ذو الفقار علي بوتو: لا فرق بين تفجير سلمي وآخر عسكري ، العواصم الغربية صعدت معوناتها للهند بعد تفجير قنبلتها النووية في 27 يناير 1964 عقد في الهند مؤتمر حول العلوم والشئون الدولية, وتناولت المناقشات فيه المشكلات القائمة الخاصة لنزع السلاح والأمن الدولي. وفي هذا المؤتمر قدم العالم الهندي الدكتور هومي بهابا ورقة تكشف بذكاء عن الاستراتيجية والدوافع التي كانت وراء البرنامج النووي الهندي الذي صممه لكي يبدأ في منتصف الخمسينيات. وقال بهابا في البداية: (إن الأسلحة النووية - إذا رافقها وجود نظام ملائم لتوصيلها إلى أهدافها يمكن أن تمكن أية دولة من امتلاك القدرة على الحاق الدمار الشامل أو الأقل من الشامل بالمدن والصناعات وجميع الأهداف المهمة في دولة أخرى, بغض النظر عما إذا كانت هذه الدولة التي وقع عليها الهجوم تمتلك قوة تدميرية أضخم تحت إمرتها. وبمساعدة الأسلحة النووية تستطيع أية دولة امتلاك ما يمكن أن نسميه (موقف ردع مطلق) حتى ضد دولة تتوفر تحت سيطرتها قوة تدميرية أكبر منها بعدة مرات) . وعندما يذكر مؤلف الكتاب ان ما قاله بهابا يمكن أن ينطبق على أية دولة أو مجموعة من الدول, فإن الإنسان العربي لا يملك إلا أن يشعر بالأسى إذ يجد اننا نقف عاجزين أمام المخزون النووي الاسرائيلي الذي يهددنا به الكيان الصهيوني تلميحا وتصريحا, وتقاعسنا عن امتلاك سلاح يردع هذا الكيان ويوقف تهديداته عند حدها. ولعلنا نستفيد بالدروس التي نتعرف عليها من قصة القنبلة النووية الهندية. وإذا عدنا إلى سياق الكتاب الذي نناقشه هنا لوجدنا ان العالم الفيزيائي الهندي الذي يعتبر والد القنبلة النووية الهندية, يقول في مناسبة أخرى في عام 1956 في حديثه عن اجراءات رقابة الوكالة الدولية للطاقة النووية: (من السهل أن نعرف انه - في ظل ظروف معينة - يمكن للمعونة التي تقدمها الوكالة مع سريان الاجراءات الكاملة لنظام المراقبة ان تساعد على تسريع البرنامج العسكري. ودعونا نفترض ان الدولة المتلقية لمعونة الوكالة تتسلم الماء الثقيل والمادة الانشطارية لمفاعل ما للأغراض السلمية. فإذا كان لدى الدولة المعنية بالفعل الماء الثقيل أو المادة الانشطارية, فان قرض الوكالة منهما في حدوده سيحرر ما تملكه تلك الدولة من موادها الخاصة من اجل استخدامها في برامجها العسكرية. والواقع ان هذه هي الوسيلة التي مضت بها الهند في انتاج المتفجرة النووية التي اختبرتها في عام 1974, وذلك بان تلقت الماء الثقيل والمساعدات الاخرى من الولايات المتحدة وكندا وليس من الوكالة الدولية للطاقة النووية. أنديرا والقنبلة يستعرض المؤلف المراحل المختلفة التي مرت بها السياسية النووية الهندية في ظل ضغوط المصالح والعلاقات الدولية المختلفة, وتزايد الجدل حول اتفاقية منع الانتشار النووي مع اختلاف الحكومات الهندية المتعاقبة, بينما استمر علماء الذرة الهنود في خططهم لتطوير متفجرات نووية, وظلت الهند على رفضها توقيع الاتفاقية. والسؤال الجدير بمحاولة البحث عن اجابة له هو: متى بالضبط قررت انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند انتاج اول متفجرة نووية هندية وتفجيرها؟ في محاولته للاجابة عن هذا السؤال يقول بركوفيتش: الواقع ان علماء الذرة وزملاءهم في معامل مؤسسة ابحاث الدفاع والتنمية قد قاموا بأعمال تحضيرية كثيرة من دون تفويض سياسي واضح, بينما كانت رئيسة الوزراء مشغولة بالصراع السياسي الضاري والانشقاق داخل حزب المؤتمر, وقد بدأ هؤلاء العلماء في اجراءات دراسات جادة في التصميم في عام 1968, وسعت مجموعة مركز بهابا للابحاث النووية إلى حل مشكلة تصميم السلاح عن طريق انشاء مفاعل بورنيما. واستعر الجدل في عام 1970 حول السياسة النووية, وفي عام 1971 اكتسبت مبادرة القنبلة النووية السلمية قوة دفع كبيرة. ومن المثير للاهتمام ان نتأمل كيف اعدت الهند للقيام بتفجير نووي تحت قيادة العالم الهندي فيكرام سارابهاي فيما بعد عام 1971, ويروي العلماء الذين شاركوا في التفجير النووي الذي اجري في عام 1974 ان ذلك العالم الذي رأس مفوضية الطاقة النووية, كان عائقا ضد رغبتهم في انتاج متفجرات نووية وتجربتها وعندما توفى سارابهاي فجأة بالسكتة القلبية في 30 ديسمبر 1971 وهو في الثانية والخمسين من عمره, ماتت وجهة نظره بشأن سياسة الهند النووية, واسندت قيادة المفوضية إلى المهندس الكيميائي هومي سيثنا الذي لعب دورا رئيسيا في تطوير قدرات الهند في التعدين واعادة معالجة البلوتونيوم. وعلى العكس من سارابهاي كان سيثنا فظا, وصريحا, وقائدا تنظيميا, ولا يهتم بالجوانب الفلسفية في عمله, ولم يبد عداء معنويا ازاء الاسلحة النووية, ولم يشارك سلفه في ارتباطه بتحليل المشروعات الفضائية والنووية على ضوء النفقات ضمن سياق احتياجات التنمية الشاملة للهند, وكان سيثنا واحدا من اعضاء الفريق الذي اراد بشدة اظهار البراعة والقوة الهندية بعمل دراماتيكي, مثل اجراء تفجير نووي, وهكذا بدأت الهند في التفكير جديا في اجراء ما يسمى بتفجير (قنبلة نووية سلمية) بعد وفاة سارابهاي عام 1971, في الوقت الذي كانت انديرا غاندي رئيسة الوزراء تبرز بقوة ومنتصرة على التحديات السياسية التي شغلتها منذ عام 1967, ونتيجة لانتصاراتها رضخت رئيسة الوزراء في عام 1972 لطلب العلماء المؤيدين للقنبلة, وفوضتهم في صناعة قنبلة نووية يمكن اجراء اختبار على تفجيرها. وفي النصف الاخير من عام 1971 فرضت التطورات الدولية اهمية الهند, فبين شهري يوليو وديسمبر من ذلك العام قامت الولايات المتحدة باختراق مهم في العلاقات مع الصين مستخدمة باكستان كوسيط, ووقعت الهند والاتحاد السوفييتي اتفاقية صداقة وتعاون بينهما, ودخلت الهند وباكستان في حرب, ولقد كان لهذه التطورات المهمة تأثير مباشر ضئيل على السياسة الهندية, على عكس ما افترضه البعض امدا طويلا وبدلا من ذلك كانت العوامل الحاسمة, التي ادت إلى تفجير القنبلة النووية عام 1974 تتمثل في اصرار مفوضية الطاقة النووية على اثبات جدارتها, وفي شعور انديرا غاندي بأن الهند يجب ان تتمتع بالثقة في نفسها كدولة وفيهاهي كزعيمة لها, كان القرار النهائي باجراء الاختبار النووي نتيجة لعملية تخمينية ولغرض خاص وتفتقر إلى تحليل امني دقيق. ولا يوجد تسلسل زمني رسمي لعملية اصدار القرار الهندي بالنسبة لتفجير عام 1974, ولم تحفظ اي سجلات مكتوبة للمداولات حول الخطة وذلك وفقا لما ذكره اثنان من بين المسئولين القليلين الذين شاركوا في عملية اتخاد القرار, وقال رئيس مفوضية الطاقة النووية آنذاك هومي شنا انه (لا توجد قصاصة ورق واحدة بشأن هذا الموضوع) , واكثر من ذلك فان القرار النهائي بتفجير القنبلة النووية ـ الذي كتبته انديرا غاندي على الورق