خطى ابيه. وينقل ريف عن علي ما ورد في مقابلة صحافية معه عام 1976.. كان تأثير والدي عميقا جدا على حياتي. لقد نشأت في عائلة تعتبر القتال قضية ارث, ينتقل من جيل الى جيل. حتى عندما كنت طفلا كان علي الالتزام بضوابط ونماذج معينة للسلوك.. كان علي الا انسى ابدا بأني ابن حسن سلامة, وعلي ان اكون كفأ لذلك. باستشهاد الشيخ حسن سلامة انتقلت زعامة العائلة لعلي الصغير, الذي ترك بير زيت بعد حصوله على الثانوية الى القاهرة, ومن هناك مضى الى ألمانيا ليدرس الهندسة. وكان على سلامة شابا ثريا جدا يمتلك فيلا في جنيف وسلسلة من الشقق في الجنوب الفرنسي. لكنه ظل ملتزما كل الالتزام بالقضية الفلسطينية, التي لم ينسه ترف العيش اياها. الأمير الاحمر وكان عرفات يثق بعلي سلامة, ويحتاج لمهاراته القيادية وشخصيته الكارزمية, وظل الشاب يرقى صفوف الكوادر القيادية في منظمة التحرير حتى اصبح قائدا للقوة 17. ومن جانبهم لم ير الاسرائيليون في سلامة خطرا كمقاتل فحسب, بل كانوا يرون فيه قائدا فلسطينيا مستقبليا محتملا, قادرا على قيادة حركة واسعة النطاق وعريضة القاعدة ضد الصهيونية. ولقبوه بـ (الامير الاحمر) واصبح اغتياله هاجسا للموساد, لكن في الاسابيع الاولى من عملية (غضب الرب) كان جهاز الموساد يعرف صعوبة الوصول اليه في قواعده المحصنة بالرجال والسلاح في بيروت, ولذلك قرر تأجيله كهدف الى حين. كانت المحاولة الفاشلة الاولى لاغتيال سلامة في يوليو 1973 حينما انطلق مايك هراري و14 عميلا للموساد الى اوسلو, العاصمة النرويجية, بعد حصولهم على معلومات تفيد بأن (الامير الاحمر) هناك وتبع الفريق الاسرائيلي هدفه الى بلده ليلهامر الواقعة قرب العاصمة واغتالوه هناك. لكن تبين ان الهدف لم يكن الا مواطنا مغربيا, اسمه احمد بوشيقي, يعيش هناك مع زوجته. ومع ان هراري تمكن من الهرب فورا, الا ان الشرطة النرويجية استطاعت ان تقبض على ستة من عملاء الموساد, وجدت مع احدهم رقم هاتف ايجال ايال رئيس امن السفارة الاسرائيلية في اوسلو, ليتبين لها ان الجريمة التي ظنت السلطات اولا انها تسوية خلافات بين عصابات ما هي الى عملية اغتيال سياسي. هذا مع ان زيفي زامير, رئيس الموساد, كان في اوسلو ليراقب تنفيذ العملية عن كثب. ليس هذا فحسب, بل تمكنت الشرطة النرويجية بعد التحقيق مع الاسرائيليين من معرفة عناوين شقق امنة للموساد في فرنسا, وهي العناوين التي سلمتها للسلطات هناك لفتحمها الشرطة الفرنسية. بذلت الحكومة الاسرائيلية جهودا كبيرة للتستر على فضيحتها هذه في اوروبا ومقاومة نتائجها, وكانت اولى النتائج تعليق عملية (غضب الرب) الى حين من دون ان يعني ذلك اسقاط اسم علي حسن سلامة من قائمة اغتيالات الموساد. يقول ريف ان الايام مضت, وانقضت خمس سنوات, وعاد المسئولون الاسرائيليون لمتابعة عمليات الاغتيال, وحينما اعيد فتح ملف (غضب الرب) كان سلامة لايزال في اعلى القائمة. ويشير ريف الى ان علاقات (الأمير الاحمر) بالمخابرات المركزية الامريكية والحكومة الامريكية كانت قد استؤنفت حينذاك وعاد الدفء اليها, بعد انقطاعها نتيجة غضب سلامة من محاولة الامريكيين الساذجة تجنيده كعميل لهم عام 1973. وفي نوفمبر من ذلك العام التقى سلامة باعتباره ممثلا رسميا لعرفات بالجنرال فيرنون وولترز, نائب مدير السي اي ايه, ووافق نيابة عن (فتح) على المشاركة في عملية سلام الشرق الاوسط وايقاف الهجمات على الامريكيين. حصل ذلك الاجتماع رفيع المستوى على الرغم من تعهد وزير الخارجية هنري كيسنجر للاسرائيليين بالا تتصل الولايات المتحدة بمنظمة التحرير, لكن ثقة الامريكيين بسلامة كانت لها نتائجها, في غضون اسابيع فقط, حينما حذر سلامة واشنطن من محاولة لاغتيال كيسنجر باسقاط طائرته بصاروخ ارض جو, قبل ان تهبط في مطار بيروت خلال جولة دبلوماسية له في المنطقة. وأسرع الامريكيون بتحويل خط سير الطائرة كما ان رجال سلامة من