قال الكاتب والصحافي باتريك سيل المختص في شئون الشرق الاوسط ان الوضع العربي تغير الآن.. والعرب ينهضون فيما تعود اسرائيل الى حجمها الطبيعي مشيراً الى ان بقاء قوة حزب الله يشكل في حد ذاته قوة ردع تمنع الاسرائيليين من شن هجمات جديدة ضد لبنان. ورد ذلك خلال محاضرة عن الوضع الراهن لعملية السلام في المنطقة القاها سيل بحضور عدد كبير من الاعلاميين والمهتمين امس في نادي دبي للصحافة. واشاد في بداية حديثه بالتطور والانفتاح الذي تشهده الدولة واهتمامها بالصحافة والاعلاميين وقال ان الامارات العربية المتحدة واحدة من الدول القليلة في المنطقة التي تسعى لمسايرة التطور في العالم والتوجهات الحديثة كالعولمة واضاف ان ذلك لا يمكنه فصل الدولة عن المتغيرات السياسية والجغرافية في المنطقة. واوضح ان هناك مشكلتين في المنطقة تتمثلان في وضع العراق واسرائيل بالاضافة الى ايران وقال ان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة كان من الاوائل الذين دعوا الى اعادة العراق الى المجتمع الدولي. وقال انه لا بد من ذكر النظام في الشرق الاوسط قبل الخوض في عملية السلام سواء كانت على المسار السوري واللبناني او الفلسطيني واشار الى ان دول الشرق الاوسط تتفاعل مع بعضها البعض اكثر من مناطق اخرى في العالم مثل اوروبا او امريكا اللاتينية أو منطقة جنوب شرق آسيا. واوضح أن هناك تداخلاً او تواصلاً بين الدول العربية ومثال على ذلك تأثير الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر وقال اذا حدث شيء في المغرب سيكون له صدى هنا وسيكون له تأثير وكذلك الامر اذا ما حدث في مصر او سوريا او العراق او اليمن فجميع دول المنطقة تتفاعل مع بعضها. وقال ان القوى العظمى في العالم كانت ولا تزال لديها مصالح في الشرق الاوسط والنظام في المنطقة ليس نظاماً عربياً خالصاً وعدد اربع قوى عربية رئيسية هي السعودية مع دول مجلس التعاون الخليجي ومصر وسوريا والعراق وقال ان هناك قوى اصغر ولكنها مهمة مثل لبنان والاردن ودول اخرى واضاف ان هناك قوى رئيسية في المنطقة غير عربية وهي ايران واسرائيل وتركيا واوضح ان كل دولة في المنطقة جزء من النظام ولكن هناك اموراً هامة وخاصة لكل واحدة منها وعلى سبيل المثال مصر فهناك اهتمام بأمن مصادر النيل وقال ان وزير الخارجية المصري عمرو موسى ابلغه قبل ايام بأن مصر لها اهتمام بمنع ظهور قوة في شرق البحر المتوسط بصورة تتحدى مصر. وان العراق يهتم بمدى قوة ايران في المنطقة وسوريا تنظر باتجاه اسرائيل فكلاهما يرغب في الهيمنة على بعض الدول الاخرى او بتعبير آخر ان تكون حليفة لها مثل لبنان والاردن. وقال ان جميع الدول في هذا النظام تشترك في اهتمام واحد فكل منها لا يرغب ان تظهر دولة تهيمن على المنطقة وهذا حسب اعتقاده الشخصي واضاف ان البعض لم يكن مرتاحاً عندما كانت مصر مؤثرة بصورة كبيرة في المنطقة خلال عهد عبدالناصر وكذلك استاءت دول المنطقة عندما اجتاح العراق الكويت والامر نفسه في هيمنة اسرائيل او ايران على المنطقة. وقال من الضروري توضيح صورة النظام في المنطقة فمن خلاله تتم عملية السلام التي تعتبر محاولة لتقييد اسرائيل في