كان حلم عمري منذ أن تخرجت في المعهد العالي للفنون المسرحية أن أجسد شخصية الزعيم, فأنا ابن جيل الثورة, ابن المد الاشتراكي, فقد نشأت في جيل تربى على المساواة والعدالة والحرية, كنا كنشء نعتبر الزعيم الراحل جمال عبدالناصر البطل القومي الذي حقق حلم القومية العربية والمدافع الأول عن الطبقة المتوسطة والمنحاز لطبقة الفقراء. وأهم ما في تلك المرحلة أننا تعلمنا بالمجان في عصر مجانية التعليم الحقيقية, وفي عصر كان العلاج والسكنى حق لأي مواطن وهكذا يجب أن تدار المجتمعات, لكننا للأسف عندما تخرجنا في الجامعة كان الواقع السياسي قد تغير وأصبح الهرم مقلوبا والانفتاح الاقتصادي هو المحرك لكل شئ حتى الفن. وكان هذا التغيير بمثابة الصدمة لجيلنا من الفنانين فانقسمنا الى ثلاثة أقسام, الأول استطاع أن يغير جلده ويستوعب المرحلة الجديدة وينطلق, و (الثاني) سيطر عليه اليأس فغير اتجاهه وترك اللعبة أو سافر الى الدول العربية والغربية, أما الثالث وأنا واحد منهم فأنا أشبههم بأسطورة ( سيزيف والموت) فهم كهرقل الذي يحمل صخرة ليصعد بها الى أعلى الجبل وهو بالطبع شيء مستحيل من الناحية العملية لكنه تعبير عن شدة الصمود ضد تيار جارف وهو بالطبع ما يفسر سبب تأخر عدد كبير من أبناء جيلي عن الصعود والشهرة. أنا شخصيا لست نادما على تأخري لأنني كنت واثقا من أن الخطوات البطيئة أفضل كثيرا من الصعود المفاجئ ثم الانزلاق الى هوة سحيقة, كنت مؤمنا أن الجيل الذي تربى على الاشتراكية ومبادئ عبد الناصر سيحقق ذاته يوما ما, وأحمد الله إنني حققت قدرا كبير من طموحاتي ولم أتخل أبدا عن مبادئ فكسبت احترام الناس لي قبل اعجابهم وهو شئ أفتخر وأسعد به. انتظار الدور وطوال المشوار الذي بدأته عام 1976 عام التخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية كنت أستشعر أن الفرصة مقبلة لامحالة, وقد جاءت بالفعل على يد المخرج الكبير اسماعيل عبدالحافظ في مسلسل (العائلة) وهو بالمناسبة ينتمي الى نفس التيار وبتحقيق هذه الفرصة ازدادت ثقتي بنفسي وأدركت أن حلم الزعيم قد اقترب ولكن شيئا من الفتور قد خيم على هذا الحلم بعد أن جسد الفنان الكبير أحمد زكي هذه الشخصية في فيلم ناصر 56 ثم الزميل خالد الصاوي في فيلم يحمل اسم (جمال عبدالناصر) وقد زاد من مساحة هذا الفتور أن الفيلمين قدما للسينما وليس للفيديو, والفارق بينهما كبير فالسينما في مجالنا تكسو الممثل أو بمعنى أدق تحيطه بهالة وبريق وتغطي عيوبا كثيرة, في حين أن كاميرات الفيديو تكشفها وتفضحها, وقلت لنفسي حتى لو جاءت فرصة ثالثة فسأكون محل مقارنة وعندما جاءتني المخرجة المبدعة إنعام محمد علي بترشيحي لشخصية الزعيم في مسلسل أم كلثوم شعرت بالخوف بعض الوقت وترددت في قبول الدور, لكني عدت لحماسي وتذكرت حلم هذه الشخصية وساعدني على ذلك أن المسلسل تناولها من زاوية لم يتناولها الفيلمان وهي علاقة عبدالناصر بأم كلثوم بعيدا عن الجانب السياسي المباشر وبدأت الاستعداد للتصوير لكن كان داخلي شعور بعدم الرضا لأن مساحة الدور ليست كبيرة ولأنني كنت أحلم بتقديم عمل ضخم يتناسب مع حجم ودور