القوة 17 امنوا الحماية الشخصية لكيسنجر خلال وجوده في بيروت. وكافأت واشنطن منظمة التحرير بالسماح لعرفات بمخاطبة الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك. وكان سلامة سعيدا بصلاته مع السي اي ايه معتقدا انها قد تفتح امام الفلسطينيين خطا مباشرا للاتصال بالبيت الابيض. شكر بلا توقيع عاد علي حسن سلامة مرة أخرى ليثبت أهميته للولايات المتحدة, بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1977, حينما كان المئات من الأمريكيين في لبنان بحاجة لمن يخرجهم من أتون الحرب بسلام. إذ أمن سلامة حراسة من القوة 17 لقافلتين من الأمريكيين, احداهما اتجهت نحو الشاطئ حيث تم نقلهم من هناك إلى سفن الاسطول الأمريكي السادس قبالة الشواطئ اللبنانية فيما عبرت الأخرى جبال الشوف نحو العاصمة السورية, دمشق. وكتب كيسنجر رسالة إلى عرفات يشكره فيها على جميله ذاك من دون أن يوقع على الرسالة باسمه, طبعا. أما سلامة فقد تلقى الشكر شخصيا, لاحقا, حينما اجتمع بقيادات السي آي ايه في مقرها في لانجلي بولاية فرجينيا. وفي تلك المرحلة وصلت علاقات الأمريكيين بسلامة إلى أفضل مستوى لها, ففي يونيو 1977 تزوج علي حسن سلامة من جورجينا رزق, ملكة جمال لبنان ثم ملكة جمال العالم ووجهت السي آي ايه الدعوة للعروسين لقضاء شهر عسل على نفقتها في هاواي. لكن علاقات علي بالسي آي ايه لم تكن ضمانة له من تآمر جهاز الموساد. ففي أواخر عام 1978 عاد اهتمام الموساد ليزيد بالفتى الذي يحظى بثقة عرفات. مرت السنون وخرجت جولدا مائير من الحكومة, وحل محلها مناحم بيجن الذي كان هو نفسه قائدا لعصابات أرجون الارهابية, لكن الموساد كان يتخوف من علاقات (الأمير الأحمر) بالسي آي ايه. وأصبحت العلاقات بينهما واضحة حتى ان الموساد اتصل بقائد محطة السي آي ايه في باريس قائلا انهم سيغتالون سلامة ان لم يثبت الأمريكيون بأنه (مهم لهم) . وهذا ما وضع السي آي ايه في موقف صعب, فهم لا يستطيعون الافصاح عن ذلك لان الولايات المتحدة تعهدت بعدم الاتصال بمنظمة التحرير. وقررت السي آي ايه أخيرا أن تخبر الاسرائيليين عن طريق مدير مكتب الشرق الأوسط فيها روبرت أيمز بأن سلامة لا يعمل مع الأمريكيين. وكان ذلك يعني عمليا انهم أعطوا الموساد الضوء الأخضر لاغتيال سلامة, إذ رأوا بأن عدم اغضاب الاسرائيليين أكثر أهمية من فقدان أفضل رجل على صلة بهم في الشرق الأوسط. وعاد مايك هراري ليتولى المسئولية المباشرة عن تصفية (الأمير الأحمر) ليبدأ في تجنيد العملاء للعملية المنتظرة. وكانت الخطوة الأولى ارسال فريق مراقبة إلى بيروت, حيث اكتشف أعضاؤه فورا بأن الاجراءات الأمنية المشددة التي كانت تحيط به قد تراخت عما كانت عليه حينما كانت آلة (غضب الرب) تعيث فسادا في أوروبا والشرق الأوسط. ويبدو ان (الأمير الأحمر) قد مل من التمترس خلف الوصون, وأصبح أقل تدقيقا فيما يتعلق بالناحية الأمنية, كما انه أصبح على اقتناع بعدم جدوى الخوف من الموت. وتقول شقيقته نضال سلامة: (قال لي ذات مرة انه إذا ما صدر قرار باغتياله فإن القضية تصبح مسألة المكان والزمان فحسب, ولا يمكن أن يعرف متى ستنفذ) . ضفادع اسرائيل طوال ستة أسابيع ظل عملاء الموساد يراقبون تحركات سلامة في أواخر 1978 خلال زيارته لبيروت, وكان علي يقضي معظم أمسياته في بيروت مع زوجته الحامل جورجينا في شقتهما في منطقة الصنوبرة في بيروت الغربية. بدأت العملية الاسرائيلية في نوفمبر 1978 بوصول عملية للموساد إلى بيروت بجواز سفر بريطاني مزور, وبدأت تعمل لصالح احدى المنظمات الخيرية الفلسطينية. واستأجرت شقة تطل على الشارع الذي يمر منه علي سلامة وهو ذاهب أو قادم من شقته. وأمضت العميلة الاسرائيلية معظم وقتها وهي تراقب الشارع من شرفتها. بعد ذلك, أتى عميل آخر للموساد بجواز سفر كندي مزور إلى بيروت, وادعى انه مندوب احدى شركات المطابخ الكندية, وأخذ يمر