بعد سنوات طويلة من الصراع والحروب والخلافات تعقد خلال أيام قليلة القمة المرتقبة بين زعيمي كل من كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية, هذه القمة التي تم الاعداد لها منذ فترة طويلة وحتى تخرج بالصورة التي تحقق آمال شعبي البلدين والذين مازال يراودهم حلم الوحدة واعادة الاندماج, وتجاوز كل الخلافات والاختلافات التي حدثت خلال الفترة الماضية, (الملف) التقى اللواء دكتور محمد قدري سعيد رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز المرتقبة وأهميتها, وامكانية أن تساعد في تجاوز الشطرين لتناقضاتهما السياسية والايديولوجية حيث يتبع كل من الطرفين نظاما سياسيا واقتصاديا مختلفا تماما عن الآخر, وهو ما انعكس على المستوى المعيشي لموا طني الكوريتين حيث يعاني مواطنو كوريا الشمالية من الفقر والمجاعة والمستوى المعيشي المتدني, في الوقت الذي يتمتع فيه أبناء كوريا الجنوبية بمستوى دخل مرتفع . والحديث عن دور القوى الخارجية في تعثر المصالحة بين الكوريتين طوال فترة تزيد على النصف قرن وانعكاسات هذه القمة المنتظرة على توازن القوى في منطقة جنوب شرق آسيا, وموقف الولايات المتحدة من التقارب الكوري, وغيرها من التساؤلات الأخرى . الكثير من المشاكل بداية يقول لواء دكتور محمد قدري سعيد رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن القمة المرتقبة بين شطري كوريا هي مجرد بداية فهو أول لقاء يحدث بين الكوريتين منذ الهدنة التي انتهت فيها الحرب الكورية في عام 1953 , هذه القمة تعقد في ظل وجود الكثير من المشاكل بين الطرفين, وليس من المعقول أن تحل كل هذه المشاكل في لقاء واحد, ولكن مع ذلك يمكن لهذا اللقاء أن يحدث نوعا من التقارب بدلا من حالة التباعد الموجودة بين البلدين.. اللقاء خطوة في مشوار طويل مقبل, من المتوقع أن يتعرض في البداية لبعض المشاكل العاجلة التي تهم شعبي البلدين والتي تساعد على بناء الثقة مثل استئناف تجميع العائلات المقسمة في شطري كوريا, حيث أدت الحرب الكورية وبعد التقسيم الى توزع بعض العائلات بين شطري كوريا, هذا الوضع كان لابد له أن يصحح, خاصة أن هناك قلقا وتوترا دائما من هذه العائلات ولذلك حدث منذ فترة أن بدأت مفاوضات بين الجانبين من أجل وضع الحلول لهذه المشكلة ولكنها تعثرت وتوقفت. ولذلك فمن المتوقع أن تناقش القمة الكورية هذه المشكلة, كما من المتوقع أن تناقش كذلك عملية الدعم والمساعدة الاقتصادية التي يمكن أن تقدمها كوريا الجنوبية لكوريا الشمالية حتى يمكنها مواجهة الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها والمجاعة التي تهدد شعبها, ويبدو أن هذه هي النقطة الاساسية التي دفعت وشجعت الجانب الكوري الشمالي على الترحيب بهذا اللقاء, وبالاضافة لهذا المساعدات الاقتصادية المباشرة فمن المتوقع أن تبحث القمة المشروعات الاقتصادية والاستثمارات التي تنوي كوريا الجنوبية اقامتها على أرض الجانب الكوري الشمالي وخاصة فيما يتصل بالبنية التحتية.. وأخيرا.. ربما يتعرض الاجتماع لبعض المشاكل الحساسة مثل التواجد الأجنبي في كوريا الجنوبية, والنشاط الكوري الشمالي في مجال الصواريخ والمجال النووي, وعلاقة كوريا الشمالية بجيرانها مثل الصين واليابان وكيفية اعادة كوريا الشمالية الى المنتديات السياسية المهمة وبحيث تكون هناك علاقات طبيعية بينها وبين دول منطقة جنوب شرق آسيا . نوع من الانفتاح وفيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة الأمريكية من المصالحة بين الكوريتيين يرى لواء دكتور محمد قدري سعيد أن أمريكا ترحب بالاجتماع والمصالحة لأنه سيقلل التوتر في منطقة جنوب شرق آسيا, وسيعمل على احداث نوع من الانفتاح على النظام الكوري الشمالي والذي يعد نظاما مغلقا للغاية سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية وغامضا للجميع وهذا الأمر يقلق الولايات المتحدة ويرعبها كثيرا, ولذلك فهي تجد في هذه القمة فرصة لأن تتعرف على كوريا الشمالية ومن هنا يأتي ترحيبها بالقمة بل من الممكن أن يكون لها دور في ترتيب وعقد هذه القمة .. وعموما الولايات المتحدة ورغم خلافاتها مع كوريا الشمالية حرصت دائما على أن يكون هناك اتصال ما معها عن طريق المبعوثين وهذا ما فعله الرئيس الامريكي السابق جيمي كارتر فهو الذي بدأ الاعداد لهذه القمة, ولكن وفاة رئيس كوريا الجنوبية أجل عقدها, كما قام بدور المبعوث أيضا (وليام بيري) وزير الدفاع الأمريكي الأسبق.. الولايات المتحدة حافظت دوما على وجود قناة اتصال بينها وبين كوريا الشمالية لأنها تعلم جيدا أهمية ذلك بالنسبة لها . وحول انعكاسات القمة المنتظرة بين الكوريتين على توازن القوى في جنوب شرق آسيا يوضح دكتور محمد قدري سعيد أن الطرفين الكوري الشمالي والجنوبي لايمثلان قوة كبيرة في المنطقة, فالقوة الكبيرة هي الصين, ومن هنا فاجتماعهما معا لايمثل انقلابا في توازن القوى في المنطقة ولكنه سوف يؤدي الى نزع فتيل التوتر في المنطقة, وخاصة في ظل وجود الترسانة الصاروخية النووية في كوريا الشمالية يقابلها صواريخ متقدمة وبعيدة المدى في كوريا الجنوبية, هذه الترسانة كان يمكن أن تؤدي بمرور الوقت وفي ظل أجواء التوتر الى حدوث نوع من المواجهة يكلف منطقة جنوب شرق آسيا الكثير, ولكن الآن وفي ظل سياسة التقارب بين الطرفين فمن المؤكد أن فتيل التوتر سوف ينزع, وسوف يتوقف سباق التسلح سواء في كوريا الشمالية أو في الجنوبية بمساعدة الولايات المتحدة, هذا التسلح الذي يكلف الكوريتين الكثير من الناحية المادية, وأدى بالشمالية أن حدثت بها المجاعة . ترحيب شديد وعن دور القوى الخارجية في تعثر المصالحة الكورية طوال الفترة الماضية يقول دكتور محمد قدري سعيد: لا أعتقد أنه وطوال هذه الفترة كان هناك طرف من الأطراف يريد منع التقارب بين الكوريتين, وهذا يتضح من الترحيب الشديد من كل الأطراف بلقاء القمة, أي أنه لم يكن هناك أي دور للقوى الاقليمية والدولية في اعاقة اللقاء بين الطرفين, المشكلة كانت في الكوريتين نفسهما فقد كانت هناك خلافات واختلافات بين طبيعة النظامين يصعب التعامل معهما, فكوريا الجنوبية كانت تتبع نظاما سياسيا أكثر انفتاحا على العالم وهو قوة اقتصادية لايستهان بها, أما الطرف الشمالي فمازال يعيش في أفكار الماضي ويطبق نظرية سياسية تستمد أسسها من النظرية الشيوعية الصرفة, وهو نظام