يبدو أن العالم كله أصبح على امتداد خطوط الطول وخطوط العرض مسرحا لأعمال العنف والاقتتال والحرب, فما أن تضع حرب أوزارها في منطقة ما حتى تندلع في بقعة أخر ى , فالعنف صار مثل مرض السرطان.. ما أن يكافح في عضو حتى تظهر تفرخاته بانتشار أخطر وأقوى ومميت في عضو آخر فتؤدي الى هلاك صاحبه. ولاشك أن الجميع لاحظ خلال السنوات الأخيرة أن بؤر التوتر أصبحت تنتقل من مكان لآخر, وبوتيرة تكاد من فرط انتظامها توحي لنا بأن وراء كل ذلك قوى شيطانية رهيبة تحرك خيوط هذا السرطان, وفق مخطط وحشي بارد ومدروس, بحيث أن العالم لا يكاد ينعم ولا بشهر واحد بالطمأنينة والسلام يعمان كل أرجائه, ويتنفس فيه الناس الصعداء, حتى تلوح لهم في الأفق نذر ما هو أعظم وأدهى, فما أن يدفع سكان منطقة ما كل ذلك الثمن الباهظ لجنون القتل والدمار المستبد بعالم البشر, حتى تنتقل عدوى العنف الى منطقة أخرى وأناس آخرين, وغالبا ما يكون الثمن الذي يدفعونه مضاعفا عديد المرات. انتشار العنف ويمكننا أن نقول بلغة الجيوسياسة أن الأخطر اليوم وفي ظل فقدان التوازن بين مختلف الرؤى والايديولوجيات, هو أن بؤر التوتر الجديدة التي برزت مع نهاية فترة الحرب الباردة, قد أصبح العنف السائد فيها أكثر دموية وعدد الضحايا فيها بمئات الآلاف, وأقرب الأمثلة إلينا الحرب الأهلية في لبنان التي دامت 15 عاما خلفت حوالي 10 آلاف قتيل, وحربا الخليج الأولى والثانية اللتان اسفرتا عن مليون قتيل, والحرب القبلية في رواندا التي خلفت في ظرف ثلاثة أشهر من التذابح والتناحر أكثر من مليون قتيل, وهاهي حروب التطهير العرقي في البوسنة وكرواتيا وكوسوفو تخلف في ظرف ثلاثة سنوات أكثر بكثير مما خلفته الحرب الطائفية في لبنان. أما الاقتتال الدموي الجاري في الجزائر والذي فاقت فظائع الجماعات المتشددة فيه كل تصور, فقد خلف حتى اليوم ما لايقل عن 150 ألف قتيل بأبشع طرق القتل. ولم يقتصر أمر العنف على منطقة الشرق الأوسط, بل امتد الى مناطق جديدة فوق ذلك الامتداد الهائل الممتد من جاكارتا في أقصى الشرق الاسلامي وحتى طنجة في أقصى غربه. في بلاد الهند وأرض السند حيث كشمير أكثر بؤر التوتر غليانا في شبه القارة الهندية, وفي فيتنام وكمبوديا ولاوس, وفي القوقاز حيث عمليات الابادة المنظمة للمسلمين في الشيشان وداغستان بواسطة الروس, وفي اليمن حيث تتذابح القبائل, وفي السودان بسبب الحرب الانفصالية في الجنوب. كما ضرب غول العنف مناطق أخرى كانت شبه آمنة في أوروبا, حيث برزت دعاوى الانفصال في أيرلندا الشمالية واقليم الباسك, وفي اليابان عبر طائفة (أروم) الحقيقة السامية, وفي أمريكا عبر الطوائف الداودية والمونية ومئات الطوائف والتشكيلات المهوسة الأخرى, ناهيك عن حروب مافيا المخدرات, والانقلابات العسكرية في بلدان أمريكا اللاتينية.. وكلها تؤكد بما لايدع مجالا للشك أن وراء كل ذلك مخططا مدروسا يقوم على تخطيطه وتنفيذه تنظيم عالمي شيطاني رهيب يسعى لفرض هيمنته على العالم بعد أن ينجح من خلال هذه الحروب والثورات والصراعات الدموية في افقاد قوى الخير في العالم تماسكها وقدرتها على المقاومة, فتستسلم وهي مثخنة بالجراح لشروطه ومطالبه. وهذا التنظيم العالمي الشيطاني القائم على هذه المؤامرة العالمية, لايظهر بشخوصه المدبرين والمخططين, حيث يضرب بأستار من السرية والكتمان عليهم, ولكنه يتحرك من خلال أدوات له يحركهم كقطع الشطرنج على