الحديث عن التمويل لم ينقطع لحظة واحدة في شتى المجالات والقطاعات بالسودان لكنه ظل على الدوام طاغيا فيما يتعلق بالزراعة باعتبارها الاساس الذي ترتكز عليه عملية التنمية برمتها, اخيرا وعندما طفح الكيل في اوساط المزارعين وهددوا بالتوقف عن الزراعة، خاصة زراعة القطن لتكاليفه العالية وعزف كثير منهم عن الزراعة لضعف التمويل وقلة العائد مقارنة بالتكاليف لم تجد الدولة بدا من الالتزام بتمويل الزراعة بل وشراء المحاصيل تضامنا مع المنتج وتشجيعا له على الزراعة. في هذا الاطار انتظمت بقاعة الشارقة خلال الايام الماضية ندوة عن التمويل الزراعي ومشاكل المزارعين بولاية القضارف وجاء تحديد القضاريف باعتبارها صومعة غلال السودان. في ورقته عن قصور التمويل كمحدد اساسي للنهضة الزراعية اوضح د.سليمان سيد احمد انه لابد ان تكون هنالك سياسات تمويلية متكاملة للنشاط الزراعي منذ بداية العملية الزراعية حتى تسويق المحصول منتقدا في الوقت نفسه سياسات التحرير واثرها على التمويل ما دفع بالمزارع الى ترك الزراعة والهجرة للمدن وطالب باستثمار عائدات البترول في الزراعة مشيرا الى ان منظمة التجارة الدولية التي يسعى السودان للدخول فيها ابانت ان دولا نامية كالسودان يجب ان تدعم الزراعة لفترة لا تقل عن عشر سنوات ودعم الصادرات الزراعية. وذهب د.بدوي عثمان معقبا على الورقة الى ان البنوك تختار عادة ماهو مريح لها ومرهق للمزارعين وان التمويل الحالي قصير الاجل بهوامش خيالية وادى الى اضعاف البنية القومية للزراعة. لكن مدير الميزانية بوزارة المالية الشيخ الملك دافع عن الظروف التي طبقت فيها سياسة التحرير متمثلة في الحصار الاقتصادي والحرب الاهلية التي استنزفت الموارد قائلا ان البنوك عاجزة حاليا عن استرداد ديونها على المزراعين متسائلا: كيف يكون الحال اذا تم تمويلهم عجزيا, وجاء رده (لا شك ان النتائج ستكون وخيمة مضيفا ان التمويل الزراعي يجب ان يأتي من موارد خفيفة كعائدات البترول مثلا) . وقال بروفيسور محمد هاشم عوض استاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم في ورقته بعنوان (سلة غذاء الامة والعالم يتهددها الخواء) انهم في بداية السبعينيات قدموا توصية تدعو الى تطوير الزراعة بالمنطقة وزيادة مساحات مزارع الدولة من 200 الف الى 300 الف فدان يخصص انتاجها للمخزون الاستراتيجي ولكن للأسف اهملت الدراسة ونقصت المساحة الى 100 الف واشار الى تمويل منطقة القضارف بواسطة البنك الزراعي موضحا ان البنك كان يقوم بالاضافة للتمويل بمتابعة مراحل الانتاج ومتابعة الاسعار وعمليات التسويق واصفا النظام بأنه كان متميزا مشيرا الى ان افضل صيغة للتمويل هي صيغة المشاركة. والي القضارف بروفيسور الامين دفع الله من جهته دعا الى مقارنة بين ايجابيات وسلبيات كل انواع التمويل لتحديد نوعه وكيفيته ومصادره وحجمه, وشدد الوالي على اهمية بناء سياسة زراعية من شأنها زيادة الانتاج رأسيا وتحد من التوسع الافقي تفاديا لحدوث اعتداء على الغطاء الغابي والشجري. وقال والي القضارف ان قرارات الفريق البشير القاضية بالغاء هامش المرابحة وتوفير 25 مليار جنيه لتمويل القطاع المصري تؤكد اهتمام الدولة بدعم الزراعة معربا عن ثقته في حرص المزارعين على توظيف التمويل المصرفي في مكانه الصحيح. وكان مدير البنك الزراعي الكندي يوسف قد اوضح في مؤتمر صحفي ان التمويل للقطاع الزراعي تضاعف حجمه لاكثر من 250 مرة من عام 89 حتى عام 99 قائلا ان سياسات تمويل القطاع الآلي لتمويل الذرة والسمسم وزهرة الشمس سيتم اصدارها خلال هذا الاسبوع بحجم تمويل يقدر بـ 4.2 مليارات دينار اي بما يعادل 65% من حجم التمويل المخطط للمحاصيل الزراعية في مسافة تقدر بـ 1.3% مليون فدان في كل من القطاع الاوسط الجزيرة وجزء من القضارف وسنار والنيل الازرق والابيض وشمال اعالي النيل والقطاع الشرقي وكردفان ودار فور والقطاع الجنوبي التقليدي. وقال الكندي ان تحديد سعر السلم لمحاصيل الذرة, السمسم, زهرة الشمس سيتم تحديده خلال هذا الاسبوع في اطار السياسة المعلنة, مضيفا انه سيتم التركيز على وضع شروط وضوابط لتجعل من التمويل تمويلا مجديا وفق شروط محددة مع التركيز على الضمانات التي حددتها السياسات عند منح التمويل ليكون ضمانا عقاريا او بنكيا او ضمانا شخصيا او حيازيا. من جهة اخرى طالب اتحاد مزارعي السودان بتشكيل آلية لتحديد سعر السلم بمشاركة المزارعين واتحاد المصارف والبنك الزراعي وان تكون الآلية تمت برئاسة بنك السودان باعتبار ان تلك الآلية هي التي تستطيع تحديد التكلفة الحقيقية للمحاصيل ويرى الاتحاد الذي يرفض تحديد السعر بأي جهة خلاف تلك الآلية وان في ذلك ضمانا لعدم تعرض المزارعين للخسارة الفادحة.