الانسحاب الاسرائيلي المفاجىء من الجنوب اللبناني في 23 مايو والذي وصفته صحيفة الجارديان) في صدر صفحتها الاولى في الصباح التالي بأنه انسحاب الفوضى والمهانة, جاء قبل ستة اسابيع من الموعد الذي ظل ايهود باراك يلوح به قرابة عام أو يزيد, ويصر على تمسكه بتنفيذه سواء جاءت المعجزات بتحرك على مسار السلام مع سوريا أم ظل ذلك المسار حبيس اصرار اسرائيل على عدم العودة إلى خطوط الرابع من يونيو 67. وكان الانسحاب بكل المقاييس انتصارا مشهودا حققته المقاومة اللبنانية ومقاتلو حزب الله, ولم تجد اسرائيل خيارا اخر سوى الفرار بنفسها من كمين الموت الذي احتلته 22 عاما وسمته (حزام الامان) , ولاذت في النهاية بالفرار من ذلك الامان الموهوم الذي سماه بعض المراقبين فيتنام اسرائيل, وانهار تماما جيش عملاء اسرائيل أو ما يسمى بجيش الجنوب اللبناني الذي وضع نفسه في خدمة الاحتلال الاسرائيلي, وتخلت عنه اسرائيل ليتحول إلى فلول هاربة هنا وهناك, وكان من الطبيعي ان يؤدي انتصار المقاومة اللبنانية على الاحتلال الاسرائيلي بكل ما تحت يده من احدث آلات الدمار إلى الهاب المشاعر العربية الفلسطينية وان ترتفع اللافتات الفلسطينية بشعارات (اليوم لبنان وغدا فلسطين) . ما الدلالة العامة التي يحملها هذا الانسحاب امام ضربات المقاومة اللبنانية وطريقة الفرار المذعور الذي تم بها واثارت دهشة المراقبين؟ واي طريق ستأخذه التطورات في الفترة المقبلة سواء على المسار السوري أو المسار الفلسطيني؟ واي مصير ينتظر عملية السلام برمتها؟ كانت هذه هي القضايا التي طرحتها (الملف) في هذا الحوار مع الدكتورة روزماري هوليس الخبيرة بالصراع العربي الاسرائيلي ورئيسة برنامج الشرق الاوسط في المعهد الملكي للعلاقات الدولية في لندن, تلك المؤسسة الشهيرة والمعروفة باسم (تشاتام هاوس) . * بداية ما هي دلالات هذا الانسحاب والتطورات المحتملة خلال الفترة المقبلة؟ ـ على المدى القريب قد تكون هناك تصفية حسابات بين اللبنانيين وجيش الجنوب, وسيدعم حزب الله وجوده في الجنوب, كذلك سيدعم المدنيون اللبنانيون تواجدهم في المنطقة, والسؤال الان: هل سيواصل حزب الله القتال لكي يستعيد مزارع شبعا؟ في تصوري ان تطورات الموقف في الجنوب اللبناني تعتبر شيئا خارقا للعادة, وان الاسرائيليين لم يخططوا للانسحاب في هذا الموعد بالذات, كما لم يخططوا انسحابهم بالتنسيق مع الامم المتحدة أو مع اي طرف اخر, ولكنهم قاموا بتنفيذ عملية جلاء عاجلة بناء على قرار اتخذ عفو اللحظة, وفجأة تركوا المنطقة, وفي اعتقادي انه فيما عدا قدرا من اراقة الدماء وتسوية الحسابات في جنوب لبنان ستتصرف جميع الاطراف بحذر بالغ, حزب الله سيتصرف بحذر تجاه اسرائيل, وسوريا ستتصرف بحذر تجاه حزب الله وتجاه الاسرائيليين, إلى ان يستطيعوا ان يروا صورة اكثر وضوحا لحقيقة الموقف. * ما هو تفسيرك لتعجل اسرائيل بالانسحاب قبل التاريخ الذي حددته وقبل ان تتم ترتيبات القوات الدولية وما اليها؟ ـ النتيجة التي انتهى اليها الاسرائيليون هي انهم لن يحصلوا على اتفاق للسلام مع سوريا, ولو كان هناك تقدم في المفاوضات مع سوريا لاجل الاسرائيليون انسحابهم حتى ربما إلى ما بعد 7 يوليو ليكون الانسحاب جزءا من عناصر الاتفاق, ولكن بعد ان تخلوا عن المسار السوري عندئذ اصبحت القضية هي ما الغرض من بقائهم في لبنان حتى السابع من يوليو؟ ولا يوجد بين الامهات الاسرائيليات من تريد ان تكون اخر من يفقد ابناءها في جنوب لبنان, وسيكون من الاصعب على باراك ان يقنع الاسرائيليين بقبول سقوط مزيد من القتلى بعد ان اعلن انه سينسحب على اي حال, ولماذا ينتظر اسابيع اخرى! * وماذا عن احتمالات التقدم على المسار السوري؟ هل الانسحاب من جنوب لبنان يجعل السلام مع سوريا اقرب أم ابعد منالا؟ ـ في تقديري ان الوصول إلى اتفاقية السلام بين اسرائيل وسوريا مسألة مشكوك فيها جدا, اذ يعتقد الكثيرون انه من الصعب على اسرائيل ان تعطي الحد الادنى من التنازلات التي يقبل بها السوريون, كما ان السوريين لا يستطيعون التزحزح عن موقفهم, لكن ذلك لا يعني انه لا سبيل للتوصل إلى اتفاق, ومن الصيغ المطروحة الصيغة التي اقترحها الصحفي البريطاني المعروف باتريك سيل للمشاركة في بحيرة طبرية, وطبقا لهذه الصيغة تكون مسألة من يملك الطريق حول البحرية ومن يستطيع ان يقود سيارته حول البحيرة مسألة خاضعة تماما للتفاوض, وفي اعتقادي انه توجد امكانيات للتوصل إلى صيغة تكون مقبولة للطرفين. * وفيما يتعلق بالتواجد السوري في لبنان بعد انسحاب اسرائيل من الجنوب؟ ـ أرى ان بعض اللبنانيين ريما يتطلعون إلى خروج الجيش السوري من لبنان, ولكن اللبنانيين جميعا يخشون من تدهور الموقف الداخلي في بلادهم, وطالما ظل السوريون قوة للاستقرار والتوازن وليس قوة متحيزة فوجودهم يمكن ان ينقذ اللبنانيين مرة اخرى من شىء اشد سوءا. اما العلاقة بين سوريا وحزب الله وعلى ضوء تجارب الماضي, لا يمكن القول على وجه الدقة ان سوريا تسيطر على حزب الله ولكن يتم تبادل الرسائل والتشاور بين الطرفين, اما ايران فسيكون مبعث رضاها ان تشعر انها ايدت المجموعة التي نجحت في الوقوف بشكل فعال للغاية ضد الاسرائيليين. * وماذا عن دلالة الانسحاب الاسرائيلي في نظر الشعب الفلسطيني, في رأي الكثيرين ان ما حدث في جنوب لبنان دليل على ان الاسرائيليين يستجيبون فقط لاستخدام القوة, هل سيتوعب الفلسطينون الدرس بان الطريق الوحيد للحصول على انسحاب الاسرائيليين هو ان يفعلوا نفس الشىء؟ ـ الفلسطينيون يعرفون هذا الدرس بالفعل, الطريقة التي تصرف بها اسحق رابين فيما يتعلق بقطاع غزة كانت دليلا واضحا على ان الانتفاضة هي التي دفعت اسرائيل لان تتخلى عن غزة إلى اقصى درجة ممكنة, ونتذكر انها فكرت حينذاك في ان ما حدث في غزة درس لسكان الضفة الغربية, وانهم اذا ارادوا ان يحدث نفس الشىء في الضفة الغربية فان الطريق لتحقيق ذلك هو اعمال العنف, وكانت هذه هي الرسالة التي تلقوها, وتجربة ما حدث في جنوب لبنان تؤكد هذه الرسالة وتضاعف من تأثيرها. * معنى ذلك اننا سنرى انتفاضة اخرى في الضفة الغربية وماذا سيكون موقف السلطة الفلسطينية؟ ـ اننا نرى الان ذلك بالفعل, وقد تصادف الانسحاب من جنوب لبنان مع اضطرابات واسعة النطاق في الضفة الغربية وغزة, والسؤال هو هل سيتطور ذلك إلى موقف اكثر قابليلة للانفجار؟ في تقديري ان العوامل المحددة للموقف وملابساته تختلف, وفي واقع الامر ان ياسر عرفات وقوات الامن التابعة للسلطة الفلسطينية سيكونون على استعداد لاخماد الشعب الفلسطيني اذا رأوا في ذلك مصلحة لهم, وقد تنبأ الاسرائيليون بصفة عامة وفيما عدا فترات انقطاع دورية ان الامر كذلك. واعتقد ان اكثر ما يثير القلق هو ان الحديث الذي يدور الان بانه لن تكون هناك اتفاقية فعالة حول الوضع النهائي هذا العام,. ستكون هناك اتفاقية ولكن هذه الاتفاقية ستكون جزئية, وستكون امتدادا للفترات المؤقتة التي لا تنتهي ولأسلوب الخطوة خطوة, وستستمر عملية السلام الفلسطينية الاسرائيلية لمدة خمس سنوات اخرى أو ربما لمدة اطول. * كيف ترين وضع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, هل سيستطيع الصمود امام قيام مثل هذه الاتفاقية لو تحول الموقف إلى مزيد من العنف في الضفة الغربية؟ ـ اعتقد انه كان من الصعب على عرفات ان يسيطر تماما على اشتعال الموقف في الاسبوع الاخير أو ما إلى ذلك, والزعيم الفلسطيني يدرك انه توجد خطوط حمر لا يمكن تجاوزها, وبغض النظر عن آماله الخاصة في اقامة دولة فلسطينية فان المسائل المتعلقة بنوع هذه الدولة ومصير اللاجئين الفلسطينيين والصفقة التي يعقدها حول القدس ستؤثر على وضعه الشخصي. * الآن ومع الصعوبات الحالية على المسار الفلسطيني هل ترين ان هذا المسار سيؤدي إلى أية نتيجة؟ هل سيمكن التوصل حتى إلى اتفاقية مؤقتة؟ ـ في رأيي ان التفكير الاسرائيلي سيكون مركزا على ماهو ضروري للتعامل مع اعلان الدولة في سبتمبر, ويبدو من دراسة لتقييم موقف افتراضي اعدها برنامج الشرق الاوط في تشاتام هاوس (المعهد الملكي للعلاقات الدولية) في العام الماضي حول ما كان مطروحا من اعلان الدولة الفلسطينية باقامة دولة في سبتمبر, بشرط عدم تعيين حدود لهذه الدولة, اما اذا اعلن الفلسطينيون اقامة دولة في الضفة الغربية وغزة باكملها فسيضعون انفسهم في موقف حرج ومهين لانهم لا يستطيعوا بأي حال استعادة الضفة الغربية بكاملها, لذلك سيكون عليهم ان يعلنوا دولة دون تعيين الحدود, واسرائيل على استعداد لقبول دولة تكون حدودها قابلة للتفاوض, وهذه فيما يبدو عناصر اتفاقية سبتمبر. ان اعلان الدولة الفلسطينية حتى بهذا الشرط لن يكون مجرد تغيير للاسماء, لانه اذا ما اصبحت الدولة الفلسطينية عضوا في الامم المتحدة, واذا عوملت فلسطين كأية دولة اخرى ذات سيادة وفقا للقانون الدولي, فان ذلك سيغير عددا من الجوانب الهامة في حياة الفلسطينيين, ومن الصعب ان نرى كيف تستطيع اسرائيل ـ سوى عن طريق وسائل التهديد والتكتيكات غير الرسمية ـ ان تمنع تعامل الدول الاخرى مع فلسطين كدولة ذات سيادة, ومن الصعب جدا ان نرى كيف يمكن ان يقوم الاسرائيليون بتولي مسئولية نقاط حدود لدولة اخرى ذات سيادة. * وماذا عن الدور الامريكي في عملية السلام في ضوء الانتخابات الوشيكة واقتراب رئاسة كلينتون من النهاية؟ ـ الامريكيون انفسهم يتندرون حول التعجل القلق الذي تظهره الحكومة الامريكية لكي تحقق نوعا من الانجازات في السياسة الخارجية, والامريكيون دون شك لم يبدوا ارتياحا للطريقة التي تم بها الانسحاب الاسرائيلي المنفرد من لبنان, وتوقع البعض ان يؤدي ذلك إلى شكل اخر من عدم الاستقرار, البعض الاخر كان قلقا من ان يؤدي هذا الانسحاب إلى سحب البساط من تحت اقدام المفاوضين السوريين وهو ما حدث بشكل أو باخر, ولا اعتقد انه سيحدث انجاز غير عادي على الجبهة الفلسطينية, لذلك سيواجه الامريكيون خيبة امل, وكما قال احد المعلقين الامريكيين: لماذا يعطي اطراف الصراع العربي الاسرائيلي الحكومة الامريكية الحالية جائزة التوصل إلى صفقة السلام؟ اذا كان في جعبتهم هدايا يقدمونها لاي شخص من الطبيعي ان يدخروها للرئيس الجديد وعلى ضوء الطريقة التي تسير بها الامور في الوقت الحاضر بما يكون من المفيد ان تأتي الانتخابات بدماء جديدة إلى البيت الابيض. * وكيف يمكن ان يكون رد الفعل في الاردن اذا ما تدهورت الامور في الضفة الغربية؟ ـ هناك من المسائل ما يثير قلقا كبيرا في الاردن, واكبر مشكلة هي مصير اللاجئين الفلسطينيين, ولن يتضح الموقف في هذا الشأن قبل ان يتضح الموقف فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية, وعندما يكون هناك اكثر من 50% من السكان من اصل فلسطيني فان المسألة الفلسطينية تكون كذلك مسألة داخلية كما انها مسألة من مسائل السياسة الخارجية. * وماذا عن الوضع في اسرائيل؟ من الواضح ان باراك قد فشل في الحصول على اتفاقة سلام مع سوريا, والمسار الفلسطيني لا يعد بالكثير أو لا يبعث على التفاؤل, والانسحاب غير المنظم من جنوب لبنان ربما يتعرض لانتقادات داخل اسرائيل, هل تعتقدين ان ذلك يمكن ان يؤثر على وضع باراك السياسي داخل اسرائيل ووضع ائتلافه الهش؟ ـوضع حكومة باراك وضع غير عادي بالمرة, فالعناصر المختلفة تشد في اتجاهات مختلفة, رغم ذلك اذا شعر الجنود الاسرائيليون والعائلات الاسرائيلية على طول الحدود مع لبنان انهم قد استفادوا من انسحابه الانفرادي, سيستطيع ان يحافظ على الائتلاف الحاكم ويوجه اهتمامه للمسائل الداخلية الاخرى, ولكن اذا سارت الامور في اتجاه اخر ستتضاعف مشكلات باراك. ان معيار الحكم على باراك في الداخل هو مااذا كان قد جعل اسرائيل اكثر امنا أو اقل والسؤال هو هل اسرائيل الان اكثر امنا أو اقل امنا عما كانت عليه عندما تولى باراك السلطة؟ ارى انها ليست اكثر امنا مما كانت عليه فيما عدا انه لم يعد هناك احتمال بأن يقتل جنود اسرائيليون في لبنان, واسرائيل كذلك ليست اقل امنا ولكنها لم تصبح افضل بكثير مما كانت. * وماذا عن الدور الاوروبي في عملية السلام؟ ـ الاتحاد الاوروبي مهم لاقصى درجة وله نفوذ مؤثر ولكن ليس بطريقة تخطف الاضواء, وعلاقات اوروبا مع الشرق الاوسط شديدة الاهمية, واوروبا اكثر اهمية لمستقبل اقتصاديات الشرق الاوسط, بما في ذلك مسألة النفط, والاتحاد الاوروبي هو اكبر الاطراف المانحة للمساعدات المالية للفلسطينيين, الاوروبيون كذلك يقومون بنوع من التنبية للامريكيين في عملية السلام, ويذكرونهم من حين إلى اخر ان السلام الذي يتم التوصل اليه لابد ان يكون سلاما دائما قادرا على البقاء, والاتحاد الاوروبي لم يجد اي سبب لكي يعترض طريق جهود صنع السلام الامريكية, والاوروبيون في معظم الوقت دورهم دور مكمل لما يسعى الامريكيون إلى تحقيقه, وفي بعض الاحيان يكونون ثقلا موازنا, والهدف الرئيسي هو المساعدة على نجاح الاتفاقات التي تسفر عنها عملية السلام. اجرى الحوار: محمد خليل