ساحة العالم فينفذون ما يؤمرون به, ولايملكون إلا ذلك بعد أن أصبحوا خداما مطيعين لسادتهم. واذا كانت محكمة (نورمبرج) عقب الحرب العالمية الثانية قد نجحت في ادانة مجرمي الحرب من قادة النازية, وهم ليسوا أكثر من أدوات في أيدي قادة المؤامرة العالمية, فإن العالم لم يشهد بعد ذلك وخلال سنوات الحرب الباردة محاكمة دولية للمسئولين عن الحروب الاقليمية, والصراعات والمذابح الدموية التي شهدها العالم عبر نصف قرن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وراح ضحيتها الملايين من البشر. فمهندس (حقول القتل) في كمبوديا بول بوت زعيم الخمير الحمر والذي حمته تحالفات الحرب الباردة مات مؤخرا في سريره, وكثيرون آخرون من الحكام الطغاة الذين سفكوا دماء شعوبهم, ورؤساء أجهزة المخابرات وزعماء المنظما ت الارهابية, وقادة جيوش القتل والدمار, وغيرهم من المجرمين العتاة, لايزالون يمارسون جرائمهم وينعمون بثمارها الآثمة, وهم في مأمن من الحساب والعقاب. محكمة الجنايات الدولية وبرغم أن النظام العالمي الجديد لم يجسد الآمال والتوقعات التي علقها البعض عليه, حيث أصبحت الاتهامات الخاصة بجرائم الحرب سلاحا دعائيا روتينيا, فقد شهد العقد الأخير من التسعينيات انشاء محاكم لمقاضاة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة ورواندا الذين وقفوا وراء جرائم القتل الجماعي. غير أن تلك المحاكم لم تكن سوى رد مؤقت على ذلك الخطر, فقد بات واضحا أن هناك حاجة لانشاء محكمة جرائم حرب دولية دائمة. وقد كان مؤتمر روما الذي انعقد في أواخر يوليو عام 1998 بمثابة بداية لارساء قواعد مثل هذه المحكمة الدولية حيث أمضى ممثلو 160 دولة خمسة أسابيع من المفاوضات المكثفة من أجل الاتفاق على محكمة دولية دائمة وجديدة للنظر في جرائم الابادة الجماعية والعدوان وجرائم الحرب والجرائم بحق الانسانية, إلا أن هذه البداية لم تكن مشجعة, حيث تواجه هذه المحكمة مستقبلا غير مؤكد بعد أن ولدت في ظروف بالغة الدراماتيكية. فقد صوتت أغلبية الدول على انشاء هذه المحكمة, حيث حصلت على 120 صوتا مقابل 7 أصوات ضدها, ومن بين الأصوات السبعة المعارضة اثنان من الدول العظمى الأكثر قوة وأكثر سكانا وهما الولايات المتحدة والصين, وكذلك اسرائيل التي اعترضت على بند يتعلق بالترحيل الاجباري للسكان. فقد استخدم الوفد الأمريكي أسلوب الذراع القوية لكي يخفف من قوة المعاهدة ويضمن الحصانة للمواطنين الأمريكيين ولكن الأسلوب الأمريكي أخفق في تحقيق هذا الهدف, فقد صوتت الأغلبية التي ساندت قيام المحكمة في صالح منح المحكمة صلاحية محاكمة المشتبه فيه حتى وإن كان البلد الذي ينتمي اليه لايعترف بسلطات هذه المحكمة الدولية وفي محاولة من جانب بريطانيا لايجاد حل وسط ترضى عنه الولايات المتحدة يتعلق بالمسألة الرئيسية وهي مسألة السلطة القانونية, فستحتاج الادعاءات التي لاتأتي عن طريق مجلس الأمن الى موافقة إما الدولة التي يحمل المتهم جنسيتها أو الدولة التي ارتكبت فيها الجريمة المفترضة. وهو ما يعني كما يقول بيير سانيه الأمين العام لمنظمة العفو الدولية أن تحصل المحكمة على إذن المجرمين للمثول أمامها!! ويفترض لظهور المحكمة للوجود وممارسة أعمالها تصديق 60 بلدا على الاقل على المعاهدة الخاصة بانشائها, وهذا يتطلب من الحكومات اعطاء أولوية لانشائها, وهو ما قد يستغرق عدة سنوات, وحتى بعد ذلك ستبقى هناك شكوك