عرف المجتمع الدولي خلال النصف الثاني من القرن الماضي ما يسمى بالمحاكمات الدولية لمجرمي الحرب الذين ارتكبوا مجازر وحشية وجرائم ابادة جماعية, كان أولها تلك المحاكمة الدولية التي تم تشكيلها في أعقاب الحرب العالمية الثانية لملاحقة مجرمي الحرب من القادة النازيين لتسببهم في موت ملايين البشر خلال هذه الحرب التي دارت على أرض العديد من الدول, كما عقدت هذه المحاكمة الدولية وبناء على قرار من مجلس الأمن لملاحقة مجرمي الحرب من الصرب وبضغوط أمريكية دولية, نظرا لارتكابهم جرائم وحشية وانتهاكات لحقوق الانسان في البوسنة وكوسوفو.. اضافة الى المحاكمة التي اختصت بملاحقة مجرمي الحرب في رواندا الذين كانوا وراء مقتل الآلاف من هذا الشعب الافريقي الفقير. ورغم أنه لاخلاف على أهمية مثل هذه المحاكمات, فالملاحظ أن عقدها جاء كرد فعل مؤقت وينتهي عمل المحكمة بمجرد الانتهاء من نظر القضية المنظورة أمامها, ومؤخرا بدأ التفكير في وجود محكمة دولية تكون مهمتها ملاحقة مجرمي الحرب الذين يرتكبون جرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وعقد مؤتمر لهذا الغرض (بروما) في أواخر يوليو 98 لارساء قواعد مثل هذه المحكمة. ورغم أن العديد من الدول قد أعربت عن رغبتها في وجودها. فهناك البعض مازال يعارض وجودها, وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين واسرائيل, ولكل أسبابه الخاصة وهو ما يوضح أن انشاءها مازال أمرا مستبعدا في الوقت الراهن. (الملف) التقى الدكتور محمد قدري سعيد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والدكتور عصام الدين بسيم أستاذ القانون الدولي بكلية الشرطة, في حديث حول التوجه الدولي الرامي لانشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب, وهل ستتمتع مثل هذه المحكمة في حال انشائها باستقلالية؟ وما هو القانون الذي ستتبعه؟ وحول محكمة العدل الدولية وتعاطيها تاريخيا مع النزاعات الدولية, وهل قامت بدورها بحيادية أم وقعت تحت تأثير الدول الكبرى؟ محاكم خاصة في البداية يرى الدكتور محمد قدري سعيد أنه رغم وجود محكمة العدل الدولية كمؤسسة قانونية دولية عابرة للقوميات تلجأ اليها الدول لتنظر في النزاعات القائمة بينها, فإنها وبحكم طبيعة النصوص القانونية التي تحدد عملها ليس منوطا بها نظر الجوانب الجنائية والمتصلة بعمليات الجرائم ضد الانسانية التي ترتكب أثناء الحروب. وقد كان في السابق يشكل لنظر مثل هذه النوعية من الجرائم محاكم خاصة وتكون مهمتها ملاحقة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا أعمالا وجرائم وحشية وجرائم إبادة. ومثلما حدث بعد الحرب العالمية الثانية في محاكمات (نورمبرج) التي تم فيها محاكمة القادة النازيين الذين تسببوا في موت أكثر من 50 مليون شخص خلال هذه الحرب التي دارت على أرض العديد من الدول, وهناك أيضا المحاكمة التي تم تشكيلها لمحاكمة مجرمي الحرب من رواندا الذين كانوا وراء المذابح الجماعية التي تمت على هذه الأرض الأفريقية. ولكن الملاحظ أن مثل هذه المحاكمات تنفض بمجرد الانتهاء من نظر القضية المنظورة أمامها ويستمر الحال هادئا حتى تحدث جرائم أخرى ضد الانسانية فيثور الرأي العام وتضغط الدول الكبرى المنتصرة لاقامة محاكمة دولية وهكذا.. أما التفكير في محكمة دولية تكون مهمتها النظر في هذه القضايا فهو تفكير حديث يعود الى سنوات