بقلم: شيرلي وليامز ، المتحدثة باسم الحزب الديمقراطي الليبرالي البريطاني قبل عام من الآن بدا الأمر اقتراحا معقولاً ومقبولاً يدور حول برنامج دفاعي صاروخي محدود ضد الصواريخ وقادر على الدفاع عن الولايات المتحدة ضد صواريخ بالستية طويلة المدى يمكن ان تطلقها عليها احدى الدول المعادية لها مما تسمى (الدول المغضوب عليها) بهدف ابتزاز واشنطن ولم يكن من المفترض بهذاا لنظام الدفاعي ان يكون ضخماً بمايكفي لزعزعة توازن الردع, الذي ارسي عليه السلام السائد بين القوى النووية طوال 40 عاماً. وعلى سبيل المثال لم يكن من المتوقع له ان يحمي الولايات المتحدة اذا قررت روسيا شن ضربة بزخم هجومي كامل عليها. بل هو مجرد طريقة معقولة للتعامل مع تهديد طارىء وغير متوقع. لكن القضية انتقلت بمجملها الآن إلى مستوى آخر. واصبحت مادة للسجال الحزبي في مجلس الشيوخ الأمريكي, وقضية انتخابية محضة. وقليل من السياسيين في واشنطن الآن هم الذين يتحدثون عن ردع محدود مع الدول المعادية. وما تتم مناقشته الآن هو من جانب أول اعادة تصميم جذرية للدفاع الصاروخي بشكل يتضمن سيناريو حرب النجوم, ومن جانب آخر اتفاق كامل طموح بين روسيا والولايات المتحدة يصل بين الخفض من التسلح النووي الاستراتيجي ضمن اطار اتفاقية تقليص الأسلحة الاستراتيجية (ستارت 1 وستارت 2) وتعديل اتفاقية الدفاع ضد الصواريخ البالستية. وكان تصعيد الجدل حول الدفاع الوطني الأمريكي ضد الصواريخ قد بدأته خطوة الرئيس الروسي الجديد بوتين الشجاعة, حينما امتنع مجلس دوما الدولة الروسي عن التصديق على اتفاقية ستارت 2 والشروع في المفاوضات على اتفاقية ستارت 3. واتفاقية ستارت 2 تعني تقريباً خفض الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية للنصف لدى الجانبين من 6000 إلى ما يتراوح بين 3000 و3500 بحلول عام 2006. ومن المنتظر لاتفاقية ستارت 3 ان تخفضها للنصف ثانية بحيث تصبح 1500 فقط لدى الجانبين وبالنظر إلى تراجع مقدرة روسيا على الاحتفاظ بهذه الرؤوس الحربية النووية وحمايتها, فان مثل هذا التخفيض سيعزز الامنين الروسي والغربي على السواء. لكن مجلس الدوما وضع شرطاً هو ان تكون هناك نتيجة مرضية للمحادثات بخصوص تعديل اتفاقية الدفاع ضد الصواريخ البالستية. وروسيا غير مستعدة لرؤية الاتفاقية وهي تصبح ملغاة عملياً اذا ما كانت امريكا تخطط لما يتجاوز مجرد نظام محدود جداً للدفاع ضد الصواريخ البالستية. مع ذلك فان اتفاقية ملغاة هي بالضبط ما يريده السناتور الجمهوري جيسي هيلمز, رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وقد عارض هيلمز طويلا هذه الاتفاقية ورفض القيود التي تفرضها على الامكانيات الدفاعية الامريكية, وهو يحظى في ذلك بدعم 20 آخرين من اعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين, اضف لذلك ان جورج بوش المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية يشعر بالميل لشكل ما من اشكال حرب النجوم. وأوضح هيلمز سابقاً ان مجلس الشيوخ لن يوافق على اي اتفاقية يتوصل لها كلينتون مع بوتين خلال زيارته لموسكو. وفي يد هيلمز بطاقة اخر ليستخدمها اذ ان تمديد مجلس الشيوخ عام 1997 لاتفاقية الدفاع ضد الصواريخ البالستية قد احتفظ لأمريكا بالحق في تحديد ما اذا كانت روسيا دولة ذات حق في وراثة الاتحاد السوفييتي ام لا, وبالتالي اذا كانت اتفاقية الدفاع ضد الصواريخ البالستية سارية المفعول أم لا. وأصبح واضحاً الآن ان فئة من الحزب الجمهوري لا تريد فقط حرمان الرئيس الأمريكي من أي فرصة لادعاء تحقيق انجاز ما, بل انها لا تثق بالاتفاقيات الدولية للسيطرة على التسلح, وربما لا يشكل رفض مجلس الشيوخ العام الماضي للتصديق على الاتفاقية الشاملة لحظر التجارب النووية الا جزءاً من ذلك. في غضون ذلك تحاول إدارة الرئيس كلينتون ان تعمل وكأن كل شيء يتقدم على النحو المعتاد, اذ تقوم بمناقشة التغييرات المطلوبة في معاهدة الدفاع ضد الصواريخ البالستية للمضي في برنامج دفاع صاروخي محدود. وفي 30 ابريل الماضي وفي خطاب القاه نائب الرئيس الأمريكي آل جور عن السياسة الخارجية كرر رأي كلينتون القائل بأن الاتفاقية يمكن الحفاظ عليها. غير ان النتائج السياسية لبرنامج الدفاع الصاروخي هائلة ولا يمكن اخفاؤها. اذ بالنسبة لروسيا التي تعتمد