وتقدم الحرب الأهلية الدائرة في سيراليون منذ بداية التسعينيات, حالة من الحالات التي تبدو مستعصية ضمن خريطة هذه النزاعات والحروب . حالة سيزيفية لاتكف عن التلويح بالمصير الصومالي, فما تكاد البلاد تلتقط أنفاس استقرارها حتى تفلت من الأيدي كل الخيوط وكأن في الأمور لعنة ميتافيزيقية مجهولة العواقب والأبعاد . مدينة الرجال الأحرار سيراليون مجتمع افريقي تأثر تاريخيا بتجارة الرقيق والغاء هذه التجارة أكثر من غيره من البلاد الافريقية بحكم ساحليته وضعف كثافته السكانية حيث كان يسهل اصطياد رجاله وخطفهم الى العالم الجديد (أمريكا) . ومع بداية تحرر العبيد, كانت فريتاون العاصمة والتي تعني المدينة الحرة أو مدينة الرجال الأحرار, محطة وصول الرقيق المحررين, الذين استقر بهم المقام في تجمعات سكانية على طول الشاطئ حيث كان من الصعوبة بمكان التعرف على قراهم الأصلية التي انتزعوا منها . ولقد شكلت تجمعات هؤلاء الأفرو - أمريكان أكثر أقسام البلدان الافريقية الغربية حداثة وتقدما, وكان انشاء جامعة ( فوراه باي كولوج ) في 1827 باعتبار مالها من عراقة في الغرب الافريقي, رمزا لهذه الحالة الاجتماعية التي كان من الممكن أن تكون ايجابية وواعدة من خلال اضفاء حداثيتها على التطور الاجتماعي في هذه البلاد التي كانت هادئة . إلا أن طرائق التنمية إبان الاستعمار وبعده والتي تعتبر مسئولة الآن بصورة واضحة عن سوء الأحوال في القارة برمتها, أهدرت هذا المعطى الايجابي وغدرت بما كان يتضمنه ويعد به . فلقد اعتمدت سيراليون كبلد ساحلي هادئ ومضياف على السياحة كنشاط اقتصادي رئيسي واعتمدت أكثر على تجارة الماس والتيتانيوم, الأمر الذي ساهم في بلورة طبعة كومبرادورية سافرة وتشويه للبنية الاقتصادية والاجتماعية, بما وفرته من عوائد سخية استدعت طمأنينة زائفة, حصادها الآن اقتصاد شديد التهتك ( سيراليون ضمن البلدان الـ 36 الأكثر فقرا) وتناقضات اجتماعية بين عاصمة (فريتاون) وأقاليمها مستعصية على العلاج وكذا بين حاضرات اقليمية ضامرة وريف شديد البؤس ومفقر الى أبعد الحدود . والنتيجة تصدر سيراليون خصوصا مع آثار الحرب الأهلية الممتدة لأكثر من عقد للمشهد الاقتصادي الافريقي الموسوم بأزمة المديونية ومحدودية الموارد وتدهور معدلات النمو واستيراد الغذاء وضعف الصناعة التحويلية وتشوه البنية الاقتصادية وبالتالي تعقد الأزمة السياسية التي تطرح نفسها بصورة حادة منذ بداية التسعينيات التي شهدت قتل أكثر من 20 ألف وشردت قرابة المليون نسمة . الأزمة السياسية لم تتفجر بغتة ولا هبطت من سماء صافية, فسيراليون لم تعرف الاستقرار السياسي إلا فيما ندر على مدار أربعة عقود, فمنذ الستينيات وزمام أمورها السياسية في أيدي العسكريين الذين تناوبوا عبر الانقلاب على فريتاون بدءا من الجنرال لانسانا 1967 الى انقلاب الجنرال بايجورا 1971 ثم انقلاب 1988 وحتى آخر الانقلابات في 29 ابريل 92 , والذي فرضت عليه المستويات الحادة للاحتقانات الاجتماعية الوعد بنقل السلطة للمدنيين في عام ,1996 وهو الوعد