منغلق تماما ولديه تخوفات من العالم الخارجي, ونظامه الاقتصادي يقوم على سيطرة الدولة ويعاني من مشكلات جمة.. ونستطيع هنا أن نشبه الوضع بين الكوريتين كالوضع بين الالمانيتين قبل توحدهما قبل سنوات, والوضع بين الصين وتايوان, هذه الدول التي أجبرت على الانقسام الى جزئين وحدث أن اختلف كل جزء عن الآخر في النهج السياسي والاقتصادي ومن هنا كان التقاؤهما أمرا في غاية الصعوبة, ولقد ساهمت فترة الحرب الباردة في زيادة هذا الاختلاف والانقسام حيث أيدت روسيا كوريا الشمالية, بينما اتجهت الولايات المتحدة الى كوريا الجنوبية, أي أن كلا من الدولتين العظميين في فترة الحرب الباردة حاولت عمل نوع من الاستقطاب لاحدى الكوريتين وحدهما ولكن على مستوى العالم كله حيث كان هناك معسكران الشرقي وتقوده روسيا ويسير في فلكه عدد من الدول والغربي وتتزعمه الولايات المتحدة ويسعى في ركبه عدد من الدول الأخرى . اعادة التوحيد ومن جانبه يرى الخبير الاستراتيجي أحمد إبراهيم محمود أن القمة المرتقبة بين زعيمى كوريا الشمالية (كيم جونج ايلل) وكوريا الجنوبية (كيم داى جونج) بشأن إعادة توحيد الشطرين, تمثل تطورا بالغ الأهمية ربما يفضي إلى احراز خطوات تاريخية على سبيل التقريب بين الجانبين فيما يتعلق بعملية إعادة التوحيد بين الشطرين وخاصة أنها جاءت تتويجا للعديد من خطوات التقارب بين الجانبين, كان أبرزها عرض رئيس كوريا الجنوبية كيم داي جونج استعداد بلاده تقديم المساعدات الاقتصادية وإعادة بناء اقتصاد كوريا الشمالية, وكان هذا العرض غير مشروط بأية أمور تتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية, وهو ما شجع قادة كوريا الشمالية على التجاوب مع مبادرات كوريا الجنوبية, نظرا لأنها يمكن أن تساعد كثيرا على مواجهة الاختناق الاقتصادى الشديد الذى تعاني منه كوريا الشمالية, علاوة على ما يمكن أن تؤدي اليه من تقليص حالة العزلة الدولية الخانقة التى تعاني منها كوريا الشمالية . حرب شرسة ويضيف ولكن هذا لايعني أن الوحدة باتت قريبة بين الكوريتين, أو أنه بات من اليسير التغلب دفعة واحدة على جميع المشكلات القائمة بينهما, بل على العكس مازالت هذه العملية فى بدايتها, وهى تحتاج إلى مسيرة تاريخية طويلة حتى تستكمل . ويمكن أن تتضح لنا هذه التعقيدات إذا نظرنا بصورة أكثر عمقا ودقة إلى طبيعية المشكلات القائمة بين شطري كوريا. فالمشكلة الكورية تعتبر فى حد ذاتها واحدة من أكبر الصراعات الناجمة عن الاستقطاب الايديولوجي في فترة الحرب الباردة, وهو ما كان سببا فى اندلا ع حرب شرسة فى شبه الجزيرة الكورية فى أعوام ,1951 1953. وطيلة العقود الخمسة الماضية, ظلت كوريا الشمالية تزعم لنفسها الحق في ضم كوريا الجنوبية إليها, سواء تم هذا التوحيد سلما أو بالقوة . وعلى الرغم من انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي, إلا أن التوتر ظل قائما في شبه الجزيرة الكورية بسبب استمرار التقسيم الجيوبوليتيكي للمنطقة, كما كان التوتر عائدا إلى قيام كوريا الشمالية بتطوير برامج متقدمة لتصنيع الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. ويستطرد أحمد ابراهيم: وفى