على المحال ويوزع على أصحابها كتالوجات عن أوان وتجهيزات منزلية. وانتظر جهاز الموساد إلى أن يشعر عميلاه بالراحة والانسجام مع المدينة. ثم قدم عميل ثالث بجواز سفر بريطاني مزور الى بيروت واستأجر سيارة وغرفة في أحد الفنادق. وبدأ الثلاثة باعداد الخطط للهجوم بمساعدة عميل رابع ظل أمره سرا وكان يعمل في العاصمة اللبنانية لحساب الموساد منذ فترة طويلة. وفي أواسط يناير 1979 أصبح عملاء الموساد جاهزين لشن الهجوم على سلامة. وفي احدى الأمسيات نزل اثنان من رجال الضفادع البشرية الاسرائيلية من زورق صاروخي قبالة ساحل بيروت وانسلا إلى شاطئ مهجور ومعهما خمسة كيلو جرامات من مادة شديدة الانفجار وأجهزة تفجير تعمل عن بعد. وكان بانتظارهما اثنان من العملاء الاسرائيليين أخذا منهما المتفجرات. وفيما عاد رجلا الضفادع الى زورقهما, كان العميلان في طريقهما إلى شقتهما ليخفيا المتفجرات داخل احدى السيارتين اللتين استأجروهما ويصلاها بجهاز تفجير لاسلكي. وفيما كان مايك هراري يتابع العملية من الزورق الصاروخي الاسرائيلي, أوقف عملاء الموساد السيارة الملغومة بحذر على جانب الشارع الذي يعبره سلامة بين الحين الآخر وبدأوا بانتظار قدومه. في الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة من بعد ظهر يوم 22 يناير ودع سلامة زوجته, واستقل سيارته الشفروليه, متوجها نحو منزل والدته, يرافقه حارسان مسلحان في سيارته ومسلحان آخران في سيارة لاندروفر وراءه. وحينما شاهده عميل الموساد الذي كان يراقبه وهو يغادر اتصل بالعميلين الآخرين في الشقة المشرفة على الشارع حيث تتوقف السيارة الملغومة. وأخذ الاثنان يراقبان الوضع بانتظار مروره. وحالما دخلت سيارة سلامة الشارع, وأصبحت بمحاذاة السيارة الملغومة, فجر العميلان السيارة لاسلكيا, ليسمع صوت الانفجار من على بعد عدة كيلو مترات. أصيب (الأمير الأحمر) من جراء الانفجار بجروح قاتلة, وطار من سيارته بفعل قوة الانفجار, وسقط على ارض الشارع. ولم تنجح جهود الأطباء في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت في انقاذه, حيث توفي على سريره في غرفة العمليات في الساعة الرابعة وثلاث دقائق. وقتل جراء الانفجار ثمانية أشخاص آخرين. كان هراري لا يزال يراقب العملية من الزورق الصاروخي, وحينما تأكد من حدوث الانفجار, أرسل الضفادع البشرية الاسرائيلية بزورق مطاطي ليلا لاخلاء عملاء الموساد من شاطئ بيروت. وهكذا تمكن هراري من تنفيذ المهمة التي كلفته بها جولدا مائير قبل ست سنوات. وداعا يا بطلي! في مقبرة الشهداء في بيروت حضر 100 ألف شخص جنازة علي حسن سلامة. وقام ياسر عرفات بانزال الشهيد في كفنه إلى القبر ثم التفت ليعزي ابنه حسن سلامة الذي كان ابن 13 عاما حينها وهو يبكي. بجانب قبر أبيه. وبجانب القبر وبين جموع المعزين صرخ عرفات: (سنتابع مسيرتنا على الدرب نحو فلسطين. وداعا يا بطلي!) . يقول ريف ان مقتل علي حسن سلامة كان ضربة قوية لمنظمة التحرير. لكن قائمة الاعدام التي لدى الموساد لم تكن قد انتهت بعد, بل ظلت تحمل أسماء أبو داوود أبو اياد وأبو جهاد (خليل الوزير). وأتى الدور على أبو داوود الذي ظل الموساد يتعقب تحركاته في أوروبا الشرقية, حتى اكتشف وجوده في العاصمة البولندية, وارسوا, التي زارها بجواز سفر عراقي, باسم طارق شاكر مهدي. وهناك في الأول من أغسطس 1981 وفي مقهى كاناليتو أطلق عليه عميل للموساد خمس رصاصات من مسدسه وعلى مسافة قريبة قبل أن يفر هاربا دون القبض عليه. لكن الرصاصات الخمس لم تتمكن من ارداء أبو داوود قتيلا, بل انه نجح في الوقوف, وحاول أن يركض وراء القاتل, قبل أن يقع على الأرض متأثرا بجروحه بعد مسافة قصيرة, ونجا من المحاولة وظل على قيد الحياة. واقتربت قائمة الموساد من الانتهاء باغتيال خليل الوزير, أبو جهاد, في تونس عام 1988 ثم اغتيال أبو اياد في تونس أيضا يوم 14 يناير 1991.