الذي نجحت هذه الضغوط المدنية فعلا في انتزاعه من براثن العسكريين بعد انتخابات حرة تمكن خلالها الرئيس الحاليـ أحمد تيجان كباح من الفوز وتولي السلطة في سيراليون في مايو 97 . والضغوط الاجتماعية للأزمة لم تكن متجهة برمتها لانتزاع الد يمقراطية وبلورة أشكال من مجتمع مدني وجماعات وأحزاب سياسية سلمية, فكما تشير صيرورة التسعينيات فإن الأقسام الأكثر تضررا في ريف سيراليون كانت لها وجهة أخرى مختلفة عن وجهة فريتاون العاصمة وبعض الحاضرات السيراليونية, ويمكن القول أنها لم تكن فقط مختلفة الوجهة بل متقاطعة مع وجهة المدنيين (الديمقراطية) وهذا التقاطع على وجه الحصر هو ما يشكل في تقديرنا سر الأزمة الراهنة في تطور هذه البلاد . فعلى صعيد ريف سيراليون شديد الفقر, ما كان من الممكن الثقة في وعود العسكرين ولا القدرة على انتظار وعودهم التي كانت تبدو في 92 لونا من ألوان المماطلة, وتجسدت هذه التوجهات الحادة قبيل انقلاب 92 في تشكيل الجبهة الثورية الموحدة (فوداي سانكوح) التي ارتكزت على السيطرة على مناطق الماس في جنوب البلاد واعتمدت على دعم الجبهة الوطنية الليبيرية NPEL والتي تحكم في لييبريا بقيادة الرئيس تشارلز تايلو منذ 1990 . فلقد وفرت عوائد الماس السخية امكانية لتوفير السلاح ووجبة اللحم لأكثر من 45 ألف مقاتل من شباب الريف المدقع المفتقر للحد الأدنى من ضرورات الحياة والمفتقد للحد الأدنى من الأمان والذي كان يدرك منذ أول طلقة أن المواجهة تتم مع عسكريين قساة, لايعو زهم الجشع وتدفع بهم طموحات مجنونة (ماسية) الطابع للسير بالصراع حتى نهاياته, ولقد بلورت هذه الحالة السياسية - الاجتماعية في المقابل قادة مغامرين شديدي البأس ومتواضعي الثقافة عرفوا مع أتباعهم كيف تتبلور الطموحات ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في التواصل الكافي والضروري مع النخب المتعلمة والمتمدنة في العاصمة والحواضر . واختصارا فإن نمط التنمية شديد التشوه والذي خدرته عوائد الماس والسياحة في سيراليون هو الذي يقف الآن بلا منازع على رأس هذه المفرزة الصعبة المراس المتواصلة مع ريفها والمحاطة بسكان بائسين والتي عرفت طريقها للمناوشة الجادة من أجل السلطة حيث نجحت مرتين في غضون عامين (97 , 98) في السيطرة على العاصمة . ديمقراطية كباح ساور السيراليونيون الأمل في الاستقرار بعد انتخاب الرئيس تيجان كباح في 97 , ولكن الجبهة الثورية الموحدة بددت هذه الآمال في غضون أشهر قليلة, إذ نجح المتمردون بقيادة سانكوح في السيطرة على العاصمة فريتاون ولكن تدخل قوات حفظ السلام لغرب افريقيا (يكوماج) التي تقودها نيجيريا طردت المتمردين من العاصمة وأعادت الرئيس المنتخب ( كباح) الى الحكم في فبراير 98 . وعلى الرغم من عودة الحكومة الشرعية إلا أن الأحداث كشفت بوضوح أن القوات الحكومية لاتبسط سلطتها الكاملة على مختلف أنحاء سيراليون, كما وفرت للجبهة الثورية دعما سياسيا أمام شعبها (ضد النيجيريين الذين استعمرونا) , وفي سياق استمرار الاضطرابات التي نجحت خلالها