حذر وفد الحركة الإسلامية العالمية, التي انهت لتوها محاولات الوساطة بين فرقاء النظام الحاكم في السودان, من ان الصراع على السلطة المتفاقم هناك قد يتطور الى (مجزرة بشرية و حرب اهلية داخلية لا تبقي ولا تذر) . وطالب الوفد, في خطوة تصب في صالح مجموعة الدكتور حسن الترابي, بإلغاء جميع القرارات التي اصدرها رئيس البلاد الفريق عمر حسن البشير منذ ديسمبر الماضي وما ترتب عليها بإنهاء حالة الطوارىء وإلغاء تعليق الدستور وإلغاء قرارات تجميد امناء الحزب الحاكم ورفع قرارات مصادرة الدور والأموال وابعاد المناوئين لجناح القصر من وظائفهم العامة. وحصلت (البيان) على نسخة من تقرير وتوصيات (الوفد الاسلامي العالمي لاصلاح ذات البين) الذي ضم كلا من الداعية الاسلامي الدكتور يوسف القرضاوي (رئيسا) والشيخ عبدالمجيد الزنداني (اليمن) والدكتور محمد عمر الزبير (السعودية) والشيخ فتحي يكن (لبنان) والدكتور عبداللطيف عربيات (الأردن) والدكتور اسحاق أحمد (الأردن). وحمل التقرير الصادر بتاريخ 26/5 توقيعات المذكورين عدا الشيخ فتحي يكن. وجاء في التقرير ان الوفد (قام بزيارة للأخوة في السودان في 22/5/2000 لعدة ايام, اجتمع فيها بعدد من اعضاء لجنة رأب الصدع, صاحبة مشروع (المعالجة الشاملة) وبجميع اطراف النزاع, عدة اجتماعات متتالية ومطولة, بالليل والنهار, كما التقى الوفد بالشيخ الدكتور حسن الترابي ونائبه وبعض اخوانه المسئولين, كما التقى الوفد كذلك بالنائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه, وبعدد من الوزراء والمسئولين, كما زاروا رئيس الجمهورية الفريق عمر البشير في القصر الجمهوري, واطلعوا من الجميع على الايجابيات الكثيرة والانجازات العديدة للمشروع الاسلامي في السودان, وكذلك اطلعوا على بعض السلبيات المتراكمة التي كانت سببا في بعض الخلافات, وصولا الى الأزمة الأخيرة, والتي كان من المفترض ان تعالج في حينها أولا بأول. واطلع الوفد على تداعيات الفتنة الأخيرة, وحاولوا ان يضعوا أيديهم على تشخيص خلفية الأزمة, وأسبابها, وتراكماتها, منذ بضع سنين, وقد هالتهم المخاطر وحجم المفاسد المترتبة على عدم حل الأزمة وعدم الوفاق) . ولخص التقرير تشخيص خلفيات الأزمة وأسبابها وتداعياتها في سبع نقاط هي: * عدم دراسة كيفية الانتقال من فقه الدعوة الى فقه الحزب السياسي الى فقه الدولة, وبالتالي وضوح دور الحركة بعد قيام الدولة, وبخاصة بعد وضع الدستور واستكمال مؤسسات الدولة, مما ادى الى التداخل والازدواجية وعدم تحديد الادوار والمهمات. * الخلاف حول البيعة ولمن تكون في المراحل المختلفة, وضرورة توضيح الموقف الشرعي لذلك. * عدم ملاحظة الأطر والشروط والضوابط الشرعية في التعامل مع منصب رئيس الدولة, مع كون هذه الدولة, انجازا من انجازات الحركة. * عدم وضوح الشكل المتطور لنظام الحكم والذي يتناسب مع البيئة السودانية الديمغرافية والجغرافية, كالخلاف القائم حول كيفية اختيار الولاة. * وقوع الاطراف في فخ (الفعل ورد الفعل) وتفاقم الاعتبارات الشخصية في النزاع, وتراكم المشكلات دون حل لبضع سنين, والجميع ملومون في ذلك. * مظنة غياب الاحتكام الى مبادىء الشريعة وقواعدها, أحيانا, من جعل الصراع أشبه بالصراعات السلطوية التي تنشأ عادة في الأحزاب السياسية. * عدم ملاحظة حجم المفاسد والأخطار التي يمكن ان تترتب على المشروع الاسلامي في السودان, والانعكاسات السلبية على العمل السياسي الاسلامي في سائر بلاد المسلمين, جراء هذا النزاع, وتفاقم الازمة, وعدم التمكن من حلها لا سمح الله. ورصد التقرير بعض المخاطر والمفاسد التي يمكن ان تقع من جراء ما يجري في السودان, محذرا من: * نزول سخط الله ومقته, وحلول عقوبته. * الفشل والهزيمة وذهاب الريح والأثر. * بوار الاعمال وضياع الجهود التي بذلت سدى. * شماتة الأعداء واستقواؤهم وفرحهم. * اسقاط المشروع الاسلامي وضربه وتصفيته واخلاء الساحة السودانية ربما لعدة عقود مقبلة من