انتصر لبنان بكل مكوناته السياسية والاجتماعية, بكل طوائفه لأنه كان وحدة واحدة, وراء مقاومة واحدة, وهدف واضح ومحدد, انتصر لبنان على نظرية (قوة لبنان في ضعفه) اولاً وعلى الاحتلال لأرض وطنه ثانياً وظهر كل هذا في احتضانه لأبناء جنوبه المحررين وفي تعامل المقاومة المسئول بكل أطيافها السياسية, مع الوضع الجديد بعد اندحار الاحتلال وانهيار عملائه حيث سيطرت على كل شيء روحية التسامح الوطني والمسئولية السياسية بديلاً للانتصار اللبناني تداعيات كثيرة وانعكاسات كبيرة آنية ومستقبلية والملفت للمراقب, ان طرفي المعادلة, المنتصر والمهزوم, ابن المقاومة, والجندي الاسرائيلي كانا فرحين بما حدث, وفرض حدث الانسحاب مهابته فسكنت البنادق, ووقف مقاتلو حزب الله, مقابل الجنود الاسرائيليين يفصل بينهما بضعة امتار وحاجز من الاسلاك الشائكة يرقبان بعضهما البعض. انه انتصار كبير بالمعنى التكتيكي, وليس الاستراتيجي وان حمل بعض المعاني الاستراتيجية, لان اسرائيل اندحرت عن جزء من ارض لبنان ولكنها لم تهزم كلياً وما زالت الدولة الاقوى في المنطقة, وتتفوق عسكرياً واقتصادياً على مجموع الدول المحيطة بها, وستعمل بكل امكانيتها لتعويض خسارتها التكتيكية, او/وتقليص نتائجها المباشرة او بعيدة المدى, عبر توظيفها, في تعزيز تحركها ودورها السياسي في المنطقة, وفي عملية التسوية الجارية, وفي ترسيم حدودها الاقليمية, مع دول الجوار, وسوف تعمل لكي لا يشكل هذا الحدث سابقة, لأحداث اخرى مشابهة وبخاصة على الجبهة الفلسطينية. لقد استهدفت اسرائيل بتوقيت انسحابها من جنوب لبنان, فصل الترابط والتلازم بين المسارين السوري واللبناني, وسحب ورقة المقاومة اللبنانية من ايدي المفاوض السوري, ومحاولة العودة للتفاوض مع سوريا في ظروف واجواء جديدة ومريحة بالنسبة لها داخلياً وخارجياً, واحدث الاعلان المبكر عن انسحابها بعض الارتباك في الخطاب السياسي السوري واللبناني في ايامه الاولى, ولكن الامور عادت للتوزان بسرعة. وعلى المستوى الفلسطيني, طرح الاندحار الاسرائيلي, استحقاقات عدة يتمثل اهمها, في الوجود الفلسطيني عموماً والمسلح منه بشكل خاص في لبنان, الامر الذي يفرض وضع سياسة فلسطينية واقعية وملموسة للتعامل مع هذا الاستحقاق, حيث لم يعد مقبولاً لدى اللبنانيين وأوساط اقليمية ودولية عدة بقاء المخيمات بؤراً مسلحة بعد ان جردت الحكومة اللبنانية في أعقاب تحرير الجنوب حيث ينتفي مبرر وجود السلاح بأيدي المقاومة اللبنانية وعلى الأرجح ان حزب الله سيتجه لتوظيف دوره المميز في المقاومة, من اجل تعزيز وضعه السياسي في المعادلة اللبنانية, ولم يعد بحاجة الى حمل السلاح. ان هذا الامر يتطلب سياسة وتحرك فلسطينيين, يمكن ان تكون عناصرهما ما يلي: 1 ـ الحفاظ على وضعية الفلسطينيين في لبنان كلاجئين انتظاراً لممارسة حقهم في العودة وفقاً للقرار 194 ورفض كافة دعوات التوطين والتهجير. 2 ـ صون الحقوق السياسية والاجتماعية والأمنية للفلسطينيين, اي حقهم في التنظيم السياسي والعمل من اجل قضيتهم الوطنية وحقهم في العودة وكذلك صون امنهم الذاتي في اطار القانون اللبناني, وضمان حقوقهم الاجتماعية في العمل والتنقل.. الخ. 3 ـ الحفاظ على دور ومكانة ومسئوليات وكالة الغوث الدولية (اونرا) السياسية والاجتماعية. 4 ـ دعم مطالب لبنان لفرض سيادته على ارضه كاملة بما في ذلك المخيمات. 