لاتوجد بقعة في العالم تغلي بالصراعات والتوترات ويتساقط منها ملايين الضحايا مثل القارة الافريقية, التي سجلت تاريخا دموياً بداية على ايدي المستعمر الغربي الذي استنزفها واستعبد ابناءها. ومروراً بمراحل الاستقلال التي تساقط خلالها ايضاً ملايين الضحايا, وصولاً إلى الانقلابات العسكرية والحركات الانفصالية التي تقسم الوطن الواحد يميناً ويساراً. وما بين رحيل الاستعمار ومرحلة الصراعات الحديثة توجد دلائل قوية على ان اصابع المستعمر الغربي لم تنسحب تماماً من القارة الافريقية, بل ان دورها يتفاعل من وراء الستار مع رغبات بعض الافارقة في الوصول للسلطة مما يزكي الصراعات ويزيد من اشتعالها, اما رغبة في استنزاف الثروات الطبيعية بهذه القارة وفي مقدمتها الماس والذهب, واما لاستمرار اسواق الأسلحة مفتوحة امامها حتى في الوقت الذي تحظر فيه المنظمات والقرارات الدولية تصدير الأسلحة إلى هذه المناطق وفي كل هذا تقف الامم المتحدة وغيرها من المنظمات الافريقية المعنية عاجزة ولا تتمكن من اطفاء النيران طالما وجد دائما فتيل اشتعال خفي. ولو حاولنا رصداً سريعاً لبعض الصراعات الافريقية لوجدنا حرب السود والبيض المزارعين في زيمباوي بسبب عدم عدالة التوزيع في الاراضي الزراعية, حرب اثيوبيا واريتريا على الحدود, الحرب الاهلية في كينيا, التوتر في مالاوي بسبب الخلافات العرقية, الحرب الاهلية في بروندي, حرب الفصائل في الكونغو ورواندا التي ترفض التوقيع على اتفاقية سلام ونزع الاسلحة, الصراع القائم في كل من السودان والصومال, وغيرها من صراعات في طور الانفجار. حول افريقيا, الحاضر والمستقبل, ودور المنظمات الدولية والاقليمية في اطفاء الصراعات, حاور (الملف) ماك فان دي فينتر الخبير العسكري والمستشار السابق لحلف شمال الأطلسي في هذا اللقاء: تعثر الوساطات * هل يمكن ان تنجح جهود دولية لاطفاء النيران المشتعلة داخل القارة؟ ـ لقد بذلت في العديد من الصراعات وساطات دولية على غرار ما يجرى الآن مثلا في اثيوبيا واريتريا, بجانب جهود من منظمة الوحدة الافريقية, ولكن في الغالب باءت جهود الوساطة والتدخلات الخارجية بالفشل, اما لضعف آليات الوساطة او لافتقارها لعناصر الضغط. ويجب ان اؤكد هنا ان ممارسة ضغوط دولية وعقوبات على غرار العقوبات الاقتصادية او الحصار من المنظمات الدولية أو التكتلات, قد يكون في كثير من الحالات امراً ضروريا لاجبار الاطراف المتصارعة على التوقف ولو لفترة لاعادة النظر في المصير الذي يمكن ان يصل اليه كل منهما في حال استمرار هذا الصراع والحرب. فقد اثبتت كل التجارب التاريخية في صراعات دول الجوار ان نتائج الحروب تعود بالضرر على كل الاطراف سواء المنتصر أو المهزوم, وتؤثر هذه النتائج سلباً على الشعب والاقتصاد وحتى على القيم الاجتماعية, كما لا يمكن ان يضمن الطرفان حسن جوار بعد ان تضع اي حرب بينهما اوزارها, فسوف تستمر رغبة الاخذ بالثأر دائمة, وبهذا نجد ان الحرب انما هي بداية لسلسلة من الحروب او الصراعات المتتالية. لذلك فالحلول السياسية والدبلوماسية هي الأنفع والافضل في جميع الاحوال, خاصة اذا ما تمت تسوية للخلاف بحل وسط يمثل نوعاً من الرضى او التوافق لجميع الاطراف, وقد يبدو هذا رأياً غريباً من موقعي العسكري ولكن من واقع التجارب والمآسي التي لمستها في البلدان التي دخلت حروباً هنا أو هناك, وجدت ان الشعوب هي التي تدفع دائماً الثمن في الحاضر والمستقبل. ويجب ان اؤكد هنا على ان اي ضغوط أو عقوبات خارجية أو حتى جهود وساطة لن تؤتي اؤكلها اذا اذا تحركت ارادة الايدي السمر لتمتد لبعضها بعضا بالسلام ورغبة التفاهم وحسن الجوار. الايدي الخفية * إلى اي مدى تلعب الايدي الغربية دوراً في اذكاء الصراعات بافريقيا؟ ـ تعبير الايدي الغربية فضفاض للغاية, وسؤالك يفرض جزءا من الاجابة, لكني ارى من الموضوعية ذكرانه ليس الغرب كله يقوم باشعال الصراعات او دعمها. ربما تكون هناك مخالفات من وقت لآخر, وادرك انك تشير إلى ما ورد في تقرير هولندي بعدم التزام عدد من الدول الاوروبية بقرارات مجلس الامن أو القرارات الأوروبية الداخلية بحظر تصدير السلاح لمناطق الصراع في العالم ومنها افريقيا, ولا يمكنني كاوروبي ان ابرر هذه المخالفات أو حتى التمس لها العذر, في ذات الوقت لا انكر ان المصالح الاقتصادية تكون في حالات كثيرة هي الدافع وراء هذه المخالفات. والآن عندما تكشفت هذه المخالفات مثل تورط وزير خارجية بريطانيا مع عسكريين سابقين لديهم مؤسسات اقتصادية في تجارة الأسلحة في بيع أسلحة لسيراليون, وفضيحة الدبابات التي ظهرت في ايطاليا وبيعها لافريقيا, وكذلك فضيحة الدبابات في بلجيكا والتي كانت في طريقها لاريتريا, يجب على الاتحاد الأوروبي ان يتخذ اجراءات حاسمة ضد هذه الدول المخالفة, ولا يمكنني بالطبع ان احدد نوعية هذه الإجراءات, ولكن يجب ان تكون في صورة عقوبات من نوع ما اقتصادي أو سياسي لعدم تكرار مثل هذه المخالفات التي تسيء للاتحاد الأوروبي بصفة عامة. ويهمني ان اؤكد انه ليس بعض الدول الأوروبية فقط هي المتورطة في مد الاطراف المتصارعة في افريقيا بالسلاح, بل هناك تجار السلاح في جنوب افريقيا, الذين قاموا بتسليح كل اطراف الصراع ابان حرب الكونغو وهربوا الأسلحة عبر اوغندا ورواندا, وقد كشفت هذا مؤخرا منظمة (واتش) لحقوق الإنسان عندما اتهمت جنوب افريقيا بالمسئولية عن اذكاء الصراعات, كما ان هناك فصائل افريقية تملك كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة, ولديهم استعداد لدخول أي نوع من الحرب دون هدف سياسي بل مقابل الكسب المالي, ويتم تهريب الأسلحة لجنوب افريقيا ولانجولا, واونيتا. * يتضح من المخالفات الأوروبية ان كل ما يهمها من افريقيا ان تستمر سوقاً للأسلحة, فما هو تصوركم حول هذه النقطة؟ ـ اخالفك الرأي في ذلك, لو تصورت اوروبا ان افريقيا مجرد سوق للأسلحة لأخطأت في هذا خطئاً تاريخيا سيحسب ضدها وعليها, اذ لا يمكن ان نغفل مدى ما تمثله افريقيا من أهمية وان الوعي الاقتصادي الأوروبي يتوجه نحو اقامة مشروعات أوروبية افريقية مشتركة ايمانا بان عملية التنمية الاقتصادية تمثل احد الحلول لانهاء الصراعات, وفي ذات الوقت تفيد في التبادل التجاري, وان كانت هناك رؤى سياسية متطرفة سواء في الجانب الأوروبي أو الافريقي فسوف يكون مصيرها النهاية. ويجدر ان اشير هنا إلى ان القارة الافريقية الان اقرب لأوروبا من اي وقت مضى, لذلك تسعى اوروبا إلى اسقاط نسبة كبيرة من الديون عن افريقيا, وإلى تقديم العون والمساعدة, فتفاقم الاوضاع الاقتصادية في افريقيا سيؤثر سلبا على اوروبا ان لم تبادر باتخاذ خطوات فعالة نحو 630 مليون مواطن في وسط وجنوب افريقيا, على اعتبار انهم أهم شريك مستقبلي لأوروبا. الدور العربي * ما هو تأثير النزاعات الافريقية على الأمن القومي العربي عامة والدول العربية الافريقية خاصة؟ ـ تفتقر معظم البلاد الافريقية لجيش نظامي موحد ينتمي لحكومة قوية, بل توجد فصائل عسكرية وميليشيات منقسمة على نفسها داخليا, في الوقت الذي تحارب فيه الحكومات, كما لا توجد قوات دفاعية استراتيجية. ويجب الاعتراف بأن الصراعات الدائرة ستستنزف القارة مع استمراريتها وانتقالها من طرف لاخر, فالحروب والتوترات القائمة تأتي على كل اخضر ويابس في القارة, تخرب الاقتصاد, وتهدر الطاقات الشعبية, وتنشر مزيدا من الجوع والفقر, وتقضي على كل بوادر للتنمية, ويكفي القول ان هناك 16 دولة افريقية تعاني من نقص الاغذية والمرض بسبب الحروب والصراعات. و40% من مواطني كينيا وزامبيا وسيراليون يعانون من الجوع, فالمجاعات والصراعات تهدد 13.4 مليون مواطن في 7 دول شرق افريقية وحوالي 50% منهم يعيشون في اثيوبيا التي انخرطت في حرب حدودية مع جارتها اريتريا منذ عام 1998. وبدهي ان الاستقرار الداخلي للدول والكفاية الاقتصادية هما أهم عنصرين لحماية الأمن القومي, وقد انتفت هذه العناصر في معظم البلدان الافريقية الأمر الذي يصبح معه الأمن القومي الافريقي في خطر, وتصبح الدول عرضة لاية تدخلات خارجية في سيادتها, ونظراً لان الدول العربية الافريقية والعربية ذات الجوار الافريقي لا يمكنها بأي حال من الاحوال ان تفصل نفسها او تكون بمعزل عما يدور افريقيا, بل ستتأثر بانهيار هذا الأمن, ومن الوارد ان تحاول بعض البلدان العربية التدخل في افريقيا لانقاذ امنها, فتشتد نيران الصراعات وتستشري خاصة اذاما اختارت جانباً دون اخر, ومن هنا نؤكد انه على الدول العربية ان تتخذ مواقف حيادية, والا تتوقف عن محاولات الوساطة لتهدئة الاطراف المتصارعة. * هل توجد علاقة بين الصراعات في افريقيا وظاهرة العولمة ومرحلة تشكيل النظام العالمي الجديد؟ ـ لا توجد علاقات مباشرة بين الصراعات الافريقية والنظام العالمي الجديد, لكن توجد تفاعلات من الشد والجذب والدفع, خاصة وان الدول الغربية التي لها تاريخ وعلاقات خاصة بافريقيا تربطها بها منذ مراحل الاستعمار, تسعى لدمج المستعمرات السابقة في منظومة العولمة. فبريطانيا وبلجيكا وفرنسا هي من الدول الاستعمارية القديمة التي لها وجهات نظر ومصالح في مختلف المناطق الافريقية وتريد ان تنصهر أو تتفاعل هذه الدول مع النظام العالمي الجديد لكن من منظور مصالحها, ولا ننكر ان بعض هذه الدول تتصارع فيما بينها على تحقيق مصالح اقتصادية خاصة بها. اجرى الحوار في لاهاي: د. سعيد السبكي