في اليوم التالي للاختبار ـ كان ذروة قرارات عديدة سابقة ومتزايدة باتخاذ الخطوات التقنية الجوهرية والخطوات التحضيرية الاخرى لتسهيل القيام بتفجير. وكان من بين الخطوات الجوهرية في هذه العملية ما يلي: * حيازة المادة الانشطارية ـ البلوتونيوم. * استكمال معادلة حسابات الحالة من اجل البلوتونيوم. * تصميم متفجرة. * بذل الجهود لترجمة التصميم إلى مكون غير نووي في الكمبيوتر. * تصنيع قلب البلوتونيوم. * التعرف على موقع التفجير. * التجهيز الفيزيائي لموقع اجراء الاختبار. * اختبار نظام تفجيري عال من اجل المتفجرة. * تصنيع وتجميع مكونات القنبلة. * استكمال مبدأ نيوتروني. * عملية التجميع النهائية والوضع في عمود الاختبار. * تصميم وصنع ووضع الادوات الدالة بعد التفجير. انتصار سياسي محلي وسط عاصفة من الاضطرابات السياسية والاضرابات العمالية التي سادت الهند عام 1974, وعلى الرغم من انقسام الآراء حول اجراء تفجير نووي بين مؤيد ومعارض, واصرار المعارضين على ان آثاره ستكون سيئة على اقتصاد البلاد في هذا الجو العاصف اتخذت انديرا غاندي قرارها باجراء التفجير, وكان ذلك الاختبار النووي رخيص التكاليف, ولم يحول الموارد الثمينة عن عميلة التنمية, كما رفع التفجير من معنويات المؤسسة النووية واثار اهتمام الشعب الهندي مع احساسه بالقوة, وكما يقول مؤلف الكتاب فان (التفجير النووي السلمي كان انتصارا سياسيا محليا) . ومع ذلك فان انديرا غاندي لم تبح ابدا بمثل هذه الافكار علنا, فلقد كان الدافع يتزايد وراء اجراء الاختبار النووي قبل الازمة السياسة في عام 1974, بل ان العدد القليل من الرجال الذين عملوا معها في عملية اتخاذ القرار ظلوا غير متأكيدين من الدافع الذي جعل رئيسة الوزراء تتخذ قرارها, ومهما كانت حساباتها فان الحقيقة تظل قائمة, وهي ان اجراء التفجير النووي السلمي لم يكن فكرتها هي, اما هي فقد قررت ما عرضه عليها الاخرون, ان مؤيدي صناعة الاسلحة هم الذين ذهبوا إلى رئيسة الوزراء سعيا وراء الحصول على تصديقها. ويمضي بركوفيتش في التحدث عن وقف انديرا غاندي, ويرى ان البراهين تشير إلى ان السياسة الخارجية واعتبارات الامن لم تلعب دورا رئيسيا في قرار انديرا غاندي أو توقيته, ذلك ان الاعداد للتفجير النووي السلمي قد نوقش صراحة وتم القيام به من اواخر عام 1964 حتى عام 1974, وينفي الكاتب ان يكون للحجج الامنية اي دخل في قرار تفجير تلك (القنبلة السلمية) فلم تكن البيئة الامنية بين 1965 و1970 سيئة بالنسبة للهند فقد اوجدت معاهدة عدم الانتشار النووي وسريانها عام 1970 حافزا دوليا على عدم اجراء الاختبارات النووية, واكتسبت الهند من 1971 إلى 1974 قوة من خلال هزيمة باكستان, والمعاهدة مع الاتحاد السوفييتي, وعلى سبيل الجدال اذا كان تقارب الولايات المتحدة والصين ونشر حاملة الطائرات الامريكية (انتربرايز) في خليج البنغال قد اضعف موقف الهند الأمني, فإن قرار القيام بالتفجير النووي السلمي الذي تم الاعداد له قبل هذه التطورات, لا يكاد يمثل دافعا أمنيا قويا كرد عليها, إذ كان برنامج التسلح النووي أقل من أن يكون ردا عسكريا استراتيجيا ذا قيمة على بيئة دولية متغيرة. وربما أرادت انديرا غاندي أن تثني الولايات المتحدة والصين والاتحاد السوفييتي عن انتهاك استقلال الهند.. وكان من الواضح انها كانت تشعر بالحاجة إلى اظهار قوة الهند وموقفها لكل من هذه القوى. وتجدر ملاحظة العملية التي أحاطت بقرار ذلك التفجير النووي فلم يكن هناك تحليل منتظم للنفقات والمزايا, ولم يطلب من مؤسسات الشئون الخارجية تقدير ردود الفعل الدولية المحتملة, ولم تستشر القوات المسلحة بشأن كيفية تأثير القدرات النووية العسكرية على وضع خططها الاستراتيجية ونظريتها, وميزانياتها طويلة المدى. ولم تبذل أية محاولة لدمج القدرات النووية - التي سوف تتضح بعد وقت قريب ـ مع السياسة القومية الأمنية والعسكرية. ردود فعل متباينة أما عن ردود الفعل الدولية فقد كانت متفاوتة, إذ هللت دول عدم الانحياز بما أنجزته الهند وصفقت (لعلمائها وتقنييها) . وبعثت فرنسا برسالة تهنئة عبر مفوضيتها للطاقة النووية إلى رئيس مفوضية الطاقة النووية الهندية. وكانت ردود الفعل الأمريكية متضاربة فقد ذكر المسئولون الأمريكيون انهم فوجئوا بالتفجير, ولكن مصادر وزارة الخارجية قالت ان الأمر هو (مجرد ان القادة الهنود اتخذوا قرارهم وكرسوا الموارد اللازمة للتفجير) وأعد موظفو الخارجية نقدا حادا للهند لتعويضها الجهود الدولية لمنع الانتشار النووي, وأرسلوا مسودة إلى هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية آنذاك الذي كان يقوم في ذلك الوقت برحلات المكوكية في الشرق الأوسط. ورفض كيسنجر استخدام لغة قاسية واستبدلها ببيان أكثر حيادية, وتوصل كيسنجر إلى نتيجة نهائية هي ان (اللوم العلني لن ينفي وقوع الحدث بل سيضيف مزيدا من المشكلات المتبادلة بين الهند وأمريكا ويقلل من النفوذ الذي قد تتمتع به أمريكا على سياسة الهند النووية في المستقبل) . ومع ذلك فإن التفجير النووي لم يوقف الدول الغربية بقيادة أمريكا عن الاستمرار في زيادة المعونات للهند, إذ يرى مؤلف الكتاب ان الدول الغربية الصناعية زادت معوناتها بنحو 200 مليون دولار, ووافقت الولايات المتحدة على اعادة جدولة الديون الهندية التي كانت قد بلغت 29 مليون دولار, بل ان المفارقة الأكبر هي ان الولايات المتحدة بدأت في يونيو 1974 في شحن دفعة من وقود اليورانيوم الذي كانت قد وافقت في وقت سابق على إرساله إلى مفاعل تارابور في الهند وفقا لاتفاقية التعاون النووي بين البلدين عام 1963 والعقد المرتبط بها الذي وقع عليه عام 1966 لامداد الهند باليورانيوم المخصب من أجل ذلك المفاعل. وفي 19 مايو أعلن رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو ان التفجير يعتبر (تهديدا وتطورا ينذر بالخطر وان باكستان مصممة على انها لن تخضع لهذا التهديد ولن تكون ضحية الابتزاز النووي الهندي) . وفي 22 مايو بعثت انديرا غاندي رسالة إلى بوتو تقول فيها: (اننا سنظل ملتزمين تماما بسياستنا التقليدية, الخاصة بتطوير الطاقة النووية كلية للأغراض السلمية, وان التجربة النووية التي أجراها علماؤنا تحت الأرض لن تغير من هذه السياسة اطلاقا) . وقد رد عليها بوتو برسالة في السادس من يونيو نفى فيها أي تمييز بين التفجير النووي السلمي والعسكري وأعلن ان القدرة العسكرية الجديدة للهند (عامل دائم ينبغي وضعه في الاعتبار) . وفي أكتوبر 1974 أعلنت باكستان خططا لزيادة مفاعلاتها إلى 24 مفاعلا بحلول عام 2000. وفي 18 أكتوبر وقعت باكستان اتفاقية كان قد تم التفاوض بشأنها من قبل مع شركة فرنسية لبناء مصنع لاعادة معالجة البلوتونيوم.