بعد ان انجلت الصورة على حقيقتها لدى كل المراقبين لا يزال امر الانسحاب الاسرائيلي يحمل الكثير من الاجتهادات والتكهنات, بل والغموض بسبب ما تخبئه الايام المقبلة من مفاجآت حاولت الكثير من التفسيرات تجاوزها او تجاهلها والتقليل من اهدافها وعلى ما يبدو فإن التجاهل الآني لجملة الحقائق التي حصلت على الارض جاءت نتيجة عنصر المفاجأة الذي قامت به قوات الاحتلال الاسرائيلي, والتي بكل جدية لم تكن متوقعة, على الاقل بالشكل الذي مورست به على الارض, حيث ان هذا الانسحاب شكل انقلابا دراماتيكيا, حتى بالعلم العسكري الكلاسيكي المتبع عند كل الجيوش النظامية. لكن بعيدا عن مراسم الفرح والابتهاج والزغاريد لابد من تناول هذا الحدث الكبير في حياة لبنان والامة العربية بكل جدية بعيدا عن ما شاهدناه بعدسات المصورين وشاشات التلفزيون العربية والاجنبية. فقد جاء هذا الانسحاب نتيجة لمجموعة من القضايا اهمها ان كل التسويغات وبالونات الاختبار التي كان يطلقها قادة اسرائيل اثناء تواجدهم على الاراضي اللبنانية والتي غالبا ما كانت مترافقة مع عدد من الخطط الامنية ـ العسكرية, قد باءت جميعها بالفشل الذريع, خاصة بعد ان وضعهم التسويف في موقع ميداني حرج لا يحسدون عليه, وانكشاف امر المناطق الامنية الرخوة في الجانب الاسرائيلي للمقاومة الوطنية بفعل الجغرافيا والطريقة القتالية المتبعة, التي تعتمد على الجهد الفردي القادر على الاختراق والوصول الى الهدف وتخطي اجهزة الانذار المبكر والحواجز الالكترونية الحديثة والمتطورة, حتى انها باتت تنعكس بشكل سلبي على هيبة وجاهزية الجيش الاسرائيلي ليس القتالية التكتيكية فقط بل والدفاعية وهذا الامر لم تعتد عليه اسرائيل وجيشها المدجج بأعتى ما انتجته آلة الحرب الغربية طيلة سنوات الصراع مع العرب على كل جبهات القتال, وخلقت حالة من الانقسام بين صفوف العسكريين والمستوطنين على حد سواء وقد دخلت هذه القضية لما لها من تأثير على جموع المستوطنين في البرنامج الانتخابي لحزبي العمل والليكود وحزب الوسط المشكل حديثا. الانكسار الاسرائيلي وعلى ما يبدو ان كل التكتيكات الامنية ـ الاعلانية التي اتبعت من قبل الجانب الاسرائيلي فيما مضى قد منيت جميعها بالفشل بسبب انهزام الشكل الكلاسيكي في القتال امام ما يسمى بحرب الشعب او حرب العصابات التي يغيب في اتونها معادل القوة وتطور آلة التدمير والسلاح الاستراتيجي لصالح الجهد الفردي والاصرار على الاستشهاد ولعل هذا الشكل من الصراع قد كان السبب الابرز والاهم لانسحاب الجيش الاسرائيلي من الجنوب اللبناني وبالتحديد بعد ان وصل القادة السياسيون والعسكريون الى حقيقة مفادها انه لا يمكن للجيش الاسرائيلي البقاء في هذه الارض الوعرة الملتهبة التي تنال من هيبة الجيش الاسرائيلي يوميا وتفت في عضده. لذلك لجأت اسرائيل الى انتهاج خطط جديدة بأهداف ومرام اخرى انطلاقا من انكسارها علها تعوض شيئا مما خسرته وتثأر من خلالها لخيبات الامل التي لحقت بقوتها العسكرية التي تعد حسب كل المعلومات القوة الاكبر في المنطقة. اما الاسباب المخفية والانتقال الى شكل آخر من اشكال الصراع والوقيعة بالطرف اللبناني على المستوى الداخلي فقد تمثل قبل الانسحاب بسيناريو ابقاء الجيوب اللحدية