تعيش القارة الافريقية منذ وقت طويل حالة من الصراعات الدامية المدمرة بسبب المشكلات التي خلفتها السنوات المديدة من كل انواع الاحتلالات بما فيها الشكل الاستيطاني المقيت الذي عمل على نهب خيراتها وترحيلها الى ما يسمى بالموطن الاصلي. اي ان هذه القارة المكلومة هذه الايام بسبب الحروب الدموية عاشت وما تزال عرضة لكل اشكال النهب الاستعماري المنظم والعبثي الذي افرغها من مؤونتها بحيث اصبحت اشبه ما تكون بالجثة الهامدة التي تجتر ابناءها من خلال جملة من الصراعات التي لا تحمل اية اهداف مضامين سامية بقدرما تدار باملاءات وشروط الخارج القوي المتحكم بكل آليات الحياة الداخلية لديمومة النهب المنظم سعيا لافقارها. وقد زاد من حدة الصراعات هذه الايام تلك التداعيات الدولية والاختلال بموازين القوى التي كانت قائمة قبل الانهيار الكبير الذي شهده العالم في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وترك العالم يئن من وطأة تحكم الرأس الواحد الذي يقود ناصية العالم ويتحكم بمصير الشعوب والدول والقارات انطلاقا من رؤيته واهدافه النابعة من مصالحة لا غير. ولعل افريقيا لسوء حظها العاثر تعتبر من بين قارات العالم الشريكة لآسيا في اهم الاستهدافات الغربية لماتمتلكه من خيرات وساحة صراع بين هذه الدول لان الانتصار فيهايحقق ثبات المركز ويمنحه القوة والقدرة على الاستمرار على المدى المنظور. ولهذا السبب ارتأت الولايات المتحدة المنتصر الوحيد في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين أنه لا بديل عن ترتيب الاوضاع الافريقية الداخلية على كل المستويات السياسية السلطوية والاقتصادية والاجتماعية بما يتوافق مع الرؤية المستقبلية للولايات المتحدة على مستوى القارة محليا ودوليا وعلى ما يبدو ان الولايات المتحدة جادة في تأجيج الصراعات الى ذروتها من خلال حروب القبائل وحروب الحدود وحروب الديمقراطية الشكلانية التي تقوم على عدم التوازن وحروب الحصول على لقمة الخبز التي باتت تهدد الشعوب الافريقية المتناحرة دون ان تسستثني احدا حتى المأجورين منهم الذين يقودون الحروب بالوكالة مقابل حفنة من الدولارات عبر الريموت كنترول. وليس غريبا اذا ما اعتبرنا من خلال الصورة المشوهة المتداعية داخل القارة ان هذه الحروب التي تزيد على 16 حربا افريقية مع الاخذ بعين الاعتبار التناحر الداخلي نتيجة الفقر وعدم التوازن المجتمعي اشعلت بإرادة خارجية بسبب جملة من الاهداف والمرامي الاستعمارية لهذه الدولة الاستعمارية او تلك. وقد اكدت هذه الحقيقة غير مرة كاتبة الدولة الامريكية المكلفة بالشئون الافريقية سوزان رايس وذلك في محاضرة لها في جامعة اكسفورد وما صرحت به وزيرة الخارجية الامريكية من ان افريقيا اصبحت تشكل اولوية من اولويات الدبلوماسية الامريكية وان واشنطن سترتكب خطأ فادحا اذا ماطلت او تأخرت في بناء شراكة قوية مع الدول الافريقية شريطة ان تدمج الدول الافريقية اقتصادياتها داخل حركة العولمة وان تطور انظمة الحكم السياسية فيها بإدخال جرعات من الديمقراطية دون ان تسقط من كلامها المثال اليوغسلافي ازاء الانهيارات الحاصلة داخل المجتمعات الافريقية. وقد بدأت هذه السياسة تأخذ آليات تحققها على الارض من خلال الازمات المفتعلة التي