الوجود الاسلامي. * التسبب بخيبة امل مريرة, وكارثة حقيقية, للساحة الاسلامية في كل مكان, والتي كانت تنظر الى التجربة السودانية الاسلامية بعين الرجاء والامل, وتعتبرها رائدة في مجال الحكم والسياسة فإذا بها منقسمة على نفسها, فريسة للخلاف والصراع المحزن لوحدة شملها, شأنها شأن الاحزاب الدنيوية الاخرى. * اضعاف وكسر شوكة المسلمين عموما, وفي افريقيا بوجه خاص, وافساح المجال امام المشروعين الامريكي والصهيوني ليعيثا فسادا في بلاد المسلمين, ويتحكموا في رقاب ابنائهم. *اسقاط ادبيات المشروع الاسلامي السوداني وأفكاره, وفلسفته, وجميع ما كان يتمتع به من خصوصية كانت تميزه عن سائر المدارس الاسلامية الاخرى المعاصرة. * فتح الباب امام مجزرة بشرية وحرب اهلية داخلية لا تبقي ولا تذر, وفتنة عمياء تعصف بالجميع. * وقوف السودان في احضان اعدائه من جديد واقصاء الاسلام عن حياته التشريعية والسياسية. وخلص التقرير الى رصد ابرز السمات لمشروع الأزمة في النقاط التالية: * اخراج الازمة من دائرة الصراع الشخصي الى دائرة الاجتهاد الشرعي والمؤسسي. * المحافظة على وحدة المشروع الاسلامي, والحؤول دون انقسامه وتشققه, وبالتالي, لا سمح الله, سقوطه, فضلا عن المحافظة على جميع مؤسسيه, وقياداته, ورجالاته, والجميع أهل ثقة واحترام. * تفعيل مجلس الشورى للمؤتمر الوطني, وهيئاته القيادية, ومتابعة تنفيذ القرارات التي تضمن المصداقية, ووحدة الصف, والتزام الجميع بها. * التأكيد على روح الاخوة, وتنقية النفوس مما علق بها, وضمانا لذلك, ولعدم الوقوع في خلافات مشابهة في المستقبل, ضرورة تشكيل لجنة من اهل الحل والعقد, لوضع الضوابط والصيغ والآليات لضمان عدم الازدواجية بين دور الحركة الاسلامية, والحزب من جهة, والدولة ومؤسساتها من جهة اخرى, والخروج من حالة قوامة الفرد, الى حالة قوامة الحزب والمؤسساتية. وأوصى التقرير بخطوات فعلية تمثل بمعالم مشروع الحل, وتمثلت فيما يلي: * الوقف الفوري للتصعيد الكلامي والاعلامي من الجميع, وعدم تشويه المنجزات الضخمة للمشروع الاسلامي, وعدم تأجيج الصراع, والبدء الفوري في مرحلة تنقية النفوس, وتأليف القلوب, والعودة بالاخوة الواشجة الى سابق عهدها. * تحريم استعمال اي طرف للقوة, مهما اشتد الخلاف في الرأي, ورفض ادانة استخدام العنف من أي طرف كأداة لفرض الرأي. ان استخدام العنف والاقتتال بين الاخوة, معناه ببساطة نهاية المشروع الاسلامي في السودان, وضرورة تأكيد وضع الضمانات لذلك, بما في ذلك حرية التعبير الهادف. * عدم لجوء الحكومة الى طرد الموظفين من وظائفهم, أو اعتقالهم, أو اجراء تغيير جذري في الاجهزة بسبب الرأي المخالف, وعدم مصادرة الاموال والشركات التي تخص أي طرف, دون سند قانوني. * التأكيد على ما جاء في مشروع المعالجة الشاملة للجنة رأب الصدع, وتفعيل قرارات مجلس الشورى للحزب المتعلقة بهذا الموضوع, وبخاصة فيما يتعلق بعدم الجمع بين منصبين من المناصب التالية: رئيس المؤتمر الوطني, رئيس الجمهورية, رئيس المجلس الوطني وأمين عام المؤتمر الوطني. * تكوين لجنة لضمان المتابعة والتنفيذ لقرارات مجلس شورى المؤتمر الوطني, برئاسة رئيس مجلس الشورى وعدد من الاشخاص تختارهم الهيئة القيادية للشورى) . * رد الاختلافات التي تنشأ الى مرجعيات اساسية هي: أ ـ المرجعية الفكرية: الكتاب والسنة والعهود والمواثيق المتفق عليها. ب ـ المرجعية العملية: وهي المؤسسات الحزبية للمؤتمر الوطني من هيئة شورى, وهيئات قيادية, وفق النظام الاساسي. تأليف لجنة من أهل الحل والعقد لدراسة القضايا الاساسية, التي سببت الأزمات المتراكمة وبخاصة فيما يتعلق بالانتقال من مرحلة الدعوة الى مرحلة الحزب السياسي, الى مرحلة الدولة, والخروج باجتهادات ودراسات عالمية وموضوعية للخروج بحلول عملية ومبنية على تصورات فكرية تجمع بين الأصالة والمعاصرة, وتخضع للتطوير المستمر, لخدمة المشروع الاسلامي الكبير. الخرطوم ـ عثمان فضل الله