من اجل ديمومة الصراع اللبناني ـ اللبناني بدعم لوجستي من خلال قواتها المساندة لهذه الجيوب والتي تستظل بالوجود الدولي على الاراضي اللبنانية واظهار الاقتتال على انه اقتتال داخلي لا يوجد لاسرائيل فيه يد او إرادة حيث ستختلط بعض الاوراق على الساحة اللبنانية, ومن ثم يظهر للعالم الغربي وكأن الوجود الاسرائيلي ايا يكن هذا الوجود كان بمثابة صمام امان في الجنوب اللبناني. لكنها خسرت الرهان على هذا السيناريو فبدلا من ان تخلق حالة من الشقاق بين اللبنانيين انفسهم, خلقت حالة من التداعيات التي اودت بما كان يسمى بجيش لبنان الجنوبي الذي كان من المفترض ان يكون الطرف الذي سيؤجج الصراع على الساحة الجنوبية مع حزب الله وبعض القوى الوطنية المتواجدة في الجنوب. لكن هذاالامر لم يثنها عن سيناريوهاتها وهي لا تزال رغم الهزيمة تراهن على رسم سيناريوهات صراعية داخلية انطلاقا من البعد الطائفي الذي سيأخذ جملة من الاشكال والاتجاهات والمحاور وراهنت في ذلك وقبل كل شيء على الصراع الشيعي ـ الشيعي انطلاقا من قضية المحاصصة على مؤسسات الحكم وحجم التمثيل لهذه الطائفة في بعض المؤسسات خاصة وان اسرائيل تدرك جيدا ان الانتخابات النيابية باتت على الابواب ولا يفصلنا عنها سوى شهرين على الاغلب, وان حزب الله بعد ان قدم انتصارا غاليا للبنان والعرب في ظل ظروف استثنائية لا يمكنه ان يتنازل عن حقه في تمثيل اكثر من مليون شيعي بلبنان على كل المستويات بما في ذلك التمثيل في السلطتين التشريعية (مجلس النواب) والتنفيذية (مجلس الوزراء), والذي سيعيد حالة التنافس على التمثيل الى حالة الصراع التي ظهرت على اشدها في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات على ذات القاعدة التي فكرت بها اسرائيل. لعبة مكشوفة بالمقابل استحضار تاريخ جبل لبنان في العام 1983 والصراع الدامي الذي شهده واختلاق شكل من اشكال الصراع الاسلامي ـ المسيحي الذي لا يزال يجد له ادوات مهيأة للقيام بمثل هذا الدور من خلال امتداداته مع الخارج الذي يحاول جاهدا مد يد العون لمثل هذه الاتجاهات بل ويقدم لها كل اشكال الدعم والمساندة والتي عبر عنها على المستوى الداخلي في بعض الجامعات والفعاليات المسيحية من خلال ما يسمى بالتيار الوطني في الفترة القصيرة التي سبقت الانسحابات الاسرائيلية المذلة من الجنوب. كما ستحاول اسرائيل ومن خلال بعض عملائها ان تخلق حالة من الاشكاليات مع قوات الطوارىء في القيام بمهامها بهدف مساعدة الحكومة اللبنانية على فرض سيطرتها على اراضيها في الجنوب المحرر بغية اظهار اللبنانيين وبالتحديد حزب الله على انه حزب ارهابي خارج ليس على القانون اللبناني بل والقوانين والاعراف الدولية. وهذا الصراع بدوره سيضع قوات الطوارىء بين خيارين كلاهما مر اما الدخول في العملية الصراعية واما الاضطرار الى سحب قواتها من الجنوب وفي كلا الحالين ايضا ستخلق اسرائىل لها الذارائع والمبررات لمحاولة الانقضاض على الوضع اللبناني المهلهل من الداخل. وهذا الصراع سيؤمن لاسرائيل ما صبت اليه منذ ان تسلل الانكسار الى داخل كل مؤسساتها العسكرية والامنية والسياسية والذي اوصلها الى القناعة بالهزيمة من الجنوب اللبناني والذي يقول بكل وضوح ان خط يونيفيل ـ اندوف (وهما قوتا الطوارىء اللتان تقومان بحفظ الامن على الحدود اللبنانية ـ السورية) لا يتماشى مع خط الحدود الموجود في الخرائط التي اصدرتها الحكومة اللبنانية بما فيها تلك التي نشرت بعد عام 1966 وهو الخط الذي وافقت عليه الحكومة اللبنانية لمدة 22 عاما في اطار منطقة عمليات يونيفيل. ومن ثم تجد اسرائىل ضالتها في تحميل سوريا تبعات اية مشكلة قد تنشأ خاصة في ما يتعلق بمزارع شبعا التي تقع حاليا في منطقة عمليات (اندوف) بناء على اتفاق بين الحكومتين وهذا بدوره سيلغي المطالبة اللبنانية بالمناطق التي لم تنسحب منها بعد وهي مزارع شبعا, اراضي البطيشة (علما الشعب) ظهرة العديسة (مرجعيون) الاراضي المحيطة بمياه نبع الوزاني (حاصبيا) اراضي ومشاعات تابعة للناقورة, خراج بلدة شبعا كبركة النقار والسواقي وتل السدانة وجورة العليق ومشاعات قرى رامية ومر حين وعيترون والظهيرة (البقاع الاوسط وهي مشاعات وخراجات قضمتها اسرائيل على مراحل بين عامي 1967 ـ 1978). وهذا ما حصل فعلا حينما تزامنت خطوات الانسحاب الاسرائيلي مع معلومات كشفتها مصادر المنظمة الدولية في نيويورك عن ضغوط على الامانة العامة من اسرائيل عبر فريق موجود معها في نيويورك من اجل تعديل خط حدود 1923 بين لبنان واسرائيل بهدف الاحتفاظ بمناطق عسكرية في الناقورة (الحدود الغربية الجنوبية). مخاوف المستقبل اما الخلفيات التي هدفت اسرائيل الى خلقها فهي على ما يبدو كبيرة جدا وقد تمثلت في خفض سقف المطالب العربية على طاولة التفاوض انطلاقا من تغيير شروط اللعبة وضرب كل الاسس التي قامت عليها التسوية بين اسرائيل والعرب بداية من مدريد وانتهاء بكل مشاريع الاتفاقيات القابعة رهن التوقيع وهذاالامر لا يمكنه التحقق الا بإنجاز جملة من القضايا اهمها فك عرى الترابط بين المسارين السوري واللبناني والعمل على اثارة الضجيج حول الوجود السوري الشرعي بلبنان ومحاولة التلويح باستخدام آلة الحرب الاسرائىلية ضد لبنان وسوريا بعد ان تعهدت الولايات المتحدة بترميم آلتها الحربية المتثملة واعادة الاعتبار مرة اخرى لها في اطار الرؤية الاستراتيجية الامريكية للصراع العربي الصهيوني والدور المنوط بإسرائيل والذي لا يزال فاعلا بالنسبة لهذه الرؤية اقليميا. بموازاة ذلك محاولة تجريد حزب الله من سلاحه من خلال بعض الضغوط الدولية والزامه الانخراط في المؤسسة اللبنانية الرسمية ومنع تمدده الى المحيط الاقليمي بما يحمله من ظاهرة اصبحت تمتلك آليات وفعلا, خاصة نحو بعض القوى الفلسطينية وبالتحديد حركتي حماس والجهاد الاسلامي. لكن بالمقابل هل حقا بات كل ما تفكر او ترسم له اسرائيل خاضعا للتحقق؟ وهل القوى المقابلة جاهزة لكي تتلقى لعبة الخارج كما يحلو له؟ أم ان القوى العربية باتت بعد التجربة الكفاحية الكبيرة, تمتلك هي الاخرى كثيرا من خيوط اللعبة السياسية؟ تبقى كل الامور مفتوحة على الكثير من الاحتمالات ولا يمكننا الجزم بالمطلق ما الذي تخبئة الايام المقبلة, ان كان لجهة استمرار الصراع مع اسرائىل او لجهة نجاح سيناريوهاتها ولو بشكل جزئي طالما لا تزال حفنة هنا وهناك تتناغم مع مشاريعها وجاهزة للخضوع لمشيئتها والانخراط بمشاريعها. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق