قائد مجموعة (أيلول الأسود) ينجو من فخ تحت الأرض ، أعصاب العالم مشدودة والبافاريون يصرون استكمال اجراءات رخصة قيادة الحافلة يزداد ايقاع الأحداث سخونة وتأزما وتوترا مع كل لحظة نمضي بها بصحبة مؤلفنا سيمون ريف في كتابه (ذات يوم في سبتمبر) والتي تركنا فيها عند آخر محطة لنا معه في الساعة السادسة مساء, حيث يقول المؤلف إن الخطط الألمانية لانقاذ الرهائن والهجوم على الفدائيين كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة حينها. ويشير ريف إلى ان الخطط الأولية كانت تقضي بترحيل الفدائيين ومعهم رهائنهم الاسرائيليين إلى مطار رايم, أكبر المطارات في ميونيخ ثم محاولة شن هجوم مباغت على المجموعة الفلسطينية هناك. لكن والتر تروجر رفض ذلك بشدة قائلا: ألن يكون من الجنون تنفيذ هذه العملية في مطار رايم فيما يوجد في المدينة مطار آخر ليس مدنيا وهو مطار فيرستنفسفيلد بروك؟ فيرستنفيلدبروك ليس إلا إحدى القواعد التابعة للقوات الجوية الألمانية, لكن سلطات ميونيخ استفادت من خدماته أثناء الدورة الأوليمبية لاستيعاب حركة النقل الجوي المكثفة التي رافقت هذه المناسبة الرياضية العالمية. ويقع المطار العسكري على بعد 20 كيلو مترا من ميونيخ, وتحيط به الغابات, اضافة لسور يعلوه سلك مكهرب. كانت اللجنة التي تدير الأزمة قد قررت أن يتم ترحيل المجموعة الفدائية مع رهائنهم على متن طائرتين مروحيتين, بعد أن يتم اخبارهم بأن طائرة ركاب نفاثة تنتظرهم لتأخذهم إلى خارج البلاد. وفي المطار تقوم الشرطة الألمانية بهجوم مباغت لتقتل الفدائيين أو تأسرهم. وتم ارسال خمسة من القناصة فورا إلى فيرستنفيلدبروك للتجهيز للهجوم في ضوء هذا التصور. ويقول تروجر: (كنت متخوفا جدا من النتيجة, فقد قضيت ساعات مع الفدائيين, وأعرف تماما إلى أي حد هم يائسون, وانهم كانوا شبانا أشداء ومن المحتم انهم لن يستسلموا من دون الدفاع عن أنفسهم) . كذلك كان هانز ديتريتش جينشر متشككا بالنتائج أيضا, فلم تعجبه خطة الهجوم, خصوصا وانها تشكل خطرا على حياة طاقم المروحيتين الألمان, وأراد مزيدا من الوقت للتفاوض مع الفدائيين, لكن السلطات البافارية المحلية كانت قد اتخذت قرارها, وانتهى الأمر. لماذا المروحية؟ في الساعة السادسة وخمس وثلاثين دقيقة, عاد جينشر وسكرايبر وميرك وتروجر مشيا على الأقدام إلى كونوليستراسه ليتحدثوا مع عيسى حول طريقة خروج الفدائيين والرهائن من ألمانيا. وأخبره الألمان بأنهم قد رتبوا أمر احضار مروحيتين بحملهم من القرية الأوليمبية إلى المطار المحلي, حيث تنتظرهم هناك طائرة ركاب ستقلهم إلى القاهرة. وفي المطار المحلي سيكون بمقدور عيسى وأحد رفاقه الآخرون دخول الطائرة للتأكد من انها مناسبة للرحلة التي يزمعون القيام بها من هناك إلى العاصمة المصرية. لكن عيسى لم يقنعه الأمر, وطرح سؤالا محددا: لم لا يمكنهم ركوب باص من القرية الأوليمبية إلى المطار؟ لكن سكرايبر, الذي كان يخشى أن يقوم الفدائيون بايقاف الباص في منتصف الطريق لأخذ مزيد من الرهائن, أخبره بأن هناك حشودا كبيرة من الألمان خارج أسوار القرية, وانه لا يستطيع ضمان سلامتهم. ثم طلب الألمان مزيدا من الوقت لترتيب الأمر, لكن عيسى رفض ذلك. وحينها قال له هانزديتريتش جينشر غاضبا: (اسمع, تستطيع أن تقتلنا جميعنا هنا, لكن ذلك لن يغير من الأمر شيئا. نحتاج ساعتين حتى نتمكن من ترتيب أمر رحيلكم) . تردد عيسى قليلا, ثم وافق على المهلة الجديدة حتى الساعة التاسعة. وخاض معه الألمان جولتين أخريين من المفاوضات حول تفاصيل الترحيل بعد ذلك, لكنهم عرفوا انه لن يتسامح بعد الآن مع أي تأجيل. ويقول سكرايبر لريف: (كان هدفنا في الترتيبات الى أقصى حد ممكن حتى نتمكن من ارهاقهم وان نقوم باستعداداتنا على أفضل وجه بانتظار اللحظة المناسبة) . لكنه فشل في هذا المسعى كما سنرى لاحقا. يقول ريف ان الكذب المتواصل بدلا من أن يضعف عيسى فإنه جعله أكثر شكا. وتقول جرايس: (في الساعة السادسة والنصف أصبح عيسى نزقا جدا لانه عرف انهم يخادعونه, وفي السابعة تحدث معي بهدوء وبشكل أكثر ثقة, وأخذ يحمل رشاشا في يده بدلا من الاكتفاء بقنبلة كما كان يفعل في السابق. قال قائد فدائيي (أيلول الأسود) لجرايس انه يحس بالتهديد, وانه سيقتل جميع الاسرائيليين ويرتهن ألمانا بدلا عنهم. وفي محاولة لاخافة الألمان نتيجة أي مكر يمكرونه قال لها ان رجالا من (شعبه) ينتظرون خارج القرية الأوليمبية بانتظار التدخل ان تطلب الأمر. وتتذكر جرايس بأن عيسى (أخذ يراقب الضباط الألمان بترقب شديد, وقال: (أراهنك على 20 ماركا انه سيتم شن هجوم علينا وبانني مقتول الليلة لا محالة) . في الساعة السابعة والثلث كانت المروحيتان جاهزتين وتنتظران نقل المجموعة, إذ حطت مروحيتان من نوع بيل يو اتش 1 خلف المبنى الإداري في القرية الأوليمبية. فيما أسرع هانز ديتريتش جينشر الذي كان خارجا ليحرك سيارة فولكس فاجن بيتل لتوسيع المكان للمروحيتين. وما ان هبطتا حتى أسرع برونوفميرك ومانفريد سكرايبر نحو احداهما, وأقلعا باتجاه فيرستنفيلد بروك. أراد رؤية المطار بنفسيهما والتأكد من الاستعدادات الجارية على قدم وساق للهجوم باشراف جورج ولف نائب سكرايبر. لم تستغرق الرحلة بالمروحية أكثر من عشر دقائق. وفي الثامنة و37 دقيقة كانا من جديد في القرية الأوليمبية, ليتحدثا حول خطة الهجوم, وأثناء الحديث بدأت خطة بديلة جديدة تشكل في أذهان الألمان. لقد أخبروا عيسى بأن الرحلة إلى المطار ستتم على متن مروحيتين, لكن من الممكن اقناعه بقطع المسافة البالغة 200 متر بين المبنى وبين مكان وقوف المروحيتين مشيا على الأقدام وبعبور موقف السيارات الذي يقع تحت مباني القرية الأوليمبية. ليسوا هواة اتخذت لجنة الأزمة قرارها, فموقف السيارات تحت الأرض هو المكان الأمثل لنصب الكمين وشن الهجوم, إذ بالامكان استعادة القناصة المتمركزين حينها في فيرستنفيلد بروك إلى القرية ليختبئوا في الظلال داخل أقبية كونوليستراسه, وحين يخرج الفدائيون برهائنهم يمكن تصفيتهم بلحظات من دون تعريض أي ألماني للخطر, وفي اطار هذا السيناريو فإن معظم الاسرائيليين سيلقون حتفهم على أقل تقدير, لكن الألمان بذلك يكونون قد حاولوا انقاذهم بحال من الأحوال. وعلى الرغم من التحفظات أمر سكرايبر احدى المروحيات بالتحرك فوراً واستعادة القناصة الخمسة من المطار إلى القرية, وبالتالي فإن كل ما تبقى على الألمان هو اقناع عيسى بالمشي من المبنى إلى المروحيات. في الساعة الثامنة وخمسين دقيقة عاد جينشر وميرك وسكرايبر وتروجر للقيام بالمشوار التقليدي نحو كونوليستراسه للحديث مع عيسى, وهناك أخبروه بأنهم عثروا على طاقمين ألمانيين متطوعين لقيادة المروحيتين نحو المطار, لكنهم يريدون وعدا منه بعدم ايذائهم أو ارتهانهم, فوعدهم بأنه سيحترم حيادهم, ووعد أيضا بأنه هو وأحد صحبه فقط سيدخلون طائرة الركاب في المطار لتفقدها قبل اخلاء المروحيتين, كان في مزاج طيب جدا. ليس هذا فحسب, بل انه قال لجينشر: (يسعدني ان أشكر حكومتك من كل قلبي على بذلكم لكل ما بوسعكم) . لكن الأمر تغير حينما اقترح جينشر وصحبه على عيسى ان يقطع الفدائيون ورهائنهم المسافة حتى المروحيتين اللتين تنتظران على بعد 200 متر سيرا على الأقدام وبعبور موقف السيارات تحت الأرض. لم يرفض عيسى العرض فورا, ويقول سكرايبر( قال ان الأمر يمكن ان يكون مقبولا, لكن عليه ان يستطلع الطريق أولا) لقد ظن الألمان انه سيقبل فوراً, إذ كانوا لايزالون يظنون الفلسطينيين مجرد هواة. دخل