قليلة مضت. هذا التفكير تبلور أخيرا في ضرورة وجود محكمة جنائية دولية والتي مازالت محل خلاف ومناقشة بين الكثير من الدول.. ومازالت هناك معارضة شديدة لاقامتها من بعض الدول وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين واسرائيل التي تخاف من وجود هذه المحكمة نظرا لما قامت به من جرائم ضد الانسانية وخاصة أنها تسببت في خروج لاجئين من ديارهم, وهذا من المنتظر أن يكون من بين الأمور التي سيحق لهذه المحكمة نظرها والتحقيق فيها. كما تخوفت الولايات المتحدة من النقطة الخاصة بسيادة الدول, لأنه في ظل وجود محكمة دولية لمعاقبة وملاحقة مجرمي الحرب فانه لن يكون من حق دولة مثل الولايات المتحدة أن تتدخل بالصورة التي حدثت في حرب كوسوفو عندما حشدت قواتها وقوات الناتو وهاجمت يوغسلافيا السابقة.. وهي دولة عضو في الأمم المتحدة بحجة أن هذه الدولة ارتكبت جرائم غير انسانية ضد السكان المدنيين في كوسوفو.. وعندها ثار جدل كبير حول مدى أحقية الولايات المتحدة في القيام بمثل هذا العمل والذي لن يكون له مبرر في ظل وجود محكمة جنائية دولية. ومن هنا تعارض الولايات المتحدة بشدة الاتجاه لانشاء هذه المحكمة وترى أن هناك من الجرائم غير الانسانية التي لايجب الحديث معها عن سيادة الدول وحق التدخل. ولكن الملاحظ أنه ورغم هذه الاعتراضات التي تعوق الوصول لصيغة واتفاق حول آلية وجود هذه المحكمة الدولية فمازال هناك عمل يتم ومؤتمرات تعقد ومقترحات تقدم من الأطراف المختلفة بهدف انشاء هذه المحكمة, نظرا لأهميتها الكبيرة في ظل وجود الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان والمجازر التي ترتكب من آن لآخر في بعض الدول. وضع آليات مشابهة ويعتقد الدكتور محمد قدري سعيد أن وجود المحكمة الجنائية الدولية المنوط بها نظر جرائم الابادة وانتهاكات حقوق الانسان أمر ممكن حدوثه مستقبلا رغم الصعوبات الحالية, فنحن اذا نظرنا حولنا وعلى المستوى الدولي نجد أن هناك أمورا كثيرة وجدت نتيجة للاحتياج الانساني اليها, فهناك الآن قانون بحري يجرم عمليات القرصنة ووضع آلياتها وحدد عقوباتها وما الى ذلك وهذا لم يكن موجودا من قبل, وكانت تحدث عمليات قرصنة ونهب للسفن في محيطات وبحار العالم.. كما تعقد المؤتمرات لبحث وضع آليات مشابهة يتم من خلالها التعامل مع عمليات القرصنة الجوية وحوادث الطيران على المستوى الدولي.. أي أنه كلما تطورت الحضارة الانسانية تصبح هناك نظرة أوسع لموضوع حقوق الانسان, ومن هنا لابد أن تنمو مؤسسات الوعي الانساني والتي لابد أن يواكبها شكل تنظيمي مؤسسي ومثلما كان الأمر مع منظمة الأمم المتحدة المؤسسة الدولية التي نشأت كنتيجة لحاجة مجموع الدول اليها وأخذت وقتا طويلا وعملا صعبا حتى تم الانتهاء من ميثاقها. واذا كنا ننظر الآن الى انشاء محكمة دولية لملاحقة مجرمي الحرب وكل من يرتكب جرائم ابادة ومجازر وحشية ضد الشعوب على أنه أمر غاية في الصعوبة, فانه من الممكن وخلال فترة قد تتراوح من 10 ـ 15 عاما أن ترى مثل هذه المؤسسة الجنائية الدولية النور وتصبح حقيقة واقعة وتعمل لها الدول ألف حساب, كما يحدث الآن بالنسبة لمجلس الأمن. وحول رأيه في أن هذه المحكمة ستتمتع باستقلالية في حال وجودها أم أنها ستخضع لضغوط ونفوذ الدول الكبرى, يقول الدكتور محمد قدري سعيد: العدالة بشكل مطلق تعتبر من الأمور الصعبة سواء على المستوى