المنطقة ودفعها للتصرف وفق حجمها الطبيعي. اختلال موازين القوى وقال ان هناك توجهات في المنطقة لا بد من تسليط الضوء على بعضها فالولايات المتحدة لم تنجح في التعامل مع العراق واسرائيل وفي السابق كانت هناك ثلاثة محاور هي السعودية والعراق وايران. وكانت الكويت تعتمد على العراق لردع ايران وتعتمد على السعودية لردع العراق من الطمع في ارضها وثرواتها فكان هناك توازن في القوى في المنطقة الامر الذي ابقى على سلامة الكويت التي تعتبر نقطة توازن وكذلك الامر للاردن اعتمدت على توازن القوى في المنطقة فعندما كانت سوريا تتخذ موقفاً متشدداً لميل الاردن نحو اسرائيل وكذلك الامر عندما تتشدد اسرائيل يميل الاردن نحو العراق فهي ـ اي الاردن ـ نقطة نظام اخرى في المنطقة مثل الكويت. ولكن المحاور الثلاثة اختلت وتم عزل العراق ومحاولة عزل ايران فكان نتيجة ذلك اعتماد دول الخليج على امريكا وبريطانيا وفرنسا لضمان امنها ولكن السؤال هل يعتبر هذا حلاً مرضياً لأمد بعيد ام يجب اعتماد الامن من داخل المنطقة واعادة المحاور الثلاثة لوضعها القديم وقال ان الثقة في امريكا اهتزت في المنطقة بأكملها. واشار الى قرب نهاية ولاية الرئيس الامريكي بيل كلينتون وكيف ستصبح سياسة الولايات المتحدة تحت ادارة جديدة, وامريكا حالياً مهتمة كثيراً بأمنها الداخلي ومكافحة الارهاب بعد تفجير سفارتي الولايات المتحدة في افريقيا كما خصصت واشنطن ميزانية تقدر بنحو ثمانية مليارات دولار لمكافحة الارهاب وتطوير نظام دفاعي مقاوم للصواريخ المتمثل في شبكة الصواريخ الدفاعية الوطنية الامريكية وتساءل هل سيستمر اهتمام الولايات المتحدة في الدفاع عن المنطقة. وفي الوقت الراهن فإننا نبتعد قليلاً عن نظام القطب الواحد المتمثل في امريكا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فأوروبا بدأت بالنهوض وتزايد الاهتمام فيها بالشرق الاوسط وخاصة دول جنوب اوروبا فهي مهتمة ايضاً بالانفجار السكاني في شمال افريقيا والمنطقة ومدى تأثيره عليها وكيفية ابقاء هذه الشعوب المتزايدة في اوطانهم لتخفيف الهجرة الى اوروبا. فالدول الاوروبية بقيادة المانيا كقوة اقتصادية تسعى لتطوير دول المنطقة واستقرارها وتحاول اوروبا توحيد سياساتها الخارجية والدفاعية فهي مهتمة بالشرق الاوسط لتقارب الموقع الجغرافي على عكس وضع الولايات المتحدة البعيدة جغرافياً عن المنطقة وهذه توجهات جديدة لا بد من اخذها في الاعتبار. وسياسة الاحتواء المزدوج للعراق وايران التي انتهجتها امريكا بعد حرب الخليج ماتت او تحتضر حالياً ومن التوجهات الحديثة في المنطقة التقارب الحاصل بين السعودية وايران وقال ان الكثيرين ينظرون لسياسة الاحتواء المزدوج بأنها خاطئة. وقال ان العالم العربي الحالي ليس كما كان في السابق الذي خسر الحرب في 1967 واجتياح لبنان عام 1982 ولكن الوقت الراهن يوضح ان اسرائيل هي التي خسرت في جنوب لبنان فالوقت تغير ولا يمكن لاسرائيل املاء رغباتها في المنطقة ولا بد ان يدرك العرب ذلك ودور اسرائيل يتقلص حالياً لتعود لحجمها الطبيعي. واضاف ان العرب تقبلوا اسرائيل كلاعب في المنطقة ولاعب مهم لكن لن يقبلوا بهيمنة اسرائيل