بالكامل على الاسلحة النووية في قوتها الاستراتيجية فان مثل هذا النظام الذي لا يتقيد بمرحلة أولى أو ثانية على اقصى تقدير سيعني الغاء الردع المتمثل بمبدأ التدميرالمتبادل المؤكد, لان حصول روسيا على النظام الدفاعي الصاروخي يتجاوز امكانياتها المادية المحدودة. وبهذا فانها ستتجه نحو مضاعفة رؤوسها الحربية النووية, إلى جانب الأسلحة الحربية المزيفة للتضليل وغيرها من الاجراءات المضادة لضمان وصول بعض هذه الرؤوس إلى أهدافها. أما بوتين فيعرض على أمريكا الآن نزع تسلح نووي كبير بدلاً من ذلك, على الأقل الآن. أما بالنسبة للصين التي لا تحتفظ حتى الآن الا بنحو 20 رأساً حربيا نوويا, فان نظام الدفاع الصاروخي يشكل تهديداً أكبر اذ إن العلاقات عبر مضيق تايوان اكثر توتراً مما كانت عليه طوال سنوات, الا ان هذا التأزم تم احتوائه عبر قرارات متعلقة من الرئيس كلينتون والتايواني المنتخب تشين شوي بيان. وعلى سبيل المثال اعترض كلينتون مؤخراً على قرار بيع اربع مدمرات من فئة (ايجيس) لتايوان, كما ان تشين مدفوعاً بالتعقل طلب من مجلس الشيوخ الامريكي عدم المضي قدماً في سن قانون تعزيز امن تايوان والذي من شأنه ان يزيد من حجم الأسلحة الأمريكية التي يمكن ارسالها لتايوان. لكن الالتزام الأمريكي ببرنامج الدفاع الوطني الصاروخي سيدفع الصين بالتأكيد لاعادة النظر في مستويات تسلحها بالرؤوس الحربية النووية الحالية. بل انها اشارت إلى انها قد تهاجم الاقمار الصناعية الخاصة بالسيطرة اذا ما تم نشر مثل هذا النظام. ونقتطف من المذكرة التي تقدم بها البيت الأبيض ما يلي: (حتى برنامج دفاع صاروخي وطني يستهدف مواجهة خطر ما بين 20 إلى 50 رأس حربي نووي كوري شمالي (غير موجودة حالياً) من المحتمل له ان يستفز الصين لنشر عدة مئات من الرؤوس الحربية النووية بعيدة المدى... ان برنامج الدفاع الوطني الصاروخي الذي يتمثل هدفه بحماية الامة من مخاطر هجوم نووي سيتسبب بتراجع واضح في الأمن الأمريكي... أما فيما يتعلق بأوروبا, فإن خافيرسولانا المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في مجال السياسة الخارجية والامنية فقد حذر الولايات المتحدة من ان اي نظام يجب الا (يوتر العلاقات عبر الاطلسي) والا يستثير أزمة في روسيا. قال سولان ذلك وهو يمارس ضبط النفس إلى حد بعيد, لكن الهم الذي تشعر به حكومات الاتحاد الأوروبي عميق جداً وهو يوتر علاقات التحالف الهشة اصلاً كتلك الخاصة بألمانيا. كيف يمكن للقادة السياسيين ان يبرروا لشعوبهم التعاون في اطار نظام دفاعي يدافع عن واحد من الحلفاء فقط وهو الولايات المتحدة؟ ما الذي سيطرأ على رادع الدمار المتبادل الاكيد وهو حجر الاساس للسلام في العصر النووي؟. ما الفوائد التي سيحصل عليها الأوروبيون في الغائهم لمعاهدة الدفاع ضد الصواريخ والتي حدث بنجاح من سباق التسلح النووي؟ ولماذا المخاطرة بالتخلي نحو أفضل فرصة لنزع جوهري في التسلح النووي بعد موافقة الدوما على ستارت 2 وتلميحه لامكانية الموافقة على ستارت 3. الرأي الجمهوري في واشنطن مصمم على ان يحمي الأمريكيون انفسهم من الدول المعادية المغضوب عليها اذا ما كان بمقدورهم فعل ذلك. أما الأوروبيون وهم الأقل اعتياداً على الحلول التقنية للمشاكل السياسية, فيشيرون إلى زيارة وزير الدفاع الأمريكي السابق وليام بيري إلى كوريا الشمالية وإلى محادثاتها مع كوريا الجنوبية الأمران اللذان يخرجان كوريا الشمالية تدريجياً من حالة الحرب الباردة. كما ان عودة ايران التي كانت دولة مغضوباً عليها من الغرب سابقاً للمجتمع الدولي قد اخذت تتمرد على الرغم من بعض الردات. ونهج الاتحاد الأوروبي يقوم على معاملة الجيران مثيري المشاكل بحكم القانون عبر الاصرار على حقوق الإنسان الأساسية والمؤسسات الديمقراطية واقتصاد السوق كشروط أساسية للتجارة والمساعدات. وبالطبع, يمكن الجدل بأن الاتحاد الأوروبي يجب ان يطرح دفاعه الصاروخي الخاص. وموخراً طرح ايفو دادلر الباحث في مركز بروكينجز للدراسات الاستراتيجية هذا الأمر ودعا له. لكن الأوروبيين يقولون انهم لا يريدون عالماً من قوى عظمى معزولة كل منها تدافع عن نفسها ضد الأخرى بتكاليف هائلة. خدمة (لوس انجلوس تايمز) خاص لـ (البيان) لقاء موسكو... ما الذي اسفر عنه؟ الصواريخ البالستية... معادلة مختلفة