المحلي أو الدولي, فعلى المستوى المحلي نلاحظ أن هناك توازنات بين السلطات المختلفة, كما ان هناك ضغوطا متبادلة عند نظر بعض القضايا, وعلى المستوى الدولي فانني أعتقد أنه لن تغيب هذه الضغوط وخاصة من الدول الكبرى. ولكن يجب ألا يدفعنا ذلك الى عدم الحماس لوجود هذه المحكمة.. فهي سيكون لها دورها على المستوى الدولي, وبمرور الوقت سوف يتكون رأي عام عالمي وقوى دولية تضغط من أجل أن تقوم هذه المحكمة بواجبها ودورها الذي انشئت من أجله, ويكفي في هذا الصدد أن تقوم شخصية قضائية بإعلان استقالتها من عضوية المحكمة عند وجودها نظرا لوجود ضغوط على عملها, فمن المؤكد أن هذا سيحدث هزة كبيرة ستكون في صالح استقرار المحكمة على المدى البعيد, وكما حدث في أمر قد لايكون مشابها تماما لذلك وهو استقالة رئيس لجنة النفط مقابل الغذاء الدولية من عمله لأنه يرى ان هناك غبنا وظلما للعراق, لقد أدى ذلك الى وجود حرج كبير عند الدول الكبرى والمنظمة الدولية.. أي أنه يجب ألا نستبق الأحداث ونتأكد أن الوقت سيكون كفيلا بتدعيم دور هذه المحكمة. وفيما يتعلق بمحكمة العدل الدولية وتعاطيها تاريخيا مع النزاعات الدولية فإن دور محكمة العدل كان ايجابيا للغاية فقد حصلت مصر من خلالها على حقها واستردت طابا بعد مفاوضات طويلة وبرغم الضغوط الأمريكية والاسرائيلية, كما استطاعت المحكمة أن تمنع حدوث صراع عسكري بين اليمن وأريتريا كان يمكن أن يستمر حتى الآن, وحتى في موضوع لوكيربي كان دورها ايجابيا عندما لم تستجب للضغوط الأمريكية والبريطانية لمنعها من بحث هذا الموضوع, وقالت أنه من حقها ابداء الرأي فيه, وهو ما أدى الى تحقيق غالبية المطالب العربية والليبية في توفير ضمانات عديدة عند محاكمة الليبيين المشتبه فيهما وفي تحويل الموضوع من قضية سياسية الى قضية قانونية. وأخيرا الضغوط على المؤسسات القضائية الدولية ستظل موجودة فلا يوجد عدل مطلق على أي مستوى, ولكن وجود محكمة دولية لملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الانسانية هو أمر مهم لتقدم البشرية, ولسلام ورخاء العالم, ولا يجب أن نقف ضده على أساس أن هناك سيطرة وضغوطا أمريكية سوف تقع عليها. ضغوط أمريكية ومن جانبه يشير الدكتور عصام الدين بسيم الى أن الحالات السابقة التي تم فيها تشكيل محاكمات دولية كانت لها ظروفها الخاصة وجاءت استجابة لضغوط الأطراف المنتصرة في الحروب, فمثلا محاكمات (نورمبرج) تمت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من أجل تعقب مجرمي الحرب من النازيين والذين تسببوا في مقتل الملايين, وكان وراء ذلك ضغوط من جانب الحلفاء المنتصرين, أيضا فيما يتعلق بالمحاكمة التي تم تشكيلها لملاحقة مجرمي الحرب من الصرب تمت هي الأخرى بضغوط أمريكية, حتى تم استصدار قرار من مجلس الأمن نص على تشكيل محكمة دولية تكون مهمتها ملاحقة الأفراد الذين كانوا وراء ارتكاب جرائم ضد الانسانية وراح ضحيتها الآلاف من المدنيين في مجازر وحشية لم تشهد البشرية مثلها من قبل.. أمريكا ضغطت واستطاعت دفع مجلس الأمن لاصدار قرار تشكيل المحاكمة لأنها هي الطرف الذي تزعم حلف الناتو, الذي حقق الانتصار في هذا الصراع العسكري, ومن هنا كان لابد من ملاحقة مجرمي الحرب من الصرب. ويضيف الدكتور عصام الدين بسيم: ان هذه المحاكمات تمت تحت ضغوط للقوى الكبرى والمنتصرة, الحلفاء في محاكمات (نورمبرج) والولايات