الحكومة الشرعية في اعتقال سانكوح بعد عدة شهور شهدت سيراليون من جديد تهديد سيطرة الجبهة الثورية على العاصمة, بقيادة بوكاري (الرجل الثاني في الجبهة آنذاك) في يناير 98 وقتل عدد كبير من القوات النيجيرية التي سرعان ما نجحت أيضا في إبعاد المتمردين عن العاصمة, ولكن مع اتضاح صعوبة استمرار مسلسل الرعب خصوصا مع تطورات جديدة على الساحة النيجيرية دعت الرئيس النيجيري المنتخب أوبا سانجو الى اعلان أن بلاده ستسحب قواتها العاملة ضمن(ايكوماج) لأن نيجيريا لايمكنها الاستمرار في تحمل عبء الأزمة بمفردها . وسرعان ما تدخلت ساحل العاج وتوغو وغينيا لتطرح التفاوض من أجل مبادرة سلام يجري فيها الاعتراف بالجبهة الثورية المتحدة . وخرجت من خلال هذا المسعى الاتفاقية المشهورة (لومي) في يوليو 99 برعاية دول افريقيا الغربية والأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية بعد توقف للنار دام أكثر من شهرين . وكان جوهر اتفاقية (لومي) هو استحالة القضاء عسكريا على الجبهة الثورية ويجب التعامل معها من خلال دعوة زعمائها الى فريتاون لتسلم مناصب وزارية (4 حقائب) والمشاركة في حكم البلاد مع نزع أسلحة جميع قوات الميلشيا وصرفها من الخدمة العسكرية تماما وتأمين عودتها للحياة المدنية مع الوعد باجراء انتخابات قريبة تشارك فيها الجبهة الثورية الموحدة كحزب سياسي, وكان باديا أن القائمين على اتفاقية لومي يحلمون بنهاية على الطريقة الليبيرية للحرب الأهلية في سيراليون . ولكن الفارق البسيط هو ان الجبهة الوطنية الليبيرية التي فازت في الانتخابات ونجح رئيسها تايلو في انتخابات الرئاسة هي أقوى الأطراف العسكرية من الناحية الفعلية, والتي أتاحت لها الانتخابات فرصة السيطرة التامة التي كانت مستعصية في ميادين القتال . أما في سيراليون فإن الاتفاقية ( لومي) تعبر عن نوع من توازن الضعف الواضح فلا الجبهة الثورية الموحدة قادرة على الاحتفاظ بسيطرتها على العاصمة (في ظل وجود الايكوموج) ولا السلطة الشرعية قادرة على حماية عاصمتها تماما من السيطرة المباغتة من جانب متمردي الجبهة الثورية . ومن ناحية أخرى فإن النخبة المدنية عاجزة عن الغفران واستيعاب جراح الحرب الأهلية وميليشيات الجبهة غير قادرة على تسليم أسلحتها والتخلي عن مناجم الماس لسلطة لم ينتخبوها رغم الحقائب الوزارية. ويبدو أن لكلا الطرفين شروطه المتعلقة بالتفاصيل, وكلاهما يشعر بأهمية الاستفادة من هدنة الاتفاقية في تعزيز نفوذه وتجاوز وضع توازن الضعف. نجحت سلطة كباح في ابعاد فصيل الرئيس السابق عن سانكوح وكسب كوروما الى صفها ويبدو أنها تحاول نزع السلاح تحت ضغط مطالبة الأمم المتحدة بالمحاكمة على جرائم الحرب وتحت ضغط نزق ونفور النخبة المدنية التي اكتوت بنيران ميليشيات الجبهة من اتفاق يعطي مروعيها السابقين 4 حقائب وزارية . ورغم أن الجبهة لايبدو أنها تفرط في السلاح بسهولة إلا أنها مازالت تواصل موافقتها على الاتفاقية حتى بعد اعتقال سنكوح . والظاهر أن العناصر التي طرأت على المعادلة تدفع للتشدد, ضد