على المنطقة وهذا ما تعاني منه اسرائيل حالياً التي عليها الاقتناع بدورها كلاعب رئيسي وليس كلاعب مهيمن واسرائيل نجحت في ان تكون القوة النووية الوحيدة في المنطقة وتفوقت عسكرياً ولكنها فشلت في ايجاد وسيلة لهزيمة المقاومة اللبنانية. والرأي العام في اسرائيل لم يعد يتقبل خسائرها في لبنان والرغبة في القتال لدى جنودها تلاشت. واشار انه خلال حرب الخليج عندما اطلق العراق صواريخه على تل ابيب لاحظ رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحاق رابين ان العديد من الاسرائيليين غادروا تل ابيب وادرك لحظتها ان بلاده لا ترغب في تحمل الخسائر او التضحيات كما كان في الماضي فالأمور تغيرت وولاء الجيش لم يعد كما كان في الماضي واضاف قبل ايام قال رئيس الاركان الاسرائيلي شاؤول موفاز ان العدو الحقيقي لاسرائيل ليس ايران او سوريا وانما عدو الجيش الاسرائيلي الامهات اليهوديات اللواتي طالبن بالخروج من جنوب لبنان. واشار باتريك سيل الى ان التغير في الرغبة للقتال يعتبر تغيراً مهماً واتضح حالياً ان امن اسرائيل لا يعتمد على احتلال اراضي العرب. وقال ان هناك تغيراً جديداً في العالم العربي يخص ظهور التضامن العربي من جديد فالدول العربية لن تسمح بتهديد اية دولة منها لأن ذلك يعتبر تهديداً لجميع الدول العربية. اسرائيل مسئولة عن ترسانة صدام كما اشار الى ظهور قوة ردع عربية تمثلت في امتناع حزب الله التخلي عن سلاحه وذلك يمثل قوة ردع لاسرائيل اذا ما حاولت الاعتداء على لبنان. كما ذكر سيل في حديثه انه لو لم تدمر اسرائيل المفاعل النووي العراقي عام 1981 لما سعى النظام العراقي لتطوير قواته العسكرية كما فعل. وقال ان اسرائيل في صراع مع نفسها حالياً فهل يمكنها الاعتماد على عقيدة التفوق العسكري لضمان امنها او الاعتماد على حسن الجيرة بعد تحقيق السلام مع دول الجوار. واضاف ان استعادة هضبة الجولان المحتلة تمثل للرئيس السوري حافظ الاسد رمزاً للاستقلال فهو ليس لديه اي رغبة في التنازل عن الاراضي السورية المحتلة ولكنه يملك التساهل في المواضيع الاخرى العالقة مع اسرائيل مثل المياه وشبكة الانذار المبكر والتطبيع ولكن الارض ليست محل نقاش مع الاسد الذي يرى ان السلام في المنطقة كفيل باحتواء اسرائيل التي تختلف نظرتها للسلام التي ترى فيها مفتاحاً للهيمنة على المنطقة. وحول خلافة الاسد قال باتريك سيل ان نجل الرئيس السوري بشار الاسد هو الابرز لخلافته وبدت عليه براعة سياسية في التعامل مع مختلف الامور ويعتبره حالياً يداً مكملة لسياسات الاسد الاصلاحية ومحاربة الفساد والانفتاح على دول العالم وتطوير سوريا. واوضح باتريك سيل ان سوريا ليست مملكة تتوالى افراد عائلة واحدة على الحكم لكنه قال ان بشار الاسد يحظى بمميزات تؤهله لخلافة والده كونه شاباً متعلماً ومثقفاً على مستوى عال واظهر براعة في عمله السياسي مؤخراً كما انه يقود حالياً حملة مكافحة الفساد. واشار الى ان افراد عائلة غاندي تولوا الحكم في اكبر ديمقراطية في العالم وتم اختيار سونيا غاندي رئيسة لحزب المؤتمر رغم انها ايطالية الاصل ولكن اسم غاندي اوصلها لذلك ولم يؤثر ذلك على ديمقراطية الهند.