5 ـ الاتفاق مع الحكومة اللبنانية على ترتيب خاص بالسلاح الفلسطيني بالترابط مع النقاط السابقة. اما على المستوى الاشمل, فقد ترك الاندحار الاسرائيلي وانهيار عملائه, وانتصار لبنان انعكاسات كبيرة اهمها, ان المفاوضات والارتهان لها بدون الارتكاز لوحدة القوى ووضوح الهدف وبدون الخيار الكفاحي, خيار المقاومة بكل اشكالها, تتحول الى ملهاة مأساوية واذلال يومي, حتى الشرعية الدولية وقراراتها لا يمكن استحضارها في الحالة الاسرائيلية بدون مقاومة, وبدون ان يدفع العدو, كلفة احتلاله, هذه الدروس القديمة ـ الجديدة, اعادت التأكيد عليها مجدداً التطورات الاخيرة في لبنان, ولسان حال الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً اليوم يردد هذه الاستنتاجات برغم معرفته للفارق الكبير بين حالة احتلال اسرائيل لجنوب لبنان واحتلاله لفلسطين واختلاف مطامحه في لبنان عن مطامعه في فلسطين. ان من يعتقد ان هزيمة اسرائيل في جنوب لبنان وانهيار عملائه, سيترتب عنه سيرها في ذات الاتجاه وتسليمها بالحقوق الفلسطينية, يقع في خطأ قاتل فالأرض الفلسطينية ليست كالأرض اللبنانية في حسابات صاحب القرار الاسرائيلي, كماان ارض غزة لم تكن عنده كأرض الضفة وكما ان الانسحاب من الجنوب كان لديها اسهل من الانسحاب من شاطئ بحيرة طبريا الشرقي, رغم معرفتها لوزن سوريا السياسي والعسكري في المنطقة لكن على الارجح انها ستزداد تشبثاً باحتلالها للأرض الفلسطينية, كتعويض عن هزيمتها في الجنوب وسوف تضغط لفرض التسوية التي تستجيب لتصوراتها الاساسية في المفاوضات الجارية على المسار الفلسطيني ومن اجل استعادة توازنها النفسي والسياسي, خاصة ان قيادتها الحالية لا زالت تتطلع لاستكمال مفاوضاتها مع سوريا, وقدرتها الداخلية على تحمل الانسحاب من الجولان مقابل معاهدة سلام اكبر بكثير من التسليم بالحقوق الفلسطينية المتمثلة بالانسحاب من الاراضي المحتلة حتى حدود يونيو 1967 بما فيها القدس, وقيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على ارضها وعودة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار 194. الامر الذي يترتب عليه, مراجعة شاملة للرهان الفلسطيني على المفاوضات الجارية, واستعادة خيارات الشعب الفلسطيني الكفاحية الاخرى وبناء وحدته الوطنية واستراتيجيته السياسية, مع الاخذ بالاعتبار تجربة التفاوض لعقد من الزمان, ومختلف التطورات السياسية في المنطقة, واهدافه الوطنية التي ينوي تحقيقها وحقوقه الذي يناضل لاستعادتها وعندها سيتكرر في فلسطين ما حدث في جنوب لبنان في الاسابيع الاخيرة. يعتقد كثيرون, ان سوريا خسرت ورقة المقاومة اللبنانية في الضغط على اسرائيل, وان قرار اسرائيل بالانسحاب بالطريقة التي حدثت, اضعف الموقف السوري, واضر بتلازم المسارين السوري واللبناني وترابطهما وهذا الاعتقاد وجه من اوجه الحقيقة المتعددة. الوجه الثاني, ان الجميع يعرف انه من الصعب جداً الحديث عن استقرار ومن المستحيل الحديث عن السلام في المنطقة بدون الانسحاب من الاراضي السورية لحدود الرابع من يونيو 1967 وبدون استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه كاملة وهذا الامر كان قائماً قبل احتلال جنوب لبنان عام 1978 وسيبقى قائماً بعده والوجه الثالث للحقيقة ان العلاقات والمصالح التاريخية والجغرافية والاقتصادية وبالتالي الترابط بين سوريا ولبنان لم يصنعه الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان, وان شكل احد تجلياته, بل صنعه وعمقه تاريخ طويل وترابط وطيد متعدد الأبعاد. والامر الاساس هو كيف يوظف السوريون والفلسطينيون خصوصاً والعرب عموماً هذا الانتصار اللبناني العظيم لخدمة قضاياهم واسترداد حقوقهم وليس الانشغال بتوزيع مرابحه او (خسائره ان وجدت) عليهم. بقلم: عبدالرحيم ملوح