الزعيم الراحل ومع اقتراب موعد التصوير بدأت استحضار الشخصية ولا أزعم أنني رجعت الى أرشيف التليفزيون لمشاهدة أفلام تسجيلية أو أحداث مصورة أو خطب ولم أقرأ عنه شيئا لكنني اعتمدت فقط على المخزون الموجود بداخلي عنه باعتباري ناصري النزعة وتركت مسألة الشكل الخارجي للمتخصصين (المخرجة والماكيير والكوافير) ولم أحاول تقليده أثناء تجسيد الشخصية لأنني كنت سأفشل في توصيل الشخصية لذلك قررت أن أجسدها من خلالي أنا كرياض الخولي وبروح الزعيم الموجودة (جوايا) . شخصية (الزعيم) تذكرت فترة الستينيات وأننا كنا نشارك في المنابر من خلال الاتحاد الاشتراكي والمعسكرات الشبابية, تذكرت الميثاق الذي درسناه وآمنا به وكتب الاشتراكية التي قرأتها واللجنة التي كنت أنا مقررها في مسقط رأسي (شبرا) . تذكرت كل هذا وأنا أستحضر شخصية جمال عبدالناصر ونسيت المساحة الصغيرة وتذكرت أن هذا العمل يحمل قيمة كبيرة فأم كلثون سيدة الغناء العربي لم يأت الزمان بمثلها وعبدالناصر رمز الوطنية والعروبة, وهي معادلة صعبة تحققت في المسلسل في وقت نحن في أشد الحاجة الى إحياء الروح القومية وإحياء رموزنا بعيدا عن الخطب والشعارات وأعتقد أن الأعمال الفنية الجيدة هي أنسب الطرق للوصول الى هذا الهدف, والدليل أن مسلسل أم كلثوم وجد رد فعل كبيرا جدا في جميع أنحاء الوطن العربي, أنا شخصيا تلقيت التهاني عن دوري في المسلسل رغم أنني كنت بطلا في مسلسل آخر يعرض في رمضان وهو (جسر الخطر) وشعرت وقتها انني حققت جزءا من حلمي بتجسيد هذه الشخصية الوطنية لكنني على أمل تقديم اعمال كثيرة أخرى ضخمة تعطي عبد الناصر حقه, لان هناك جوانب كثيرة جدا لم يتعرض لها أحد في الأعمال التي قدمت, أتمنى أن يتصدى لها كتاب كبار مثل محفوظ عبدالرحمن ويسري الجندي واسامة أنور عكاشة لأنني أعتبر أن احياء الروح القومية واحياء رموزنا الوطنية واجب علينا كمبدعين خاصة إننا نعيش واقعا مهترئا ومن حين لآخر نحتاج الى اعادة ترميم الوجدان, ومن وجهة نظري أعتقد أن الفن لابد أن يحمل رؤى تقدمية لكي يخلد هذه الرؤى هي التي تمس عقول ووجدان الناس, كما أنني مؤمن بأهمية الأعمال التاريخية بشرط أن ترمي بظلالها على الواقع وقد شاركت في أكثر من عمل من هذه النوعية مثل (الزيني بركات) الذي جسدت فيه شخصية طومان باي آخر حكام المماليك في مصر والذي كان محبا لها ولكن بفعل الخيانة ذهب الى حبل المشنقة لتأتي مرحلة أخرى من الحكم وهي مرحلة الحكم العثماني. جسدت أيضا شخصية أحمد عرابي في (بوابة الحلواني) وهي شخصية وطنية ثورية كافحت ضد الاستعمار والفساد وقد قدمتها من منطلق الاحساس الوطني أيضا واستعد لتقديم الجزء الثالث من المسلسل والذي سيكون لشخصية أحمد عرابي مساحة كبيرة أفردها لها الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن لتتناسب مع أهميتها التاريخية. وأنا شخصيا مازلت متمسكا بوجهة نظري في أن هذه الشخصيات العظيمة ذات التاريخ النضالي على مر العصور والتي تمثل قيمة كبيرة وقدوة لابد أن تكتب لها أعمال خاصة وضخمة لكي تكون زادا للأجيال العربية الحالية والمقبلة. بقلم: رياض الخولي