المتحدة في المحاكمة التي تم تشكيلها لملاحقة مجرمي الحرب من الصرب, والملاحظ أن هذه المحاكمات الدولية يتم تشكيلها لهدف معين, ثم تنفض بعد ذلك. أما الحديث عن وجود محكمة جنائية دولية تختص بمثل هذه الجرائم فهو أمر مستحدث على الفكر القانونى الدولي يعود الحديث عنه الى سنوات قليلة ماضية, وهذا الحديث مازال مستمرا وخاصة أن هناك صعوبة في وجود مثل هذه المحكمة الدولية التي تختص بنظر قضايا وجرائم إبادة الجنس البشري والجرائم ضد الانسانية التي يرتكبها مجرمو الحرب, لأنه لكي توجد مثل هذه المحكمة الدولية لابد أولا من الاتفاق على بعض الأمور الضرورية لوجودها, منها تحديد الجرائم التي ستنظرها مثل هذه المحكمة, والنصوص القانونية التي ستعمل من خلالها, ومن المسئول عن تشكيلها؟ هل هي الدولة الكبرى أو المنتصرة التي تكون لها الهيمنة؟ أو المنظمة الدولية رغم أن ميثاقها ليس به ما يتيح لها ذلك؟. أيضا لابد من تحديد بعض الأمور الأخرى مثل المواصفات التي يتم على أساسها اختيار القضاة الذين يعملون في هذه المحكمة, وتحديد هل لها استئناف أم لا, وأين يكون الاستئناف؟ وأين تنفذ العقوبة في حال إدانة المتهمين؟ وغيرها من الأمور الضرورية والواجب توفير توضيحات بخصوصها. ولذلك فانني أعود فأوكد صعوبة وجود مثل هذه المحكمة, ويكفي أن أشير هنا الى ان التفكير في هذا الاتجاه مستمر منذ نحو عقد من الزمن ومع ذلك لم يستطيعوا التوصل حتى الآن الى صيغة مناسبة تحقق وجود محكمة جنائية دولية, فهذا الأمر ليس بالسهولة التي يتصورها البعض, وعموما اذا حدث وتم التوصل لصيغة بخصوص هذه المحكمة الدولية فغالبا سوف تخضع لضغوط أمريكية, وسوف يغلب عليها الطابع الانجلوسكسوني في كل شىء سواء في النصوص القانونية التي سيعمل بها أو غيرها من الأمور الأخرى, وغالبا لن يكون لهذه المحكمة استقلاليتها ولابد أن تتأثر برغبات وضغوط القوى الكبرى التي سيكون لها دور في تشكيلها. قانون دولي انساني ولكن مع ذلك وربما للتطور الذي سيحدث في السنوات المقبلة في مجال العلاقات والقوانين الدولية يمكن أن توجد مثل هذه المحكمة على أساس انساني, أما وجودها على أساس الشرعية الدولية فهذا أمر مستبعد في السنوات القليلة المقبلة, لأن كل ما ينظم عملية النظر في الجرائم الدولية تحدده المعاهدات التي يتم توقيعها بين الأطراف المختلفة. ما يتم الآن هو الحديث عن قانون دولي انساني, تريد الولايات المتحدة من خلاله تدويل الجرائم المتعلقة بحقوق الانسان, ومن هنا نستطيع أن نفهم كيف أصدر الكونجرس الأمريكي قانونا يبيح للولايات المتحدة التدخل في أي دولة في العالم تتخذ من الاجراءات ما يتعارض مع احترام حقوق الأقليات, وهي هنا تريد أن تسيطر وتتدخل وقتما تشاء ودون قوانين أو قواعد وأحكام دولية. ومن هنا نستطيع أن نفهم أيضا الحديث الذي دار خلال الاجتماعات الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة حول حق التدخل والذي روج له كوفي عنان الأمين العام وعارضته دول كثيرة منها مصر, على اعتبار أنه تدخل في الشئون الداخلية للدول وهذا يتعارض مع بنود ميثاق المنظمة الدولية, واذا كان هنا من يروجون لأن حق التدخل هدفه انساني, فإن الواقع يؤكد ان الهدف الرئيسي له هو اعطاء الفرصة للقوى الكبرى لأن تتدخل في شئون الدول الأخرى تحت حجة عدم التزامها بالحد الأدنى لحقوق الانسان. القاهرة ـ مكتب البيان