الأمم المتحدة التي تطالب بالمحاكمة وضد قوات الطوارئ الدولية التي يجري زيادتها وضد القوات البريطانية تحديدا التي تطمح للحلول محل القوات النيجيرية مع تصاعد الاسترابة في اعداء الأمس الذي مازالوا يفكرون بمنطق الحرب ويبذلون جهودهم من أجل استقطاب كوروما . ويبدو أن اختطاف 500 من رجال قوات الطوارئ الدولية وقبلها محاصرة كتيبة كينية أفلتت بأعجوبة في أحدى المدن الاقليمية عنوانا لتوجهات الجبهة الثورية التي تحاول شل فاعلية العناصر الطارئة على موازنة: توازن الضعف مع الاعلان عن الموافقة على اتفاقية لومي. واذا نجحت القوات الدولية والأمم المتحدة والسلطة السيراليونية الآن في الافراج عن بقية المختطفين عبر مساومة تتضمن الافراج عن سانكوح فإنها لن تكون قد حققت شيئا هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن زيادة القوات عبر قرار مجلس الأمن الأخير الى 000.13 لن تشكل معطى ذا قيمة في تغير الوضع, فالقوات النيجيرية كانت كافية للاحتفاظ بالعاصمة ولكن ماذا عن ريف سيراليون؟ وبالأحرى ماذا عن ازدواج السلطة الفعلي؟ هل تستطيع الأمم المتحدة خوض حرب ضد مقاتلي العصابات في بلاد غير مطروقة وعبر جنسيات شتى حتى مع الحراسة البحرية الأمريكية في الأطلنطى والمظليين الانجليز؟ لانعتقد أن هناك امكانية لذلك على الاطلاق وأقصى ما يمكن أن تجلبه الممارسات الراهنة هو تفاقم مشاعر بغضاء الحرب الأهلية لدى الأطراف السيراليونية واحتقان الأوضاع أكثر فأكثر حتى مع توفر ضغط أمريكي كاف كشكل الدعم الليبري للجبهة الثورية المتحدة . ويمكننا بسرعة الاشارة الى عدة نقاط بصورة مكثفة ايضاحا للصورة : أولا: ان اعتقال سانكوح له تأثير محدود على اضعاف الجبهة الثورية الموحدة التي نجحت في السيطرة على العاصمة في يناير 99 في ظل اعتقال سانكوح . ثانيا:إن انحياز كوروما (لرئيس السابق) الى سلطة كباح لن يكون له من تأثير أكثر من أنه يفتح الباب أمام احتواء الجبهة لأقسام أساسية من ميلشياته من الجنود الفقراء. ثالثا: أن ضرورة الأحداث على هذا النحو الذي لعبت فيه المطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب .. ستدفع كل مقاتل (مجرم حرب) للقتال حتى النفس الأخير . رابعا: وهي النقطة الأكثر جوهرية أن قراءة الموقعين على اتفاقية لومي والتي اعتمدت على استحالة تصفية الجبهة الثورية الموحدة هي القراءة الأكثر اقترابا من الواقع كما تؤكد الشواهد العديدة خصوصا مع استمرار سيطرة الجبهة على مواقع الماس ومع استمرار العلاقة القوية بالحكومة الليبيرية . وخلاصة القول ان بلدان (الايكوباج) وبريطانيا والبلدان المشاركة في القوات الدولية تندفع الآن لمغامرة غير محسوبة تتضمن الاستعداد للتفريط في حياة ألوف الأفراد من جنود الأمم المتحدة وتستهدف الدفع بالأمور الى نهاياتها القصوى والتفريط في اتفاقية لومي والعودة لمنطق الحرب المسألة التي لانعتقد أنها ستفعل شيئا أكثر من فتح أوسع الأبواب أمام مصير صومالي للأزمة السيراليونية التي كانت على وشك الحل. بقلم: عدلي الهواري