لعل المرسوم رقم (10) الخاص بالاستثمار في سوريا وتعديلاته التي ظهرت مؤخرا قد فتحت المجال للتفكير بشكل جدي في قضايا اقتصادية ملحة ومنها الاسواق الحرة, من هنا جاءت دراسة الدكتور ممتاز نحاس الخبير في الشئون الاقتصادية لتلقي الضوء على الحاجة الملحة، لاقامة منطقة حرة في سوريا محددا اساساتها وميزتها وفوائدها ومعرفا اياها بداية بانها منطقة حرة النشاط بعيدا عن تطبيق الانظمة والقوانين المختلفة المعمول بها اي هي منطقة تقع داخل حدود الدولة مكانيا لكنها خارج الحدود قانونا ونشاطا واداء, وبالمقابل فانها تعتبر رافدا قويا وداعما للاقتصاد الوطني من خلال الحصول على المزيد من القطع الاجنبي نتيجة لتعاملها واتصالاتها بالعالم الخارجي سواء كان هذا التعامل شخصيا او على شكل حركة صناعية او تجارية. وبعد ان يتكلم د. نحاس عن اهمية المنطقة الحرة كمصدر رئيسي للقطع الاجنبي ينتقل ليعرفنا على النطاق الواسع الذي يمكن ان تشغله هذه المناطق بقوله: ان تحديد المناطق الحرة بمساحات ومناطق محددة تشمل كافة انشطة المناطق الحرة هو خطأ اقتصادي فادح خاصة وان دمشق وبلاد الشام مؤهلة تماما كي تكون كلها منطقة حرة كما هو الحال في دبي والمدن التابعة لها. واكد على ضرورة نشر المناطق الحرة وفروعها في كافة انحاء البلاد وجعل بعض المناطق مناطق حرة خاصة في عمليات التصنيع القائم على التعاون مع المؤسسات والمصانع العالمية التي تتمتع بضائعها بشهرة عالمية والتي يمكن ان تتعامل مع هذه المناطق على اساس ادخال موادها الاولية اليها بعد التصنيع واعادة التصدير الى زبائنها في منطقة الشرق الاوسط . وتحدث الدكتور ممتاز نحاس عن العوامل المشجعة للقيام بذلك واهمها انخفاض تكاليف الانتاج في سوريا وعدم خضوع المنتجين للتكيف الضريبي المالي نسبيا في بلادهم وهي الحالة المطبقة حاليا في بعض بلاد جنوب شرق آسيا, وضرب مثالا على ذلك لجوء المصنعين في اليابان الى كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا وسنغافورة واندونيسيا لتصنيع بضائعهم فيها تطبيقا لمبدأ ارخميدس الاقتصادي حيث ان الاستثمار يهرب من المناطق الصعبة الى المناطق السهلة حيث يستقر فيها ليشعر بالطمأنينة والراحة مع ضمان استعادة رأس المال المستثمر باسرع وقت ممكن. ومن ذلك خلص الى انه يتوجب علينا دراسة واقع التجارب التي مر بها الآخرون والذين نجحوا بجذب الاستثمار الى المناطق الحرة, واعادة النظر في الانظمة والقوانين الناظمة لعمل المناطق الحرة بصورة مشابهة او افضل من تلك المعمول بها في هذه الدول كي نجذب الرساميل الينا خاصة وان بلاد الشام تتمتع بموقع استراتيجي مؤهل للعب هذا الدور على اكمل وجه وبالتالي يجب تشجيع الاعمال التجارية فيها بان نسمح للشركات والمؤسسات الاجنبية باقامة المستودعات فيها حيث يعاد التصدير منها الى كافة بلدان الشرق الاوسط, وبلدان الخليج العربي التي يمكن ان تستقبل بضائع هذه البلدان والمؤسسات مع تأمين كافة التسهيلات اللازمة لعمليات النقل على اختلاف اشكاله والوانه وكذلك باعادة تصدير هذه المخزونات الى الجهات المتاحة اليها وضرب الباحث مثلا حيا على ذلك يمكن الاقتداء به وهو ما تلعبه حاليا منطقة جبل علي في دولة الامارات العربية المتحدة خاصة وان هذا الوضع هو عبارة عن تجارة بالجملة ولكن على المستوى العالمي حيث يتم الشراء على اساس الكميات الكبيرة ومن ثم يتم تسويقها حسب مبدأ البيع بالمفرق وهو ما يساعد المستوردين في المنطقة للحصول على البضائع حسب الكميات والانواع والاوقات التي يرغبونها, الامر الذي لا يتوفر لديهم عند محاولتهم استيراد بضائعهم مباشرة من الدول الصانعة. وقال ان ذلك افضل عملية يمكن من خلالها بعث نشاط المناطق الحرة كما يمكن جعل مستودعات