عقد التسعينيات, ازدادت حدة التوتر بين الكوريتين بسبب البرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية, وكان مبعث التوتر هنا يتعلق بطبيعة البرنامج النووي لكوريا الشمالية, فهو برنامج يعتمد على المفاعلات التي تعمل بالماء الثقيل, والتى تتولد عنها مواد مشعة صالحة لتصنيع الرؤوس النووية . ولذلك, كان تركيز الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان ينصب على تغيير هذا البرنامج إلى الاعتماد على مفاعلات تعمل بالماء الخفيف وقد دخل الجانبان الأمريكي والكوري الشمالي في مفاوضات شاقة بخصوص البرنامج النووي لكوريا الشمالية, وأمكن بالفعل الوصول إلى اتفاق في أواخر عام 1994 على تعديل البرنامج النووي الكوري الشمالي في اتجاه الاعتماد على مفاعلات تعمل بالماء الخفيف. ومع ذلك, فان قدرا هائلا من العقبات والصعوبات أحاط بتنفيذ هذا الاتفاق, بعضها يتعلق بالتمويل والنواحي الفنية والتكنولوجية, بينما يتعلق بعضها الثاني بالاعتبارات السياسية والاقتصادية المحيطة بالاتفاق, مما تسبب في شيوع حالة من الإحباط لدى حكومة كوريا الشمالية, ولذلك, شهد التنفيذ العملي لهذا الاتفاق عثرات متوالية, مما كان سببا في استمرار التوتر الإقليمي في شبه الجزيرة الكورية. كما كان البرنامج الصاروخي لكوريا الشمالية بدوره سببا في توتر متزايد في المنطقة لسببين رئيسيين, أولهما ما تمثله القدرات الصاروخية لكوريا الشمالية من تهديد للأمن الإقليمي في المنطقة, وبالذات لكل من كوريا الجنوبية واليابان, وثانيهما أن كوريا الشمالية تصدر الصواريخ الباليتسية بكميات كبيرة إلى كل من إيران وباكستان وبعض الدول العربية, مما يساهم - من وجهة النظر الأمريكية والغربية - في إعاقة جهود منع الانتشار الصاروخي على الصعيد العالمي, كما أن وصول الصواريخ الباليستية الكورية إلى دول معينة, وبالذات إيران, يعتبر تهديدا جسيما من وجهة النظر الأمريكية. طريق طويل ويوضح أنه فى ظل هذه التوترات, حاولت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة احتواء موقف كوريا الشمالية من خلال الطرق الدبلوماسية, ولاسيما أن كوريا الشمالية تسعى إلى الحصول على معونة اقتصادية ضخمة بهدف مواجهة المجاعة العارمة التي تعاني منها خلال الفترة الحالية, وأيضا بهدف الخروج من حالة التردي والتخلف الاقتصادي . ولذلك, فإن المبادرات التى قامت بها كوريا الجنوبية ساعدت كثيرا على تليين موقف كوريا الشمالية, وشجعتها على العودة إلى مائدة المفاوضات حتى تم الاتفاق على هذه القمة, إلا أن هناك العديد من المشكلات من المنتظر أن تواجهها مثل التفاوت الاقتصادي والمعيشي الصارخ بين الكوريتين, وهو ما يخلق مناخا غير موات لتحقيق الوحدة بينهما, بالإضافة إلى التباعد السياسي والايديولوجي بينهما, علاوة على أن عملية الوحدة تعتبر بحد ذاتها عملية تاريخية تحتاج إلى مراحل إعداد طويلة وتحضيرات لا نهائية, مما يعني أن قمة واحدة لن تكون قادرة على تخطي كافة العقبات, وإنما تعتبر هذه القمة مجرد خطوة أولى على طريق طويل للغاية لابد للكوريتين من اجتيازه إذا كانت النوايا جادة بالفعل لتحقيق الوحدة. القاهرة مكتب البيان