عيسى المبنى لبرهة ثم خرج للألمان وقال انه أخبر رجاله بأن يقتلوا الاسرائيليين ان لم يعد إليهم سالما بعد 6 دقائق فقط. وحالما انطلقت المجموعة في الطريق المقترح كان ضباط الشرطة والقناصة الألمان ينسلون مبتعدين في الظلام من أمامها, لكن عيسى لم يكن بالأحمق ويتذكر سكرايبر في هذا الصدد انه (حينما مشينا في القبو أخذ عيسى يستوعب الأمر, فالمواقف تحت الأرض دوما ما تكون مظلمة وانه قد يتعرض لهجوم فيه. ربما كان عيسى قد لمح أحد عناصر الشرطة الألمانية المختفية حول الطريق وربما لا, وبالتأكيد فهم ان بمقدور الألمان تحويل المكان إلى ساحة للرماية, قطع الطريق حتى آخره ثم استدار نحو مرافقيه, وقال لهم ان عرضهم مرفوض, وانه يريد باصا لينقل جماعته ورهائنه إلى المروحيات. وافق الألمان على مضض لعلمهم ان الأمر يعني نهاية تدبيرهم الذي دبروه لتنفيذ الهجوم داخل القرية الأولمبية. ماذا بعد؟ بعد نصف ساعة من طلب عيسى للباص أحضر الألمان باصا صغيرا ذي 16 مقعدا توقف خارج باب الطابق الأرضي في المبنى الاسرائيلي بانتظار صعود ركابه المنتظرين, لكن عيسى مرة أخرى رفض وقال لمحدثيه ان الباص صغير جدا ولا يناسب مهمته. ولم يدرك المسئولون الألمان ان الباص الكبير بحاجة لسائق يحمل رخصة قيادة ثقيلة, إلا بعد ان أحضروا باصا كبيرا, فحتى في تلك اللحظات الحرجة والحاسمة من الأزمة أصر المسئولون البافاريون على ان يكون كل شيء مطابقا لنصوص القانون, ليعود المسئولون ويبحثوا عن سائق متطوع يحمل رخصة قيادة تسمح له بقيادة باص كبير. وصل الباص أمام الباب الساعة العاشرة واندفع أحد الفدائيين داخله ورشاشة بيده ليتأكد من عدم وجود ما يريب داخله وحوله, بعد ذلك اقتاد الفدائيون رهائنهم المقنعين خارج المبنى لداخل الباص فيما كانوا يلوحون بفوهات بنادقهم نحو الظلال خشية الغدر, فيما ظل أحدهم في شرفة الطابق الثاني ليغطي عملية المغادرة إلى الباص. انطلق الباص نحو المروحيات فيما اندفعت قوة من الشرطة للهجوم على المبنى والتأكد من ان الفدائيين قد أخلوه بالكامل, وساد جو من التوتر الشديد على الألوف المحتشدين خارج المنطقة المعزولة وهم يرون الفدائيين يقتربون بباصهم من المروحيتين, إذ طوال ذلك اليوم كانت الأزمة بعيدة عن انظارهم داخل كونوليستراسه, أما الآن فإن اللاعبين الرئيسيين في تلك الدراما بادون أمامهم على ساحة الحدث. خرج عيسى من الباص أولا, وصعد إلى المروحيتين وفتشهما ثم فتش أعلاهما بحثا عن أي قناصين قد يكونون موجودين إلى ان هدأت مخاوفه. أما هانز ديترش جينشر فكان يراقب من بعيد أيضا وبجانبه يقف زيفي زامير, يقول جينشر أخذت أعد الفدائيين وهم يخرجون: (واحد, اثنان, ثلاثة... ثمانية) يا الله! طوال اليوم كانت لجنة الأزمة تبني خططها على معلومة كان هو من أعطاهم اياها بعد دخوله المبنى الاسرائيلي ومقابلته للرهائن ومحتجزيهم ومفادها ان الفدائيين المشاركين بالهجوم عددهم خمسة رجال. لم يكن هناك سوى خمسة قناصة في فيرستنفيلد بروك, لكن الأمر أصبح متأخرا بالنسبة لاجراء أي تعديل في الخطة. وعلى مرأى من عشرات من كاميرات التلفزيون أخذ عيسى يتحرك في المنطقة مسرعا ليرتب أمر الانتقال للمروحيات, قسم الرهائن والفدائيين مجموعتين, في المروحية الأولى صعد الاسرائيليون بيرجر وفريدمان وهافين وسبرينجر وتلاهم الفلسطيني طوني وثلاثة من رجاله. وفي المروحية الثانية صعد الاسرائيليون شابيرا وسبيترز وسلافين وشور وجوتفريند ومعهم الفلسطينيون عيسى وجمال الجشي وعمه عدنان وفدائي آخر. وانطلق هدير المراوح وهي تزيد سرعة دورانها وترتفع ببطء في الهواء في تمام الساعة العاشرة و 21 دقيقة فوق القرية الأولمبية وانوارها الحمراء تومض في السماء, فيما الجميع يتساءل: ماذا بعد؟