المناطق الحرة في بلادنا مركزا لتزويد شركات الطيران بمختلف البضائع التي يمكن تسويقها على طائراتهم مع تقديم كافة التسهيلات المتخصصة في هذا المجال. وانتقل الباحث الاقتصادي ممتاز نحاس ليتحدث عن زيادة التسويق مؤكدا على اهمية احداث مراكز للتجارة الدولية في المناطق الحرة بهدف الاشتراك في المناقصات المعلن عنها في البلدان المجاورة التي تحتاج الى مواد ضرورية وبصورة عاجلة, كما هو الحال حاليا في المدينة الحرة بدبي التي ازداد النشاط التجاري فيها بشكل ملحوظ. ويرى الباحث انه يمكن لسوريا الاستفادة من تجربة دبي وان تلعب هذا الدور الذي تلعبه دبي اذا ما عملت جهدها في اتباع الاساليب التي ثبتت نجاحاتها في هذا المجال خاصة مع توافر ظروف مساعدة كوجودها في قلب الوطن العربي وقربها من القوقاز تلك المنطقة الهامة التي يمكن لسوريا ان تستفيد من نشاط تسويق بضائع هذه الجمهوريات بدلا من ذهاب شعوبها الى بلدان اخرى كتركيا وقبرص وغيرها خاصة ان هناك تعاملا قديما ما بين المؤسسات السوفييتية ايام الاتحاد السوفييتي وبين المؤسسات التجارية والصناعية السورية. وفيما يتعلق بتوسيع قنوات التصدير يرى الباحث ان المناطق الحرة هي واجهة البلد ونجاحها يكون بمقدار نشاطها التجاري, ويعتقد جازما بان خير ما تحققه هذه المناطق هو تصدير اكبر كمية من البضائع ذات المنشأ السوري الى الخارج مع اعادة نسبة قيمة فاتورة البيع الى الشاري لدى خروجه وبصحبته بضاعة او خروج البضاعة لوحدها من الحدود السورية. كما يرى د. نحاس عملية اخرى يمكن ان تقوم بها المناطق الحرة اضافة الى المحال التجارية كما هي الحالة التي تتعامل معها اوروبا حاليا وهي عملية مشجعة لكل اجنبي داخل القطر كي يشتري اكبر مايمكن من حاجياته طمعا بمعدلات الحسومات التي تعاد اليه عند خروجه من الحدود السورية, واكد الباحث على ان ذلك مرهون بالخطط التنموية الاقتصادية الناجحة كي تكون النسبة المعادة الى الشاري مخفضة بصورة مؤكدة لعنصر المنافسة العالمية ومن هنا يرى وجوب النظر الى المناطق الحرة على انها عنصر مساعد لعمليات تصدير المنتجات المنافسة عالميا من حيث السعر والجودة وهما شرطان لا يتحققان عمليا مالم يتم اتخاذ اجراءات اقتصادية من اهمها الاقتصار على احداث الصناعات الجديدة على تلك التي تنتج سلعا منافسة عالميا من حيث السعر والجودة, ثم ايجاد هوامش عريضة من التعاون مابين المناطق الحرة الناجمة في العالم والمناطق الحرة المحلية, ثم دعوة الشركات العالمية الكبرى العاملة في مجال التسويق عبر المناطق الحرة لاجراء الاستثمار لها في سوريا لنتمكن من الاستفادة من خبرة هؤلاء الذين سبقونا اشواطا واشواطا وختم الباحث الاقتصادي ممتاز نحاس حديثه بالعلاقة بين الاسواق الحرة والسياحة حيث يرى انه عندما يؤم البلد عدد كبير من السياح الذين يجدون احتياجاتهم فان ذلك كفيل بجذبهم الى شراء البضائع المختلفة مستغلين فرصة السياحة في اعمال تجارية بسيطة تتمثل في شراء اشياء شخصية وحملها لبيعها في بلدانهم وطبعا المستفيد من ذلك هو البلد البائع الذي استطاعت الرعاية السياحية فيه جذب اكبر كم ممكن من السياح. وبذلك يجد الباحث علاقة ثلاثية الابعاد بين الاقتصاد القوي القائم على صناعات قابلة للتصدير, وبين وجود سياحة قوية وبين دراسة واقعية للمناطق الحرة, وهذه الابعاد الثلاثية تأتي في صلب ما يسمى بالاقتصاد القوى الذي يحتم وجود انتاج جيد وسياحة منظمة وتسويق مثالي في المناطق الحرة, وهذا يقود الى علاقة تربط حركة الطيران والمكاتب والجهات القائمة على العمل السياحي وعمل المناطق الحرة, مع وجود نوع من التنسيق لتشكيل احصائية توضح الاصناف والمنتجات التي تستهوي كل جنسية من الجنسيات التي تزور هذه المناطق.