خلقتها الولايات المتحدة لحلفاء الامس واعداء اليوم الاوروبيين وفي مقدمتهم فرنسا التي كانت تستحوذ فيما مضى على حصة الاسد من ثروات هذه القارة التي لا تزال حتى هذه اللحظة حبلى بالخيرات الباطنية وقد اعترف الرئيس جاك شيراك بكل وضوح بأن الزمن الذي كانت فيه فرنسا تقوم بدور الشرطي في افريقيا قد ولى. وبطبيعة الحال هذا التصريح وغيره للقادة الفرنسيين ناتج عن حالة الانكسار امام الهجوم الامريكي الكاسح الذي يحاول السيطرة المطلقة على هذه القارة, وان اية دولة اوروبية تحاول العودة الى احلامها الافريقية ستلقى النتيجة ذاتها التي لقيتها فرنسا في ساحل العاج وغيرها, خاصة ان الاعلام والدبلوماسية الامريكية ما زالا يذكران بمذابح رواندا التي نشبت منذ وقت مبكر عام 1994 والتي تأكد هذه الايام بالملموس دور اسرائيل فيها وعلاقتها بقبائل الهوتو ومن خلال الدعم الامريكي الخفي واللامتناهي وتقاعس الامم المتحدة عن التدخل لمنع وقوع المذابح. وهذه المذابح كلها وضعت في ظهر فرنسا بحيث ظهرت على انها دولة استعمارية بغيضة, بنظر كل الشعوب الافريقية وغير الافريقية وفقدت رصيدها على مستوى العلاقات البينية في العالم. بموازاة ذلك تتصدر الولايات المتحدة موقع الحامي والمحافظ على حقوق الانسان والغيور على مستقبل الشعوب الفقيرة. ولا غرابة اذا ما اعتبرنا ان ما يجري في زيمبابوي حلقة من حلقات التآمر الامريكية على الوجود الاوروبي في القارة السمراء, وان الرئيس روبرت موجابي لا يمكنه ان يقف هذا الموقف الصلب وهو اعزل مكشوف الظهر وان يتخذ هذه الاجراءات التعسفية المفاجئة لولا انه يمتلك الضوء الاخضر من الولايات المتحدة بالذات لان الحليف السابق (روسيا) اصبح خارج ليس الحسابات الافريقية بل والدولية ومن هذا المنطق يتضح لنا انكشاف موقف الولايات المتحدة الامريكية التي لا تزال مصرة على كنس اوروبا بما في ذلك حليفتها بريطانيا من هذه القارة كما فعلت مع فرنسا قبل ذلك عندما كنستها هي الاخرى من كل مناطق نفوذها والتي كان آخرها ساحل العاج كما اسلفنا القول. ولهذا الامر بالذات فإن هذه البقعة ومحيطها ستعيش في الايام القليلة المقبلة صراعات حادة قد تؤدي بحياة الكثير من المستوطنين البيض والسكان الاصليين على حد سواء, بسبب الصراعات الدامية التي ستشهدها المنطقة, حتى ولو توصلت الانظمة ونقيضها الى حالة من التصالح فيما بينها بسبب الاصابع الامريكية التي تعمل لتأجيج الصراع. وهنا قد يتساءل البعض طالما ان الولايات المتحدة الامريكية تمتلك هذه القدرة الخارقة ما الداعي لمثل هذه الحروب الدامية المدمرة التي تزهق آلاف الارواح البريئة؟ للإجابة عن مثل هذه الاسئلة وغيرها لابد من النظر الى المفهوم والقناعة الامريكية التي تنطلق من قاعدة اساسية مؤداها ضرورة قيام حرب شاملة تدمر كل الهياكل والاشكال السياسية والاجتماعية والاقتصادية القديمة حتى يتسنى للدولة القائدة ترتيب القارة بما يتوافق ورؤيتها, خاصة ونحن نعلم ان اساس السياسة الامريكية قائم على قاعدة الفك والتركيب. اي ان حروب القارة المصطنعة هي بهذا المعنى عملية تفكيكية تفتح المجال الرحب امام التدخل العسكري الامريكي الحامل معه للشعارات الانسانية وحقوق الانسان والسلم الاهلي والاقليمي القاري للاجهاز