حول عمل المحكمة, أخطرها مدى العداء الذي ستبديه الولايات المتحدة للمحكمة ومدى تأثير موقفها على عمل المحكمة, إذ أعلن الممثل الأمريكي في مؤتمر روما ديفيد شيفر أن الولايات المتحدة ستناهض المحكمة بفاعلية!! هذا الى جانب مشاكل أخرى ستعيق عمل المحكمة, مثل سلطة المحكمة وحقها في تناول القضايا, وآلية المحكمة في العمل, وحق الدولة في ممارسة حقها الوطني في النظر في الجرائم التي ترتكب بمعرفة مواطنيها سواء على أرضها أو أراضي دولة أخرى, وكيف يمكن معرفة ما اذا كانت الدولة تمارس سلطتها التشريعية بشكل مقبول أم لا؟ وهل يتعين مقاضاة المجرمين أمام قضاة ومحلفين من بلدانهم؟ وما هي حقيقة الدور الذي سيمارسه مجلس الأمن لاقرار القضايا التي ستعرض في المحكمة, ومدى تأثير (الفيتو) في ذلك, فبعض الدول ترتاب في أن مثل هذه المحكمة الدولية ستنتقص من سيادتها, ودول أخرى تعتقد بأن هذه المحكمة لن تكون سوى عصا أخرى في ترسانة القوى العظمى, لذلك يطالب البعض باضعاف صلاحيتها, واضعاف سلطة مجلس الأمن, وهو ما تعارضه الدول الكبرى. واذا كان هناك قدر كبير من الاتفاق بين الجميع على أن تشمل صلاحيات المحكمة أعمال الابادة الجماعية, والجرائم بحق الانسانية, وجرائم الحرب, إلا أن تعريف هذه الجرائم سيحتاج الى اهتمام دقيق وبشكل خاص جرائم الحرب, ذلك لأن الحرب اليوم تبدو مختلفة جدا عما كانت عليه عندما وضعت صياغة مواثيق جنيف, فمعظم الحروب تجري الآن داخل البلدان وليس فيما بينها, لذلك تريد بعض الدول لصلاحيات المحكمة ان تعطي للجرائم المرتكبة في الصراعات الداخلية أيضا, كما تريد من المحكمة أن توفر الحماية للنساء والأطفال, وأن يكون من صلاحياتها محاكمة كل أولئك الذين يستخدمون العنف الجنسي كأداة في الحرب, وأولئك الذين يحاولون تجنيد الأطفال كجنود. حقيقة الأمر أن محكمة الجنايات الدولية لاينبغي النظر اليها باعتبارها بديلا عن المحاكم الوطنية, وهذا عامل جوهري, حيث لاينبغي أن تتدخل هذه المحكمة إلا عندما تكون المحاكم الوطنية غير راغبة أو عاجزة عن العمل, وقد أعطتنا السنوات الأخيرة أمثلة كثيرة على حدوث ذلك, فالفظائع التي سنتظر فيها المحكمة ستحدث غالبا في بلدان انهارت فيها سلطة النظام والقانون, ولم يعد النظام القضائي فيها قادرا على مواجهة مسئولياته, كما يحدث اليوم في الصومال وأفغانستان. ومن ثم لاينبغي أن يكون التعارض بين فكرة سيادة الدولة وبين خضوع افراد ودول لقضاء دولي غير وطني سببا في أن يفلت مرتكبو جرائم الحرب من العقاب. فهذا أمر تأباه العدالة خاصة وأن هذه الجرائم تتسم بالقسوة والوحشية, فتعظم آثارها ويتعدد ضحاياها. والحل الأمثل يكمن أساسا في أن يواكب انشاء محكمة الجنايات الدولية تطوير التشريعات الداخلية للدول الأعضاء في الجماعة الدولية, بما يضمن تجريما للأفعال غير المشروعة التي ترتكب ضد المدنيين والمقاتلين على السواء.. مثل جرائم قتل الأسرى وأخذ المدنيين كرهائن وتعذيبهم واساءة معاملتهم, بجانب جرائم السلب والنهب للأموال العامة والخاصة. وبذلك يتعين اخضاع الرؤساء والقادة والمسئولين على كافة المستويات للقانون الدولي فيما يرتكبونه من أفعال جرمتها المعاهدات الدولية مثل معاهدات لاهاي وجنيف, وذلك وفقا لقواعد القانون الوطني وهي قوانين تنحصر مابين القوانين الجنائية المدنية والعسكرية وقوانين الطوارىء, ولاتختلف في ذلك الدول الكبرى عن الدول