من يرجع الى ايام الانقاذ الاولى يلاحظ التأكيد على التنمية والازدهار الاقتصادي والرفاهية, والأهم من ذلك هو التبشير بالاعتماد على الذات ـ حسب الشعار الذي تحول سريعا الى طرفة: نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع. والذي تحول بعد شهور قليلة الى: نضحك مما نسمع! وأظنهم يقولون الآن نبكي مما يحدث. فقد تمت عملية افقار لا تخطئها العين, ويصعب على الانسان تصديق ان هذا الخراب الاقتصادي تم خلال هذه الفترة القياسية. ولكن هناك اختلاف عجيب حول الاداء الاقتصادي, اذ يصر النظام ومؤيدوه على ان تحولات هامة وعميقة قد انجزت خلال السنوات العشر الماضية وأبرزها استخراج النفط وتحسن الاتصالات ووفرة السلع وغياب الصفوف, كما ان هذا تم رغم توقف المساعدات الخارجية. أما المنظور المناقض فيشير الى الأزمة الاقتصادية المتمثلة في انتشار الفقر الذي طال الطبقة الوسطى والتي يرى البعض انه قد تم سحق هذه الطبقة الاجتماعية تماما من خلال التشريد والفصل بالاضافة لاحتكار تجار الجبهة السوق على حساب برجوازية نامية ـ وسطى وكبيرة بدأت في التشكل منذ عقود طويلة. كما ان الصناعة قد توقفت والمزارعون مهددون بالسجن وتخلت الدولة عن وظائفها الخدمية في التعليم والعلاج بالاضافة للضرائب والزكاة التي تثقل دخول الجميع. والهجرة من الريف الى الحضر والى الخارج من استطاع لذلك سبيلا. فالصورة تبدو قاتمة. لاحظت تدني الانتاج والتهرب من العمل, لذلك الحديث مثلا عن اضراب سياسي أو عصيان مدني لا معنى له لأن الاضراب قائم ولكن غير معلن. وتثير قضية الانتاج واخلاقية العمل كثيرا من القضايا التي قد تبعد عن الاقتصاد المباشر. فقد عجزت الانقاذ عن تعبئة الشعب ليتحول الى شعب منتج واعتقد ان هذا هو الجهاد الاكبر, كما ان الدولة القوية اقتصاديا يمكن ان تكون قوية عسكريا ودبلوماسيا. وقد حاول النميري في بداية عهده ان يقوم بتعبئة الجماهير من خلال العون الذاتي والتبرعات لمشروعات مثل محاربة العطش, ولكن الجهود الشعبية نهبتها الفئة الحاكمة. ولم تحاول الانقاذ ان تحشد الجماهير من اجل الانتاج والاقتصاد فقد ظنت ان الاولوية يجب ان تكون للحرب والتي أضحت تمثل نزيفا مزدوجا اذ تصرف الاموال الطائلة على القتال كما ان الحرب محرقة لموارد بشرية من الشباب والطلاب والمنتجين الذين كان يجب ان يكون مكانهم المصانع والمعامل وليست ساحة الحرب. ولم تنتصر الحكومة في الحرب وفي الوقت نفسه توقف الانتاج وخسرت الحكومة في الاتجاهين. من أسباب تدني الانتاج الشعور بعدم الانتماء فقد قامت الانقاذ بخطأ قاتل حين حولت جهاز الخدمة المدنية الى ميدان للصراع الحزبي. حين قامت بفصل المخالفين والمعارضين لها بأعداد كبيرة أفرغت الخدمة المدنية من كفاءات صرف عليها ملايين الجنيهات في التدريب والتأهيل. فضلت الجبهة أهل الولاء على أهل الكفاءة, مما تسبب في خلل واضح اثر على الانتاج. فقد أصبح الموظف أو المستخدم غير الجبهجي لا يشعر بالأمن والاطمئنان, فهو مهدد بسيف الصالح العام. فالجبهة نزعت حق المواطن في العمل وهذا من الحقوق الاساسية, فالمواطن له حقوق وواجبات لو حرم منها يشعر بالاغتراب الحقيقي. وهذه ظاهرة ملاحظة اوصلت الكثيرين من المواطنين الى حالة المرض النفسي او الى حافة الجنون. اذ تجد مواطنين في عمر العطاء والامل اجبروا على العطالة ولهم اسر كانوا يأملون في تقديم الكثير لها. هذه واحدة من جرائم الجبهة الخفية ضد الشعب السوداني اي اهدار موارده البشرية, ثم تحطيم الانسان نفسيا وروحيا. وهذا فاقد كبير لا يمكن قياسه أو احصاؤه, ولكن المتأمل للناس في السودان يجد قطاعات كبيرة من هؤلاء البشر الذين تم تحويلهم الى اشباح بسبب هذه الضغوط. ويتحدث البعض عن المناطق المهمشة وينسى ظاهرة الانسان المهمش الذي حُرم من القيام بأي دور سواء في العمل أو السياسة أو النشاط الاجتماعي أو اليومي. من مظاهر تدهور الاقتصاد البطالة بين الشباب, فقد صار أفق الحياة مسدودا أمام الخريجين وهذا ينعكس على التعليم كقيمة كان السودانيون يعطونها مكانة عالية في سلم قيمهم الاجتماعية. ومما يقلل من هذه القيمة ايضا صعود طبقة غنية ليست لديها قدرات فكرية أو ثقافية أو تعليمية تجعلها جديرة بالموقع الاجتماعي الذي تحتله. وظاهرة الغنى السريع والمريب تشكك الشباب في جدوى الاجتهاد والتعب. وانتشرت عقلية الفهلوة التي لم تكن معروفة في الماضي وهي تعني تحقيق أقصى النتائج والفوائد بأقل المجهودات أي أقصر الطرق لتحقيق النجاح دون أي اعتبارات اخلاقية أو اجتماعية متعارف عليها. ويمثل هذه العقلية في السياسة الانقلاب العسكري, وقد نجد صلة بين القيم التي ساعد نظام الجبهة على انتشارها وبين الطبقة التي وصلت الى السلطة رغم انها حزب اقلية, لقد انتجت الأزمة الاقتصادية شبابا يائسا ومحبطا, وهذا سبب الانحرافات والمشكلات الاجتماعية وعلى رأسها انتشار المخدرات وازدياد الدعارة وارتفاع معدلات الجريمة بين الشباب. ويواجه المشروع الحضاري الذي جاء ـ كما أسلفنا ليكمل مكارم الأخلاق ـ وضعا اخلاقيا مزريا. ورغم كل الشعارات الكبرى, فإن الواقع يكشف عن ظاهرة التدهور الأخلاقي الذي صاحب التدهور الاقتصادي, ومع انه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ولكن ليس بدون الخبز. فالمشروع الحضاري يحاول ان يقفز على ضرورات الاقتصاد ويظن ان تكثيف الوعظ والدعوة الى الفضيلة وترك الرزيلة يكفي, رغم الفقر والادقاع, ومعايشة التفاوت الطبقي والترف غير المنطقي. يتجلى التدهور الاقتصادي في تدهور الحياة العامة وانعدام أو قحط وسائل الترفيه وقضاء أوقات الفراغ والقدرة على الوصول الى الوسائل الثقافية من مسرح وسينما وقاعات عرض ومكتبات عامة. ففي الماضي كانت في الصحف خدمة اعلامية تقول: أين تذهب هذا المساء؟ الآن لا تستطيع الاجابة على هذا السؤال أو حتى ان تسأله. فالخرطوم منذ غروب الشمس مدينة أشباح مظلمة في حداد دائم على ماضيها المفقود. تحاول منظمات المجتمع المدني مثل المراكز الثقافية الجديدة ان تعديد الحياة الى العاصمة المثلثة ولكن امكانياتها محدودة وتكتفي غالبا بالمحاضرات والندوات. وتحاول هذه الأيام مجموعة من الفنانين اعادة سينما كوليزيوم الى الحياة. ولا أدري هل الأزمة الاقتصادية هي السبب الحقيقي لهذا الموات الفني والثقافي أم ان هذا الوضع تفرضه ايديولوجية المشروع الحضاري التي تحارب اللهو والانحلال حسب تصورها للفنون؟ الوضع الاقتصادي في السودان وصل دركا سحيقا بعد أكثر من عشر سنوات, لذلك أي نظام بديل في المستقبل سوف يواجه تحديا حقيقيا من مشكلة الفقر وتخلف الخدمات وتدني نوعية الحياة. وبالتأكيد يعتبر وضع الاقتصاد هو الفشل المؤكد الذي يدحض كل ادعاءات النظام في التنمية والتطور الاقتصادي.