على القارة بعد ان اضعفت كل الاطراف الداخلية من خلال الحروب الدائرة رحاها هذه الايام في كل بقعة من افريقيا, ويصبح التدخل الخارجي مطلبا عاما وينظر له من بعض الادوات المحلية على انه رحمة لهذه القارة التي عجزت عن ايجاد صيغ توافقية فيما بين ابنائها على مستوى الدولة الوطنية وعلى مستوى العلاقات في ما بين دولها المتجاورة والمتصارعة هي الاخرى ايضا ومن ثم تقوم بعد ذلك بعملية تركيبية لمؤسسات الدول الافريقية بمساومات وحصص وفتات لهذا الطرف او ذاك على المستوى المحلي. واذا ما تعذر الامر عليها فلا غرابة اذا ما شهدنا تغيرا في الجغرافيا الداخلية للكثير من الدول الافريقية بعد التدخل الامريكي بحيث تفرخ الدولة ثلاث دول او اكثر حسب عدد الاطراف الداخلية المتصارعة وميزان القوى الداخلي الذي يحكم هذا الصراع او ذاك في هذه الدولة او تلك. ولا غرابة ايضا اذا ما قلنا ان الولايات المتحدة لا تزال تنتهج ذات الاساليب التي كان الاوروبيون ينتهجونها في تأجيج الصراعات بين القبائل ويفجرون النزاعات العرقية والطائفية والاثنية في بلاد تحكمها الامية والفقر والجهل, ليتسنى لهم ديمومة السيطرة عليها الى ابعد مدى ممكن بعد ذلك تكون الولايات المتحدة قد اصبحت وبشكل مطلق قادرة على التحكم الكلي بشروط اللعبة على المستويين الدولي والقاري اي انها تعيد ترتيب تحالفاتها من خلال سيناريوهات تلجم من خلالها اوروبا التي تسعى بين الغينة والاخرى لاطلاق العنان لشعارات الوحدة والمركز الشريك على المستوى العالمي وتديم من خلال ذلك الانقسام الاوروبي الداخلي لسهولة الحاقه في مشاريعها الكونية. ولعل هذه السياسة تجد ارضية خصبة في داخل بريطانيا التي تؤمن بتطوير التحالف الانجلوسكسوني وبقائه بل وتطوره على المستوى الاوروبي ـ الامريكي من جهة والعالمي من جهة اخرى وتضيق الخيارات امام التحالف الفرنسي ـ الألماني الذي يسعى جاهدا الى الانعتاق من الشروط المذلة التي تفرضها الولايات المتحدة على شركاتها المافوق قومية وانزال مستواها من مكانة الشريك الى الاجير الذي يقدم الخدمات مع عدم حق الاعتراض او الاشتراك في اتخاذ اي قرار بالمقابل تكون قد امنت لنفسها تحالفات محلية وقارية على مستوى القارتين المتجاورتين آسيا وافريقيا وبما يؤمن لاسرائيل المكانة الدولية في التمدد ليس الى القرن الافريقي هذه المرة بل الى صياغة تحالفات اكبر واشمل, مهمتها الاساسية الحفاظ على المصالح الامريكية في كلتا القارتين. ولعل الحرب الدائرة هذه الايام بين الدولتين الجارتين اثيوبيا واريتريا قد اوضحت بشكل او بآخر مدى التدخل الاسرائىلي الذي يؤسس لهذا الدور حيث انها انتقلت من مورد للسلاح الى راسم للسياسة في كلا البلدين, وبما يقوض الدور العربي والاسلامي والمتمثل بمصر وجوارها الافريقي العربي الاسلامي, خاصة اذا ما اثيرت قضية جنوب السودان وخضع الطرف العربي للرؤية الامريكية وللمنطق الامريكي في عملية الفك والتركيب والانخراط في عملية المصالح والمحاصصة الكاذبة التي لن تؤدي بنهاية المطاف الا الى مزيد من التفتت والتبعثر الذي سيكون مقدمة لتدمير بناها الداخلية. بعدها تصبح الجغرافيا العربية كما افريقيا بحاجة ماسة الى ملء الفراغ. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق