جالت (البيان) منذ فجر أمس الباكر على القرى الست التي تحررت في الجنوب, جماعيا للمرة الاولى الاحد الماضي من الاحتلال الاسرائيلي وهي: القصير, القنطرة, علمان, عد شيت, دير سريان والطيبة. لن يفاجئك ندى الشاطىء المتوسطي، بين بيروت وصيدا وصور عقب صلاة فجر الأمس, ولا الندى الأخضر الربيعي وشذى عطر الليمون الذي طالما ذكّرك به في بساتين حيفا ويافا... الشهيد الراحل غسان كنفاني, عندما حل يوما ضيفا على بيروت, ونثر ابهى رواياته وقصصه حول ذلك, بل ستفاجأ بما لم يكن في الحسبان باكرا, ولن تأمل ان يحصل في أية لحظة, ومنذ سنوات. فقد صار الحدث الذي حصل أمس الأول بتحرير القرى الست, وانت ذاهب أمس لمتابعته (قديما) . خلال ساعات معدودة تحصل ثمة مستجدات في حدث انتظرته منذ اكثر من عقدين. لكنك لا تنزعج بل العكس ما يحصل, اذ وأنت متجه الى المتابعة تأتيك اخبار الأمس المفتوحة على الحلم الكبير, حيث استكمال التحرير في قرى أخرى. وتلمس الفرحة والتساؤل والترقب على آلاف المواطنين المصطفين (من اجل لا شيء محدد) بل انتظار المشوار الى ما تبقى في الجنوب والبقاع الغربي المحتلين, وهم عبر الراديو (الترانزستور) يتابعون الزحف التحريري اليومي الى ما تبقى, لكننا أكملنا الجولة فيما تحرر أمس الأول, فكانت المشاهدات التالية. القنطرة في هذه البلدة الصغيرة القنطرة, بدأ الأربعون شخصا الذين بقوا فيها اجراء (احصاء) طوال ليل امس لمعرفة كم عاد من سكانها البالغ عددهم خمسة آلاف شخص. تقول الحاجة عطاف كوراني (59 عاما): علمنا انه عاد حوالي 1500 شخص خلال الساعات الاولى بعد اعلان تحرير القرية. هذا عظيم, لم نكن نتوقعه في الاحلام, والباقون سيأتون بين يوم وآخر. لكن لاحظنا ان معظم الذين عادوا بسرعة هم من الشباب, وقد أتوا من بيروت وبعض المناطق يوم الأحد الماضي كعادتهم كل اسبوع ليمضوا (الويكك اندك) ـ حسب تعبيرها, وتقصد عطلة نهاية الاسبوع (الويك اند) بشي اللحم على النهر المقابل للبلدة في المنطقة الحرة, كانوا يشمون رائحة منازل اهلهم وأجدادهم وترابهم, ثم يعودون نهاية النهار الى منازلهم البعيدة. لكن مجرد ان عرفوا ان البلدة تحررت الاحد, تركوا كل عدة (الويكك اندك) وجاءوا الينا, ومعظمهم من عائلتي والحمد لله. وروى لنا بعض الاهالي ان هؤلاء جاءوا هرولة وركضا وسيرا على الاقدام, لأن الطريق الوحيد الذي يوصل الى البلدة ضيق وبالكاد يتسع لسيارة واحدة. ومعظم الذين يتجمعون الى هناك بسياراتهم يسلكون طريق جسر القعقعية ـ فرون ـ الغندورية, فالقنطرة التي تبدأ حدودها العقارية بوادي الحجير غربا, حيث تقع المنطقة تحت اشراف الكتيبة الفنلندية في قوات الطوارىء الدولية. وقادنا آخر الى داخل الموقع وفيه غرف اسمنتية عدة ملاحقة, يحيطها ساتر ترابي تحصنه (أو كانت تحاول) دشم اسمنتية طويلة مسلحة وبشكل دائري. ويعلو جوانبها عدد من ابراج المراقبة ومواقع لاطلاق المدافع والرشاشات الثقيلة التي كانت ذخيرتها مرمية بالآلاف في جوانب الموقع وفي داخله حتى ان قسما كبيرا منها ما زال في صناديق مقفلة. وقد سارع عناصر بلباس مدني من المقاومة وبعض الشبان من معارفهم الى جمعها ونقلها الى مركز غير محدد, لكنه قريب جدا, كما أفدنا, للمقاومة. وان حرص البعض على وضع بعض الذخائر في جيوبه وعندما سألنا عن السبب: هل سيبيعون هذه الذخيرة؟ كان الجواب: أعوذ بالله البعض يرغب في الاحتفاظ بها في المنزل ليبقيها ذاكرة تحرض الأجيال المقبلة على مواجهة أي عدوان, والتصدي لأي اعتداء, والصمود تحت اية صعاب, لان فرج التحرير من العدوان كما حصل, وسيحصل في بلدات محتلة اخرى, سيأتي فجره عاجلا أم آجلا. الطيبة: اندحار الاقطاع في القنطرة يتملك الزائر الذي يعرف مسبقا الطبيعة السياسية والديموغرافية للمنطقة, شعورا قوميا بالانتقال الى بلدتين محررتين أخريين, وهما على مرمى دقائق بالسيارة من القنطرة التي لابد ان تبدأ بها جغرافيا في القرى الست الجديدة المحررة. سياسيا, الى بلدة الطيبة المحررة التي ارهقها الاحتلال, وقبله كانت مرهقة بصراعات سياسية بين العائلة الاقطاعية الأكبر في البلدة وبالتالي المنطقة, متمثلة بأحمد بك الأسعد, ثم نجله كامل الأسعد, الرئيس السابق لمجلس النواب اللبناني, وبين خصومهم الذين ينتمون الى (اقطاعيات) من نوع آخر, تتمظهر في اشكال عدة أبرزها (الثوب المذهبي المتحرر) كتعبير عن الصراع الشعبي ـ الشيعي للاستئثار بالقيادة السياسية ـ الشعبية. بوصولنا الى البلدة لم يكن المشهد يسمح بأسئلة عن تلك الصراعات, فالاحتلال كالموت, يوحد بين ضحاياه. لكن المراقبة الخبيثة للوضع الناشىء بدأت تطرح تساؤلات, مع العديد من أهالي البلدة حول مصير التحالفات في الانتخابات النيابية خلال الصيف المقبل. فيقول هؤلاء ان التوازنات قد اختلفت, ويوضح أحدهم: لم تعد الساحة الجنوبية مسرحا لسيد واحد اسمه رئيس مجلس النواب, رئيس حركة (أمل) نبيه بري, فقد عاد كامل بك الأسعد, ابن الطيبة وسيد المنطقة ليستعيد ما سلبه اياه الآخرون. ثمة اشارة الى ان الصراع السياسي الاساسي هناك كان قد بدأ ايام موسى الصدر (قبل اختفائه في ظروف ملتبسة حتى الآن) وبين زعامة آل الأسعد. وبما ان الأمر ما زال مبكرا على تبيان ما يمكن ان يحصل سياسا, ووسط حذر من الأهالي بتجنب الحديث حول ذلك, تبقى ذكريات الاحتلال, رغم مرارتها هي الرابط الموحد الوحيد. يقول أسعد شرف الدين (70 عاما) وهو يملك متجرا رئيسيا في البلدة: تعتمد بلدتنا التي يعد سكانها 15 ألف نسمة تقريبا, والذين لم يتجاوز من تبقى منهم خلال الاحتلال الألف, على المزروعات البعلية وبعض الاعمال التجارية, لقد بقينا خاضعين للاحتلال منذ 1978, خربوا حياتنا الله يخربهم, كل ما نتمناه ان نعود الى الدولة اللبنانية وتعود هي الينا, فعلا لا قولا. ويشير ابن البلدة محمد نحلة الى ان هناك خمسة معتقلين من ابنائها ما زالوا في معتقل الخيام, لن تكتمل فرحتنا بالتحرير الا بعودتهم الينا, لافتا الى ان اسرى آخرين منها سبق اطلاقهم وهم من عائلات: نحلة, شرف الدين, رسلان, صولي, حيدر, قازان, الاسعد, مبارك, ترمس, مرمر, أبوطعام, يحيى, موسى, السيد ومنصور. دير سريان أما السبب الديموغرافي الذي يقودك الى بلدة أخرى فهو يتعلق بالتعايش بين ابناء المنطقة من مسيحيين ومسلمين, وهو طالما جسدته بلدة دير سريان المحررة ايضا. عندما تدخل اليها تطمئن الى أمرين جوهريين: أولهما انها تحررت فعلا, والثاني المكمل للتحرير ان التعايش بين ابنائها لم يتأثر طوال الـ 22 سنة من الاحتلال. فالذين بقوا فيها خلال تلك السنوات وهم 300 من اصل حوالي 1200 شخص, كانوا من مسلمين ومسيحيين, لقد عرفنا كيف نتعايش مع بعضنا البعض, تماما كما تماسكنا في مواجهة العدو الواحد المشترك ـ أي اسرائيل والعملاء ـ هكذا يقول احد ابناء البلدة علي يوسف ابراهيم. تبقى الاشارة الى ان الصور والملاحظات التي سجلناها في القنطرة والطيبة ودير سريان, تتكرر في القرى الثلاث الاخرى: القصير, علمان وعد شيت. هناك, الفرحة لا توصف في القرى الست التي شكلت أول تحرير جماعي للقرى باندحار العدو والعملاء عنها الأحد الماضي. والبقية تأتي, وبرنامج تحرير يومي, بات واضحا لأهالي الجنوب انه لن يكون على طريقة المسلسلات التلفزيونية المكسيكية التي من النادر ان تتنهي.