الأخرى. تعثر محكمة العدل الدولية كان لظاهرة الاستقطاب الدولي وما ترتب عليها من حرب باردة آثارها السلبية على قدرة محكمة العدل الدولية على القيام بوظائفها القضائية في تسوية المنازعات ذات الأبعاد القانونية. ذلك أن انهيار نظام الأمن الجماعي وشلل مجلس الأمن نتيجة للاسراف في استخدام حق الفيتو, أفقداه ثقة المجتمع الدولي في امكانية فرض احترام قواعد القانون الدولي ومقتضيات العدالة, وهو ما دفع معظم الدول الى البحث عن وسائل أخرى للدفاع عن مصالحها وتحقيق أمنها بالاعتماد على قواها الذاتية أو بالتحالف مع آخرين. وأصبحت اعتبارات القوة وموازينها وليس العدالة ومقتضياتها هي المحرك الأساسي للعلاقات الدولية. وقد أدى الشلل الذي أصاب مجلس الأمن نتيجة استحالة اتفاق جميع أعضائه دائمي العضوية حول العديد من المنازعات الدولية وسبل حلها, الى تضييق الاستعانة بمحكمة العدل الدولية لحسم النزاعات استنادا الى معايير قانونية صرفة, كما تسبب ذلك أيضا في احجام العديد من الدول عن اصدار الاعلان الاختياري بقبول الولاية الالزامية لمحكمة العدل الدولية. حيث لم يتجاوز عدد الدول التي أصدرت هذا الاعلان ربع عدد الدول الأعضاء في النظام الأساسي للمحكمة. وحتى الدول التي أصدرت هذا الاعلان ربطته بقيود وتحفظات أفرغته من الكثير من مضمونه: كالنص على عدم سريانه على المنازعات ذات الصلة باختصاصاتها الداخلية, وترك الحرية للدولة كي تقرر بنفسها تلك المسائل التي ترى أنها تدخل في اطار اختصاصاتها الدولية, وكالنص على أن التصريح لايسري على المنازعات المتعلقة بأمن الدولة, وكثيرا ما أدت أحكام المحكمة في حالة النزاعات المحدودة التي نظرتها الى قيام الدولة التي صدر الحكم لغير صالحها بالالغاء الفوري للتصريح وسحب قبولها للاختصاص الالزامي للمحكمة (كما فعلت الولايات المتحدة عندما أصدرت محكمة العدل الدولية حكما لغير صالحها في 26 نوفمبر 1984 في الدعوى التي رفعتها نيكارجوا ضدها بسبب الأنشطة العسكرية الأمريكية في مياهها الاقليمية). واذا كان الدور القضائي المنوط بمحكمة العدل الدولية على أهميته القصوى لايزال محدودا وعاجزا, فانه ينبغي الاعتراف بأن أمر الأمم المتحدة كهيئة دولية لن يستقيم إلا إذا أصبح لهذه المحكمة سلطة التحكيم الالزامي في المنازعات ذات الطبيعة القانونية. وبعد انتهاء الحرب الباردة فإن الاتهامات التي كانت توجه للمحكمة فيما مضى حول (التسييس) المتزايد الذي يطبع أحكامها لم يعد له ما يبرره. ولأنه لايمكن مطلقا الحديث بجدية عن مجتمع دولي بدون جهاز قضائي له سلطة البت في كافة المنازعات القانونية ويحظى بالاستقلال الكامل, فإن النص في ميثاق الأمم المتحدة على التزام الدول بعرض هذا النوع من المنازعات على محكمة العدل الدولية يصبح أمرا لامفر منه, وأن تصبح لهذه المحكمة سلطات شبيهة بسلطات المحاكم الدستورية في الأنظمة القضائية الوطنية, فالمفروض أن الأجهزة الأخرى التابعة للأمم المتحدة خاصة مجلس الأمن, هي أجهزة سياسية تمارس وظائفها في حدود الميثاق, ومن ثم فان الخروج على أحكام الميثاق من جانب هذه الأجهزة أمر وارد مما يوجب أن تكون هناك سلطة لمراقبة القرارات الصادرة عنها, ولايوجد أفضل من محكمة العدل الدولية لمراقبة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن, لاسيما أنها قرارات تتعلق بقضايا السلام والحرب وأمن الشعوب. بقلم: لواء ركن حسام سويلم